طرابلس في استراتيجية بايدن للأمن القوميّ!

طرابلس في استراتيجية بايدن للأمن القوميّ!

سامر زريق - الخميس 17 تشرين الثاني 2022

الخبر الذي ساقه وزير الداخلية والبلديات في مؤتمره الصحافي منذ أسبوع عن توقيف ثماني خلايا إرهابية، أتى ليدهن زيتاً على خبز السيناريوهات الإرهابية التي يتمّ الحديث عنها بوتيرة متصاعدة في الآونة الأخيرة. ومع أنّ بيان قوى الأمن الداخلي أشار إلى توزّع هذه الخلايا التي تمّ توقيفها بين تمّوز وتشرين الأول على مختلف المحافظات اللبنانية، إلّا أنّ من البديهي أنْ تتوجّه الأنظار إلى مدينة طرابلس وجوارها السُنّيّ، بسبب الإرث الداعشي الملتصق بها استيراداً وتصديراً.

كان أحد تجلّيّات هذا الإرث حاضراً في موقعة برنامج "صار الوقت" على قناة "MTV"، التي كان "داعش" كلمة السرّ في اندلاعها، بعدما أغدق الجمهور العونيّ هذه الكلمة بغزارة على كلّ مداخلة لأبناء الشمال. وكانت التسريبات الأمنيّة التي اكتست بطابع التحذير من سيناريوهات إرهابية داعشيّة قد كثُرت مع الاقتراب من عتبة الشغور الرئاسي، وجُلّها كانت تشير إلى طرابلس، بما يشي بأنّها ستكون "الحلبة" التي ستجري عليها المبارزات الرئاسية وتبادل الرسائل السياسية.

لكن ما الذي يدفع القوى المتبارزة على حلبة الرئاسة إلى التوجّه شمالاً، واستخدام أسطورة داعش وأخواته في ظلّ الهزال السياسي السُنّيّ، وانعدام تأثير طرابلس في المعادلة الوطنية؟

جلّ ما يتمنّاه الطرابلسيّون أنْ يكفّ الجميع داعشيّتهم وسياطهم الإرهابية عنهم، وأنْ يستخدموا ملعباً آخر لمبارزاتهم الرئاسية

يكمن السرّ في استراتيجية الأمن القومي الأميركي، التي صدرت نسختها الأحدث في الشهر الماضي. فكلّ هذه الرسائل ليست موجّهة للداخل إنّما للخارج، ولأميركا تحديداً.

 

الإرهاب سُنّيّ

هذه الاستراتيجية هي عبارة عن وثيقة تصدر عن البيت الأبيض، وتعبّر عن رؤية الرئيس وإدارته للاهتمامات والمخاوف والتحدّيات التي تواجه أميركا. وهي بمنزلة خارطة طريق يُسهم في إعدادها المسؤولون والخبراء والمستشارون العاملون في البيت الأبيض والوزارات المختلفة.

يمثّل الإرهاب بنداً ثابتاً في هذه الوثيقة الاستراتيجية منذ عقود. وعلى الرّغم من أنّ الصين تحتلّ واجهة التحدّيات الأميركية، ومعها روسيا، ولا سيّما بعد اجتياحها للأراضي الأوكرانية، إلّا أنّ بند الإرهاب لم يفقد بريقه في النسخة "البايدينيّة" للأمن القومي.

من يطّلع عليها يستطيع الاستنتاج بسهولة أنّ الإرهاب سُنّيّ حصراً. ولأنّه كذلك في عيون بايدن وإدارته، لم يجد الرئيس الأميركي أيّ غضاضة في سحب الحوثيّين عن لوائح الإرهاب. وكان يعتزم سحب الحرس الثوري الايراني عنها أيضاً لولا الخوف من الخسارة في الانتخابات، إذ لا تزال الإدارة الأميركية ترى فيه شريكاً جيوستراتيجياً على الرغم من نهر الدماء الإيرانية وغير الإيرانية التي يسبح فيها.

 

البازار الكبير

انطلاقاً من هذا التعريف وتطبيقاته العمليّة السابقة لظهور الوثيقة واللاحقة لها، يعزف المتنافسون اللبنانيّون على رأس السلطة على هذا الوتر الأميركي الحسّاس. فمهما قيل ويُقال عن دور التفاهمات والتسويات الداخلية في إنتاج رئيس جديد، فإنّها لا يمكن أنْ تبصر النور إلّا ببصمة أميركية. وخير شاهد على ذلك هو الدور الأميركي الحاسم في ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.

ضمن هذا السياق يمكن فهم التسريبات الأمنيّة التي لا يوجد ما يؤكّدها، لا بل على العكس، ثمّة تسريبات أمنيّة مضادّة وكلام منسوب إلى قيادات أمنيّة استناداً إلى ما بحوزتهم من معلومات استخباراتية تقول إنّ تنظيم داعش ولّى وجهه شطر بقع جغرافية في الفناء الخلفيّ لإيران.

