“لُغة” معراب: إسرائيل “مظلومة”

2024-04-29

“لُغة” معراب: إسرائيل “مظلومة”

“سقطة” كبيرة وقعت فيها معراب في بيانها الختامي يوم السبت. قدّمت لغةً لا تصلح لتكون جامعة. بل لغة تقدّم إسرائيل على أنّها “مظلومة”. وتجهّل “الفاعل” في تدمير قرى جنوب لبنان. وتتجاهل بشكل كامل غزّة والإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل هناك منذ 7 أشهر.

بيان معراب سيدخل التاريخ على أنّه درس في تحويل المجرم إلى “حمل وديع”، وتحويل أهل جنوب لبنان إلى “موهومين”. تحديداً خلال عدوان دمّر قراهم وأراضيهم وبيوتهم.

وإذا كان من حقّ “معراب” أن تتّهم الحزب بأنّه ينفرد بقرار الحرب والسلم، فإنّ “الأخلاق السياسية” كانت تحتّم أن يتضمّن بيانها إدانة صريحة للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، من غزّة إلى جنوب لبنان.

 

على تلّة عالية بعيدة عن بيروت، وبعيدة عن جنوب لبنان، اجتمعت قوى سياسية لبنانية في معراب. كان من بين الحاضرين ممثّلون عن “القوات اللبنانية” و”الكتائب” و”الوطنيين الأحرار” و”التجدّد” وكتلة “تحالف التغيير” و”حركة الاستقلال”، ونواب “تغييريّون” وممثّلون عن كتل ونواب غابوا… أي أنّه كان هناك “نصاب مسيحي”، ولو “أعرج”، و”حضور سنّيّ”، ولو “ضعيفاً”. وذلك بالنواب وضّاح الصادق وأشرف ريفي وفؤاد مخزومي، وبالنائبين السابقين عثمان علم الدين ورامي فنج.

اللافت كانت المقاطعة الدرزية الكاملة. والمقاطعة الشيعية الكاملة. حتّى المعارضون الشيعة الذين تلقّوا دعوات ارتأوا “المقاطعة”. وحده أحمد عياش، الكاتب في جريدة “نداء الوطن” حضر وشارك في صياغة البيان الختامي.

لكنّ البيان الصادر عن اللقاء، وكلمة راعيه والداعي إليه، سمير جعجع، “سقطا” في “فخّ” ملاطفة إسرائيل. فقاربا إسرائيل من زاوية أنّها “مظلومة”، يعتدي عليها مقاتلون “مجرمون” في جنوب لبنان. وتجاهل “النصّان”، في “لغة واحدة”، جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزّة والضفّة الغربية ورفح وجنوب لبنان.

بيان معراب سيدخل التاريخ على أنّه درس في تحويل المجرم إلى “حمل وديع”، وتحويل أهل جنوب لبنان إلى “موهومين”

إسرائيل “المظلومة”… الحمل الوديع

في كلمة سمير جعجع بعد نهاية “اللقاء”، وردت كلمة إسرائيل مرّتين فقط، في مقطع واحد. تعالوا نقرأه: “في بداية الحرب على غزة، وقف العالم بأسره ضدّ إسرائيل ومنحتها الولايات المتحدة 11 مليار دولار فقط. أمّا بعد شنّ إيران هجوماً عليها، ففد عاد والتفّ العالم كلّه حولها وأعطتها أميركا 26 مليار دولار. وبالتالي فإنّ إقحام إيران نفسها أضرّ بالقضية الفلسطينية أكثر ممّا أفادها. وكذلك فعل تدخّل الحزب، في ظلّ الإجماع الدولي ضدّهما. لذا الرابحان بشكل أساسي في هذا الهجوم هما إيران وإسرائيل. أمّا الخاسر الأكبر فهي فلسطين”.

هذه هي إسرائيل في “لغة” جعجع. يقرأها من باب “الخسائر والأرباح”. وهذا ليس تفصيلاً. وبغضّ النظر عن أنّ الـ26 مليار دولار كانت محضّرة قبل هجوم إيران… إلا أنّ هجومه العنيف على الحزب يجعل إسرائيل في “نصّه”، حملاً وديعاً حقيقياً “التفّ العالم حوله”. لكن لا إشارة، لا من قريب ولا من بعيد إلى جرائمها، من غزّة إلى جنوب لبنان.

