بايدن وأمنه القومي (2): الشرق الأوسط ليس خطراً كبيراً

بايدن وأمنه القومي (2): الشرق الأوسط ليس خطراً كبيراً

إيمان شمص - السبت 29 تشرين الأول 2022

"إنّ حاجة العالم بجميع أنحائه إلى القيادة الأميركية لم تكن يوماً أشدّ ممّا هي عليه الآن. نحن في خضمّ منافسة استراتيجية لتحديد المعالم المستقبلية للنظام الدولي، ولن نترك مستقبلنا عرضةً لأهواء أولئك الذين لا يشاركوننا رؤيتنا لعالمٍ حرٍّ ومنفتح ومزدهر وآمن، ولا توجد دولة في وضع أفضل للقيادة بقوّة وهدف من الولايات المتحدة الأميركية".

بهذه الكلمات قدّم الرئيس الأميركي جو بايدن في 12 تشرين الأول 2022، لنصّ استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية في عهده الذي يتزامن مع السنوات الأولى "لعقد حاسم لأميركا وللعالم، ستُحدّد فيه شروط المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى وستتقلّص الفرصة للتعامل مع التهديدات المشتركة. وبالتالي ستحدّد إجراءات الولايات المتحدة الأميركية وخطواتها الآن ما ستُعرف به هذه الفترة لاحقاً: هل تكون عصر صراعات أم بداية مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً"، كما أضاف الرئيس الأميركي في تقديمه.

"أساس" ينشر على حلقتين ملخّصاً لهذا التقرير السنوي، الذي صدر عن الإدارة الأميركية قبل أيّام. في الجزء الثاني تفصّل الاستراتيجية "المخاطر" في الشرق الأوسط، وتعطي إيران دوراً محورياً في رأس أولوية المخاطر.  

ركّزت "الاستراتيجية الأميركية الخاصة بالشرق الأوسط" على أهميّة "الشرق الأوسط الأكثر تكاملاً بهدف تعزيز السلام والازدهار الإقليمي... وتقليل متطلّبات الموارد التي تفرضها المنطقة على الولايات المتحدة على المدى الطويل". وأقرّت بخطأ لجوء الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في كثير من الأحيان، إلى سياسات ترتكز على القوّة العسكرية، مستندة إلى ثقة غير واقعية في استخدامها، وإلى تغيير النُظُم السياسية لتحقيق نتائج مستدامة.

ركّزت "الاستراتيجية الأميركية الخاصة بالشرق الأوسط" على أهميّة "الشرق الأوسط الأكثر تكاملاً بهدف تعزيز السلام والازدهار الإقليمي

مبادئ خمسة

أقرّت الاستراتيجية أيضاً بإخفاق هذه السياسة في تقدير الفرص البديلة في ساحة عالمية تتضارب فيها الأولويّات. وخلصت إلى أنّ الوقت قد حان لتوجيه الخطط الأميركية نحو "مزيد من الخطوات العمليّة التي تعزّز المصالح الأميركية وتساعد الشركاء الإقليميين على إرساء الاستقرار والازدهار لشعوب الشرق الأوسط وللشعب الأميركي".  

وتضمّنت 5 مبادئ تحكم سياسة واشنطن في الشرق الأوسط لتعزيز الردع، مع استخدام الدبلوماسية لتهدئة التوتّرات وتقليل مخاطر نشوب صراعات جديدة ووضع الأسس لاستقرار طويل الأمد:

المبدأ الأوّل: ستدعم وتعزّز شراكاتها مع الدول التي تتّبع قواعد النظام الدولي القائم، وستضمن قدرات هذه الدول على الدفاع عن نفسها ضدّ التهديدات الخارجية.

المبدأ الثاني: لن تسمح لقوىً أجنبية أو إقليمية بتقويض حرّية الملاحة عبر الممرّات المائية في الشرق الأوسط، ومنها هرمز وباب المندب. ولن تتسامح مع الجهود التي تبذلها أيّ دولة للسيطرة على دولة أخرى، أو على المنطقة، سواء باستخدام الحشد العسكري، أو التوغّلات، أو التهديدات.

المبدأ الثالث: ستعمل على خفض التوتّرات والتقليل من التصعيد وإنهاء الصراعات حيثما أمكن ذلك عبر الطرق الدبلوماسية.