تندرج في السياق عينه التقارير الصادرة عن وسائل إعلامية مقرّبة من حزب الله اعتاد تمرير رسائل سياسية عبرها، والتي حذّرت من اضطرابات أمنيّة شمالاً، وما التيّار الوطني الحر وإعلامه عنها ببعيد. وكذلك الحملتان العسكريّتان الضخمتان للجيش اللبناني، اللتان كانت واحدة منهما في منطقة أبي سمراء التي تُعتبر موئل الجماعات الإسلامية على اختلافها، والثانية في مخيّم نهر البارد، وكلتاهما كانت حصيلتهما بضعة موقوفين بتهم ليس من بينها الإرهاب.

فما يكاد يرخي الليل سدوله حتّى تتحوّل الفيحاء إلى مدينة أشباح، باستثناء بضع بقع متناثرة هنا وهناك

يدفع كلّ هذا الطرابلسيّين إلى التخوّف من تحويلهم ومدينتهم إلى قرابين يتمّ تقديمها على مذبح الرئاسة، في ظلّ تسابق كبار اللاعبين على تقديم كلّ منهم نفسه على أنّه ذو القوّة المتين من أجل كسب تفويض أميركي وغربي، ولا سيّما مع غياب الظهير السياسي الذي ينافح عنهم ويضع الأمور في نصابها الصحيح.

جلّ ما يتمنّاه الطرابلسيّون أنْ يكفّ الجميع داعشيّتهم وسياطهم الإرهابية عنهم، وأنْ يستخدموا ملعباً آخر لمبارزاتهم الرئاسية، إذ لم يعد لديهم القدرة على تحمّل استخدامهم جسراً نحو السلطة، وصندوقة بريد محلية وعربية ودولية. "حاجة بقا" باللهجة الطرابلسية.


الإرهاب الحقيقيّ

لا يعني ذلك أنّ طرابلس هي واحة للسّلام كما يقول بعض قيادات المدينة من الطامحين الذين يبغون زعامة أو مواقع سلطوية متقدّمة، بل على العكس هي تعاني من إرهاب آخر، محلّي الطابع، ترتفع وتيرته باطّراد، ويستمدّ قوّته من انحسار هيبة الدولة. فبالتزامن مع كلام بسام مولوي في مؤتمره الصحافي عن نجاح الخطّة الأمنيّة في طرابلس، كان أحد أحياء القبّة مسرحاً لظهور مسلّح علنيّ، واشتباكات بالرصاص والقنابل على خلفيّة إشكال عائلي.

ثمّة ثوابت ثلاث لا تغيب عن اليوميّات الطرابلسية منذ أشهر قليلة: إشكالات ذات طابع عائلي تُستخدَم فيها مختلف أنواع الأسلحة وصولاً الى القذائف أحياناً، وسرقات وتشليح في نقاط متعدّدة، وختامها زخّات رصاص بعد منتصف الليل، صارت بمنزلة طقس طرابلسي مألوف. يضاف إليها بعض الحوادث المتنقّلة التي تزداد حدّة بمرور الأيّام، ومنها الثأر الشخصي، وإحراق المحالّ التجارية. كلّ ما سبق يدفعنا إلى التساؤل أين الخطّة الأمنيّة. فما يكاد يرخي الليل سدوله حتّى تتحوّل الفيحاء إلى مدينة أشباح، باستثناء بضع بقع متناثرة هنا وهناك، تشتمل على عدد من المقاهي والمطاعم، وأبرزها الشارع الرئيس في منطقة الضمّ والفرز، الذي يبدو كأنّه في حالة انفصام تامّ عن واقع المدينة، بالنّظر إلى اكتظاظ مطاعمه ومقاهيه بأبناء الأرستقراطية الطرابلسية، والبورجوازية الناشئة، والمغتربين، وأصحاب المهن الحرّة الذين ازدهرت أحوالهم في الأزمة. بيد أنّ هؤلاء مهما كثر عددهم يبقوا قلّة بالمقارنة مع سكّان مدينة ينوف عددهم على نصف مليون. أمّا باقي المدينة فشوارعه مخيفة تزداد وحشة كلّما أوغل الليل أكثر، خاصّة أنّ الكثير من المحالّ التجارية والمؤسسات العريقة غيّرت مواعيد إغلاقها وقدّمته ساعات قليلة خوفاً ورهباً.

إقرأ أيضاً: بايدن وأمنه القومي (2): الشرق الأوسط ليس خطراً كبيراً

كلّ ذلك ما هو إلّا نتاج عنف مجتمعي متصاعد يقتات من ضعف الدولة وتراجع هيبتها. لا ريْب أنّ الأجهزة الأمنيّة لديها نفوذ هائل في طرابلس، وهي التي تتولّى تصنيع القبضايات وحمايتهم، لكنّ المشكلة أنّ جماعات القبضايات كثيراً ما تخرج عن السيطرة، وهذا ما هو حاصل حاليّاً، فتتحوّل إلى كابوس لطرابلس وللدولة وللأجهزة نفسها أيضاً.