فوق هذا، ليست إسرائيل من دمّر القرى في جنوب لبنان. بل “العمليات العسكرية” التي قام بها الحزب. تلك التي “لم تفِد غزّة بشيء، بل كبّدت لبنان خسائر كبيرة بالأرواح. ودمّرت مناطق وقرى جنوبية بأكملها. كما خلّفت خسائر اقتصادية فائقة، وهذا واقع وليس وجهة نظر”.

لا تضامن سياسياً.،لا موقف أخلاقيّاً تضامنيّاً مع أهل الجنوب، لا موقف أخلاقيّاً تضامنيّاً مع أهل غزّة. لا دقيقة صمت لأرواح وجراح 120 ألف قتيل وجريح. 20 ألف بيت وأرض دمّرتها إسرائيل في الجنوب. كلّ هؤلاء ضحايا “حماس” والحزب. ليسوا ضحايا إسرائيل بأيّ شكل من الأشكال.

لكنّ كلمة جعجع التي لم تُدِن إسرائيل، ولم توجّه لها اتهامات بالإبادة، حرصت على القول إنّ ” القضية الفلسطينية واجب علينا جميعاً لأنها حق وهي إحدى أهم قضايا المنطقة ونحن مع القضية الفلسطينية، ولكن أن نكون معها شيء وأن نتاجر بها شيء آخر”.

إذا كان من حقّ “معراب” أن تتّهم الحزب بأنّه ينفرد بقرار الحرب والسلم، فإنّ “الأخلاق السياسية” كانت تحتّم أن يتضمّن بيانها إدانة صريحة للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل

البيان الختاميّ: تحييد إسرائيل

الأصعب من كلام جعجع، الذي يمكن نسبته إلى القوات وإليه، هو “البيان” الذي صدر “عن المجتمعين”. وتلاه النائب عن بيروت وضّاح الصادق. هنا إسرائيل أكثر “لطفاً”. والحزب هو “المجرم” فقط.

دعا البيان “من يحمي المُجرمينَ بِأَنْ كُفّوا عن حمايتِهم، وبوجهِ من يزجُّ اللبنانيينَ بالنارِ بِأَنْ كُفّوا عن زَجِّهِمْ، وبوجهِ الدُّوَلِ والأنظمةِ الراعيةِ للتنظيماتِ غيرِ الشرعيةِ في وطنِنا بِأَنْ كُفّوا عن رعايتِكُم”. وبعد اتّهام “سلاح الميليشيات وسلاح المافيات” باغتيال المسؤول القواتي باسكال سليمان، يكمل البيان أنّ الحرب هي التي أدّت إلى “قتلِ الجنوبيينَ وتهجيرِهِمْ وإِتلافِ مواسمِهِمْ وهدْمِ منازِلِهِمْ”.

لنلاحظ هنا أنّ الفاعل في “التدمير” هو “الحرب”، وليست “إسرائيل”. في هذه اللغة، يصير “الفاعلُ” هو “المسرح”، وليس من يطلق النار.

قد يقول قائل: هذا كلام ضدّ تدخّل الحزب في الحرب.

لكن كما وصف الحزب بـ”الإجرام”، هل كان من الصعب أن يتّهم إسرائيل بالإجرام، وإن على قاعدة “المساواة” في أقلّ تقدير؟ إسرائيل هذه التي ما هي إلا مسألة وقت قبل أن تصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكّرة توقيف بحقّ رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو بتهمة الإبادة الجماعية. على الأقلّ هذا ما قالته وسائل إعلام إسرائيلية في الساعات الأخيرة.

في الأصل، فإنّ وجود “دولة مجرمة” ترتكب إبادة جماعية، على الحدود مع لبنان، إذا لم يدفع كلّ “اللغات السياسية” في لبنان إلى “إعادة النظر” بقواعدها اللغوية، فمتى يعيد “سيبويه” النظر في كلماته؟

على يمين “الحياد البطريركيّ”

أكثر من ذلك، نظرية الحياد البطريركي نفسه لا تحيّد فلسطين. البطريرك بشارة الراعي قال ضمن عظته يوم الأحد 16 أيّار 2021: “من واجب لبنان أن يوالفَ بين الحيادِ الذي يَحفظُ سلامتَه ورسالته، وتأييدِ حقوقِ الشعبِ الفلسطيني”.