المبدأ الرابع: ستعمل على تعزيز التكامل الإقليمي ببناء روابط سياسية واقتصادية وأمنيّة مع شركائها وفيما بينهم. ومن هذه الروابط هياكل الدفاع الجوي والبحري المتكاملة، مع احترام سيادة كلّ دولة وخياراتها المستقلّة.

المبدأ الخامس: ستعمل دائماً على تعزيز حقوق الإنسان والقيم المنصوص عليها في ميثاق منظمة الأمم المتحدة.

 

تهديدات إيران

وقد دعت الاستراتيجية لمواجهة مخاطر وتهديدات إيران على واشنطن وحلفائها، في اعتمادها على التقدّم الأخير الذي حقّقته دول المنطقة في تجسير الهوّة بينها، في حين تواصل واشنطن العمل مع الحلفاء والشركاء لتعزيز قدراتهم لردع ومواجهة تدخّل إيران في الشؤون الداخلية للجيران ومنع أنشطتها المزعزعة للاستقرار.

كما أكّدت الاستراتيجية مواصلة الجهود الدبلوماسية لضمان عدم تمكّن إيران من امتلاك سلاح نووي، واستمرار الجهوزية لاستخدام وسائل أخرى في حال فشل الطرق الدبلوماسية. ولفتت إلى أنّ لا تسامح مع تهديدات إيران الأفراد الأميركيين، وإلى وقوفها مع الشعب الإيراني الذي يناضل من أجل حقوقه الأساسية وكرامته التي حرمه إيّاها نظام طهران.

كذلك شدّدت الإدارة الأميركية على ضرورة توسيع وتعميق علاقات إسرائيل المتنامية مع جيرانها والدول العربية الأخرى، من خلال اتفاقيات أبراهام وغيرها، مع الحفاظ على التزامها الصارم بأمن إسرائيل ودعم حلّ الدولتين القابلتين للحياة، يحافظ على مستقبل إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، ويلبّي تطلّعات الفلسطينيين إلى دولة خاصة بهم، آمنة وصالحة للعيش.

أكّدت الاستراتيجية مواصلة الجهود الدبلوماسية لضمان عدم تمكّن إيران من امتلاك سلاح نووي، واستمرار الجهوزية لاستخدام وسائل أخرى في حال فشل الطرق الدبلوماسية

الردع والتكامل الإقليميّ

في ما يتعلّق بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تجمع الولايات المتحدة بين الدبلوماسية والمعونات الاقتصادية، والمساعدة الأمنيّة لشركائها المحليّين، لتخفيف معاناتهم والحدّ من عدم الاستقرار ومنع تصدير الإرهاب ووقف الهجرة الجماعية من اليمن وسوريا وليبيا، إضافة إلى العمل مع حكومات المنطقة لمعالجة الآثار الأوسع نطاقاً لهذه التحدّيات.

يعتمد هذا الإطار الجديد على وضع عسكري دائم وفعّال يركّز على الردع، وتعزيز قدرة الشركاء، وتحقيق التكامل الأمني الإقليمي، ومكافحة التهديدات الإرهابية، وضمان حرّية النقل للتجارة العالمية، مع استخدام أدوات أخرى من القوّة الأميركية تساعد هذه الأنشطة العسكرية في مواجهة التوسّع العسكري لجهات خارجية فاعلة في المنطقة.

وجاء في نصّ الاستراتيجية: "لن نستخدم جيشنا لتغيير الأنظمة أو إعادة تشكيل المجتمعات. لكن بدلاً من ذلك نقصر استخدام القوّة على الظروف الضرورية لحماية مصالح أمننا القومي، وبما يتّفق مع القانون الدولي، مع تمكين شركائنا من الدفاع عن أرضهم ضدّ التهديدات الخارجية والإرهابية. وتشجيع الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي تساعد في إطلاق العنان للقدرات الكامنة في المنطقة، من خلال تعزيز التكامل الاقتصادي لدفع النموّ وخلق فرص العمل. وسنحثّ منتجي الطاقة على استخدام مواردهم لتحقيق الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية. وسنعمل على حماية المستهلك الأميركي، ونستعدّ لمستقبل من الطاقة النظيفة. ونواصل أيضاً دعم شركائنا الديمقراطيين والمطالبة بالمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان. ونحافظ على ريادتنا في مجال المساعدات الإنسانية، وندير أزمات اللاجئين والنازحين الطويلة الأمد، بما يساعد على تحقيق الكرامة الإنسانية وتعزيز الاستقرار. ونسرّع وتيرة دعمنا الشركاء الإقليميين لمساعدتهم على بناء قدر أكبر من الصلابة، إذ سيُحدَّد مستقبل الشرق الأوسط من خلال التغيّرات المناخية والتكنولوجية والديمغرافية، إضافة إلى الشؤون الأمنيّة التقليدية".

