باسكال سليمان وحكاية أمّ الصّبيّ

2024-04-09

باسكال سليمان وحكاية أمّ الصّبيّ

مدة القراءة 4 د.

لم أقتنع برواية السلطة أنّ جريمة قتل باسكال سليمان جاءت بدافع السرقة. كيف للسارق أن يأخذ غنيمته ومعها جثّة الضحيّة؟ هو إمّا سارق غبيّ أو مجرم هاوٍ أو قاتل مريض.

أنا لا أثق بالدولة وأجهزتها. لم نعد نثق بالسلطة وهيبتها. كلامها منذ فترة بات حبراً على ورق. فكيف إن كانت هذه السلطة نفسها عاجزة بسبب شحّ ميزانيّتها عن أن تزوّد مؤسّساتها بالورق؟

 

لا أصدّق وزير الداخلية ولا وزير الدفاع وكلّ الأجهزة التي تتبع لهما. الأوّل يلهو بحفلات إفطار التكريم، والثاني مشغول بحرتقات السياسة وعسكر “الباركنغ” والتمنّع عن التوقيع.

لم أقتنع برواية السلطة، لكنّني أريد أن أصدّقها. إنّني أخاف على الوطن واستقراره وأمنه وأمانه.

سأصدّق رواية السلطة عن باسكال سليمان

نعم سأصدّق رواية السلطة، التي لم أقتنع بها خوفاً من الفوضى وقطع الطرقات والخطف على الهويّة. لا أريد أن أُحرم أنا وأبناء جلدتي من زيارة جبيل وجونية والقبيّات. لا أريد من أصدقائي في المقلب الآخر، لعنة الله على وطن فيه مقلب آخر، أن يخشوا القدوم إلى بيروت والمنارة وطرابلس وصيدا وصور والنبطية.

لا أريد أن يضطرّ زميلي إلى إلغاء عرس نجله. فمنذ أن تزوّج وأنجب ولده يحلم بهذه اللحظة. أخشى أن لا أستطيع زيارة أيّ منطقة أشتاق إليها في لبنان. وأن ارتعب عندما أقترب من المتحف أو البربارة أو شارع الكفاءات. أقلق عندما أرى في عينيّ ابنتي رغبة بالهجرة والهرب من البلاد. لا أريد لكلّ تلك الصور البشعة أن تعود. لقد أرهقتنا هذه الملمّات. كبرنا. وتراجعت همّتنا على مواجهة الصعاب.

أبشع ما حصل لنا

أبشع ما حصل لنا ليس اختطاف وقتل باسكال سليمان، ولا اختطاف رمزي عيراني من قبله، ولا اختطاف وقتل الزيادين في بيروت، ولا تلك القافلة الطويلة من المخطوفين والضحايا والشهداء.

أبشع ما حصل لنا أنّنا تواطأنا على كلّ هذه الدماء. ارتضينا أن نساوم القاتل ونعقد معه اتّفاقاً على دماء شهدائنا مقابل الأمن والاستقرار.

ليس شهامة ولا بطولة، فليس أمامنا غير تصديق رواية السلطة والمنظومة عن باسكال سليمان

كانت خطيئتنا الأولى أنّنا ادّعينا الخوف على البلد وأنّنا أمّ الصبي وأمّ الولد، فلعن القاتل أمّنا وأمّ الصبي وأمّ البلد. ساومنا على تلك الدماء ومددنا اليد عند أبواب المحاكم في لاهاي، وغضضنا الطرف عن عنصرية المحكمة العسكرية الواقعة عند ما كان يسمّى بخطّ التماسّ.

ارتضينا أن يحاكَم ويُسجن أحمد الأسير دون محاكمة المسلّحين في الشقق المشبوهة في عبرا، وأن نرفض الاستماع إلى شهادة السيّدة بهيّة كيف أطلق هؤلاء النار على منازلنا، وأن نمنع القضاء من مشاهدة ما سجّلته الكاميرات.

ارتضينا أن يُوقف شباب العشائر العربية في خلدة، الصغير منهم والكبير، من دون أن يتمّ توقيف أيّ شخص من الطرف الآخر الموثّقة صور عناصره ووجوههم وهم يحملون السلاح.

ارتضينا أن نقبل رواية أنّ رفيق الحريري تعرّض لحادث سير، وأنّ وليد عيدو تعارك مع نجله فانفجرت بهما السيّارة، وأنّ أنطوان غانم مات في بلاد الاغتراب، وجورج حاوي ارتطمت سيّارته بالجدار، وأنّ اختطاف المعارضين السوريين في لبنان ليست جريمة ضدّ الإنسانية والحرّية في لبنان. لقد ساومنا على كلّ هذه المبادئ والدماء لحماية البلد، فلم يبقَ لنا حرّية ونسينا الشهداء وطار معهما البلد.

ليس شهامة ولا بطولة، فليس أمامنا غير تصديق رواية السلطة والمنظومة عن باسكال سليمان. لقد تعوّدنا أن نكون بخدمة السلطة ومنظومة “الحزب الواحد” ورواياتها المضحكة في موسم البكاء. اعتدنا أن نواري عورتنا بإغماض أعيننا، فهذا مذهب العاجز الفاقد للقدرة على المقاومة والنضال.

إقرأ أيضاً: “فيروس حسّان دياب” يصيب سُنّة لبنان

يقول المثل الشعبي إنّ “كلّ شيء يولد صغيراً ثمّ يكبر مع الأيام إلا الحزن يولد كبيراً ويصغر ويتلاشى مع الساعات والأيام”. هكذا فعلنا في كلّ التواريخ مع كمال جنبلاط، وبشير الجميّل، ورفيق الحريري، ووليد عيدو، وقبلهم مع المفتي حسن خالد، وقبله مع رياض الصلح وموسى الصدر. هكذا فعلنا عندما اغتيلت الدولة في لبنان. وهكذا سنفعل اليوم بعد باسكال سليمان.

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

إقرأ أيضاً

مصرع رئيسي: لحظة الاتّفاق الكبير… قد لا تتكرّر لربع قرن

لم يعد مهمّاً كيف قضى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي نحبه. ربّما هو القدر أن تنشغل طهران في عملية انتخابية وتغيير سياسي في نافذة ضيّقة من…

سيّدة نازك: إنّه منزل “حبيبي رفيق”

سواء تمّ بيع قصر قريطم بعقارَيه، أم عقار واحد من العقارين، أي العقار المستحدث وليس قصر صالحة، أم الأمر ما زال في مرحلة التفاوض ولم…

الكويت… ما حدَثَ وما سيحدُث

قبل 23 شهراً من اتّخاذه القرارات التي فتحت صفحة جديدة في تاريخ الكويت، قال أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد (عندما كان وليّاً للعهد) كلاماً يُفهم…

كريم خان دقّ ساعة محاسبة نتنياهو

بقبضة من فولاذ مغطّاة بكفّ من حرير، وجّه المدّعي العامّ للمحكمة الجنائية الدولية كريم أحمد خان لبنيامين نتنياهو أقوى صفعة يتلقّاها على الإطلاق. في الأمس…