المؤلم أنّه لا يوجد من بين الذين صاغوا البيان، أو حضروا الاجتماع، واحد، واحد فقط، رفع يده وطلب إضافة سطرين عن “جرائم إسرائيل” وعن “الإبادة الجماعية”

وبالتالي فإنّ “بيان معراب” لم يشكّل “سقطة” كبيرة في مقاربته المشهد في المنطقة، من غزّة إلى بيروت. ولا شكّل فقط “سقطة” في إدارته الأذن الطرشاء لمئات آلاف البيوت والأراضي والشهداء والجرحى والمفقودين بنيران اليمين المتطرّف في إسرائيل. بل هو شكّل تجاوزاً لواحدة من أهمّ ثوابت “الحياد البطريركي”. ووقف على اليمين المتطرّف للحياد الذي نادت به معراب وخاضت الانتخابات على أساسه. وهي اليوم تعقد لقاءً في معراب للدفاع عن القرار 1701 ضمن نظرية “الحياد” نفسها.

“لغة المجاز”… إلى الخارج

في “التعبير المجازي métaphore”، يمكن القول إنّ “الحرب دمّرت”. في الشعر والأدب والسينما ربّما. لكن في اللغة السياسية، خصوصاً في بيان يدّعي أنّه يريد “حماية لبنان وأهل الجنوب”، لا بدّ من تسمية الأمور بأسمائها.

في علم الإعلام، هدف “الرسالة” أن تصل إلى “المتلقّي”. فمن هو المتلقّي لهذه الرسالة المعرابيّة؟ إذا كانوا أهل الجنوب، فهي رسالة “مُهينة” ستدفعهم إلى رفض تلقّيها. أمّا إذا كانت مرسلة إلى “معراب وأهل بيته” فلا لزوم لهذا التجمّع. إلا إذا كانت الرسالة في طريقها إلى المجتمع الدولي.

على الأقلّ هذا الخطاب لا يصلح ليكون “لبنانياً” ولا يمكن أن يكون مقبولاً في شوارع لبنان، وبعضها “قاطع” اللقاء. ولا في “الشارع العربي” الذي سيسأل عن غزّة في هذا البيان، ولو من باب “رفع العتب”.

إقرأ أيضاً: إمبراطورية إيران “العاقلة”… ونحنُ شعوب الدرجة الثانية المنذورين لحروبها

المؤلم أنّه لا يوجد من بين الذين صاغوا البيان، أو حضروا الاجتماع، واحد، واحد فقط، رفع يده وطلب إضافة سطرين عن “جرائم إسرائيل” وعن “الإبادة الجماعية”… وهذا ليس تفصيلاً.

لمتابعة الكاتب على X:

@mdbarakat

مواضيع ذات صلة

لبنان يقاوم “المقاومة”… بالفرح!

يقاوم اللبنانيون بالفرح الظلم المتمثّل بربط بلدهم بحرب غزّة، وهو ظلم ليس بعده ظلم. بل هو جريمة موصوفة في غياب أيّ أفق سياسي لهذا الربط…

تركيا والحلم الأوروبيّ بعد “فاجعة” اليمين المتطرّف

وضع صعود اليمين القومي الأوروبي بعد نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة مسار العلاقات التركية الأوروبية أمام امتحان جديد أكثر صعوبة وتشدّداً، إذ سيشهد الكثير من القلق…

بيروت مدينة الأسرار: نبوءة رفيق ونداء نزار وحبّ درويش

كيفما قلّبتها حبّاً أو بغضاً أو تآمراً، هي بيروت دائماً وأبداً مدينة عصيّة على الكسر والقهر والاختزال. كم مرّة هزّها زلزال عبر التاريخ؟ كم جيشاً…

بروتوكول غولدامائير: الهدف قتل الفلسطيني وليس إنقاذ اليهودي

“تأَمَّلْ هنالِكَ أَنَّى حَصَدْتَ  رؤوسَ الوَرَى وزهورَ الأَملْ وَرَوَّيْتَ بالدَّمِ قَلْبَ التُّرابِ  وأَشْربتَهُ الدَّمعَ حتَّى ثَمِلْ سيجرُفُكَ السَّيْلُ سَيْلُ الدِّماءِ  ويأْكُلُكَ العَاصِفُ المشتَعِلْ” أبو القاسم…