 

خبراء: تجاهل الشرق الأوسط مؤسف

في المقابل أعرب خبراء من "معهد بروكينغز" عن رأيهم في الاستراتيجية وما يتعلّق منها بمنطقة الشرق الأوسط. والمعهد هو منظّمة غير ربحية تعنى بالسياسات العامّة ومقرّها في واشنطن العاصمة، ومهمّتها إجراء بحث معمّق يؤدّي إلى أفكار جديدة لحلّ المشكلات التي تواجه المجتمع على المستويات المحلّي والوطني والعالمي:

- سوزان مالوني نائبة رئيس المعهد ومديرة قسم السياسة الخارجية فيه رأت أنّ "الاستراتيجية تتجاهل المقايضات الفوضوية المتأصّلة في تعزيز المصالح الأميركية الأساسية". وتأسّفت على "إهمال الوثيقة الشرق الأوسط، مع أنّه مفهوم. فإذا كانت هناك منطقة واحدة أخفقت فيها أفضل النوايا والاستثمارات الهائلة في الطاقة والموارد الاستراتيجية في النهوض بقيمنا أو الحفاظ على مصالحنا المعلنة، فهي تلك المنطقة، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى تجاهلنا الفجوة المتزايدة بين خطابنا والواقع".

- شادي حميد الزميل الأول في "المعهد والباحث في مركز سياسات الشرق الأوسط"، اعتبر أنّ "مناقشة الاستراتيجية المتّصلة بالشرق الأوسط تتعارض مع بقيّة الوثيقة، فكيف يمكن أن يكون "الشرق الأوسط أكثر تكاملاً يمكّن حلفاءنا وشركاءنا من تعزيز السلام والازدهار الإقليمي، مع تقليل متطلّبات الموارد التي تفرضها المنطقة على الولايات المتحدة على المدى الطويل"، بينما حلفاؤنا وشركاؤنا العرب من بين أكثر الأنظمة قمعيّة في العالم؟". وقال: "من السهل تجاهل الشرق الأوسط باعتباره وسيلة إلهاء. لكنّه يظلّ مختبراً للتناقضات الموجودة في قلب السياسة الأميركية. وإلى الحدّ الذي تُعتبر فيه استراتيجية "الديمقراطية أوّلاً" مبدأً منظّماً في المواجهة مع الصين وروسيا، لن يكون أمام الإدارات الأميركية خيار سوى التعامل مع حقائق أنّ الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم غير ديمقراطية.

إقرأ أيضاً: بايدن وأمنه القومي (1): الصين أولاً ثم روسيا... وبعدهما أوروبا

- ناتان ساتش الزميل والمدير والباحث في مركز سياسات الشرق الأوسط اعتبر أنّ الاستراتيجية تشكّل "تعبيراً طموحاً ومثيراً للإعجاب عن حقبة جديدة من السياسة الخارجية الأميركية، غير أنّها لا تصلح للشرق الأوسط الذي يعارض النظام العالمي القائم على الديمقراطية التي تصوَّرها بايدن. فـ"التحدّي الاستراتيجي الأكثر إلحاحاً" لا يأتي من المستبدّين، بل من السلطات التي تفرض الحكم الاستبدادي على سياسة خارجية تحريفية. وهذا يترك الباب مفتوحاً أمام الشراكات مع المستبدّين إذا "انضمّوا إلى النظام الدولي القائم على القواعد". وأضاف: "لقد حان الوقت لتجنّب التصاميم الكبرى لصالح تدابير أكثر عمليّة. كمسرح ثانوي، من المفترض الآن أن يكون الشرق الأوسط جزءاً من أجندة عالمية أوسع، بدلاً من السيطرة عليه".