ميقاتي مفتياً للعلويّين في بيروت

ميقاتي مفتياً للعلويّين في بيروت

زياد عيتاني - الأربعاء 09 تشرين الثاني 2022

بعد اعتكافه عن خوض الانتخابات النيابية وضمور حظوظه لدرجة الاستحالة في العودة إلى السراي الكبير عند انتخاب رئيس جديد للجمهورية، قرّر الرئيس نجيب ميقاتي كما يبدو العودة إلى جذوره الدينية وسيرة أجداده من المفتين وعلماء الدين. يذكر المؤرّخ الطرابلسي الدكتور عمر تدمري في كتابه "آثار طرابلس الإسلامية.. دراسات في التاريخ والعمارة" تولّي شيخين من آل ميقاتي منصب الإفتاء في المدينة. الأوّل هو الشيخ محمد رشيد ميقاتي في عشرينيّات القرن الماضي، ثمّ تكرّر الأمر في الخمسينيّات بتولّي الشيخ كاظم ميقاتي منصب المفتي عام 1955.

الرئيس ميقاتي الراغب بالعودة إلى مسلك أجداده في علوم الدين والفقه والإفتاء، للأسف لم يسلك الطريق نفسها، ربّما لأنّ الوصول إلى منصب الإفتاء في مدينته طرابلس يحتاج منه إلى أن يخوض معركة انتخابية، وقد سبق له أن أعلن التوبة النصوح عن خوض أيّ انتخابات لأيّ منصب، وذلك لزوم الكلفة المالية وضرورة إرضاء الناس، وتحديداً الناخبين، فيما منصب مفتي لبنان ليس شاغراً مع وجود الشيخ عبد اللطيف دريان أطال الله بعمره.

قرّر دولته أن يصبح مفتياً ليس لسُنّة طرابلس ولا لعامّة اللبنانيين، بل مفتياً للعلويين في بيروت وضواحيها مواصلاً سلسلة ما يفعله النجيب العجيب

ابتدع الرئيس ميقاتي كالعادة منصب إفتاء جديد، هو منصب مفتي العلويين في بيروت! أصدر مكتب الابتكارات الدستورية في رئاسة مجلس الوزراء المرسوم ووقّعه مرتكباً ما لم يرتكبه غيره من رؤساء الحكومة أو المسؤولين. كلامنا ليس انتقاصاً من الطائفة العلوية الكريمة وفي صفوفها الكثير من العلماء والمثقّفين والمحترمين. إلا أنّ الغريب الغريب من نجيب أن يُصدر مرسوماً بإنشاء موقع مفتٍ للعلويين في بيروت، فيما عددهم في لوائح الشطب بالعاصمة لا يتجاوز 250. هذا ولا تلحظ السجلّات الرسمية كما في طرابلس وعكار أيّ جمعية أو مؤسّسة خيرية أو تربوية أو استشفائية أو اجتماعية في بيروت للإخوة العلويين، ونسبة تصويتهم في الانتخابات النيابية الأخيرة لم تتجاوز 10%، أي لم يتجاوز عدد المقترعين منهم في الصناديق رقم الثلاثين.

يتساءل البعض هنا: لِمَ يفعل هذا دولة الرئيس النجيب؟ تتعدّد الأجوبة وتذهب مخيّلات البعض إلى كثير من التحليل. ربّما تحمل الإجابةَ على هذا السؤال الصغير حادثةٌ سُجّلت في هذا التاريخ الحديث تتعلّق بدولته شخصيّاً. عندما كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئيساً للحكومة عام 1992 رفض بطلب من الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أن يسمح للطائرات الإيرانية بالهبوط في لبنان، أو أن يكون مطار بيروت الدولي محطّة لها. برّر الرئيس الأسد مطلبه حينذاك بأنّ هذه الرحلات يمكن ضبط تنقّل ركّابها عبر مطار دمشق بشكل أدقّ، وأمّا في مطار بيروت فالأمر صعب وعسير. ثمّ كانت المفاجأة في عام 2011 عندما رأس الرئيس نجيب ميقاتي حكومة القمصان السود، أنّه وقّع قراراً يسمح للطائرات الإيرانية بأن تصول وتجول عبر مطار رفيق الحريري الدولي.

قرار إنشاء منصب مفتٍ للعلويين في بيروت يجعل من مفتٍ على ما يقارب ثلاثمئة شخص متساوياً مع مفتٍ يتبع له ما يزيد على مليون من المؤمنين، ومتساوياً مع شيخ عقل طائفة الموحّدين التي يتجاوز عدد أبنائها في بيروت الآلاف، ولهم في العاصمة نائب في مجلس النواب وعلى تلّة من تلال العاصمة مركز لمشيخة العقل يشبه قلاع الفاتح صلاح الدين.

إقرأ أيضاً: نجيب ميقاتي يرث رشيد الصلح

الرئيس نجيب ميقاتي بعد 167 عاماً من تعيين آخر مفتٍ من عائلة الميقاتيين، الذين ارتبط اسمهم بتوقيت الصلاة ومدفع الإفطار وغروب الشمس وشروقها عبر التاريخ، وقدّمت العشرات من العلماء والمؤذّنين، قرّر دولته أن يصبح مفتياً ليس لسُنّة طرابلس ولا لعامّة اللبنانيين، بل مفتياً للعلويين في بيروت وضواحيها مواصلاً سلسلة ما يفعله النجيب العجيب.