العراق لا يتّسع للصدر والمالكي معاً؟

العراق لا يتّسع للصدر والمالكي معاً؟

فاروق يوسف* - الأحد 31 تموز 2022

انحصرت الفوضى التي يشهدها العراق في صراع بين رجلين هما مقتدى الصدر ونوري المالكي. حتّى بدا أن لا مخرج من الانسداد السياسي إلا باختفاء أحدهما وإنهاء دوره في العملية السياسية في ظلّ غياب أيّة إمكانية للوصول إلى تسوية تضمن منع صدامهما وتؤسّس لقيام تفاهمات تعيد النظام إلى سيرته التوافقية القائمة على مبدأ المحاصصة. وهو المبدأ الذي كان إلى وقت قريب بمنزلة الجدار الذي تستند إليه كلّ الأطراف من أجل تأجيل خلافاتها واللعب على حبال الوقت.

انحصرت الفوضى التي يشهدها العراق في صراع بين رجلين هما مقتدى الصدر ونوري المالكي. حتّى بدا أن لا مخرج من الانسداد السياسي إلا باختفاء أحدهما وإنهاء دوره في العملية السياسية

الصدر والمالكي ركنان أساسيّان من أركان النظام القائم منذ حوالي عشرين سنة، غير أنّ خلافهما قديم ودمويّ. حاول المالكي غير مرّة أثناء تولّيه رئاسة الحكومة أن يُزيح الصدر من الخارطة السياسية، مستعملاً في ذلك القوات المسلّحة العراقية التي خاضت معارك ضدّ جيش المهدي (الاسم القديم للميليشيا التي يتزعّمها الصدر). وهو ما أدّى إلى تعميق أسباب العداء. كان المالكي يومئذٍ يستند إلى دعم أميركي ممزوج بموقف مرجعية النجف الشيعية السلبي من الصدر، لأنّه يحمل إرث أبيه محمد صادق الصدر الذي لم تكن علاقته بالنجف طيّبة. وهو الذي أشاع في خطابه مفهومَيْ "المرجعية الناطقة" التي يمثّلها هو، و"المرجعية الصامتة" التي مقرّها النجف، ويمثّلها السيّد السيستاني.

لم تتدخّل إيران في ذلك النزاع، بل كانت تراقبه بحذر، وكانت تقف على مسافة واحدة من الرجلين على الرغم من أنّ المالكي كان أكثر نفعاً للاقتصاد الإيراني بسبب فتحه الأسواق العراقية أمام المنتجات الإيرانية التي شملت كلّ احتياجات العراق وفي مقدَّمها الغذاء. وبسبب ما اتُّهِمَ به المالكي لاحقاً من "سرقة مليارات العراق وتحويلها إلى الإيرانيين وميلشياتهم في المنطقة". كان الموقف الإيراني الحذر قائماً على تقديرات سياسية لطالما استخفّ بها المالكي الذي صُدِم بالنصر الذي حقّقه مرشّحو الصدر في انتخابات عام 2021.

حلم الصدر بقيادة العراق

مع الوقت خرج النزاع من مرحلة المنافسة على زعامة البيت الشيعي إلى مرحلةٍ صار الصدر فيها قريباً من حلمه في قيادة العراق، وهو الذي صرّح في وقت سابق قائلاً: "نحن الدولة". كان على ثقة يومذاك بأنّ جموع المحتجّين على الفساد ستهبه أصواتها، وهو ما حدث فعلاً. وكان واضحاً أنّ تلك الأصوات ذهبت إلى الصدر لا حبّاً به فقط، بل كراهيةً بالمالكي الذي يُلقي الكثير من العراقيين على عاتقه مسؤولية الفساد المستشري ووصول الدولة المهشّمة إلى مرحلة الرثاثة.

لم يختلف الرجلان على برنامج سياسي بعينه أو آليّة عمل الدولة، بل كان خلافهما شخصيّاً على الرغم من أنّ كلّ واحد منهما صار يتبارى مع الآخر ببرامج الإصلاح والنهوض بالعراق من جديد بعد حوالي عشرين سنة من العثرات التي دفع الشعب العراقي ثمنها الباهظ. فالمالكي لا يرى في الصدر إلا مصمّم غير مؤهّل للاقتراب من عالم السياسة، وهي وجهة نظر كانت الأرستقراطية الدينية في النجف قد تبنّتها منذ خلافها مع محمد صادق الصدر تعبيراً عن فكرتها المتعالية على الفقراء الذين التفّوا حوله. وليست تلك الفكرة غريبة عن المنطلقات النظرية لحزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعّمه المالكي.

ذلك ما يكشف عن تدنّي الوعي السياسي لدى المالكي الذي لم يكتشف خطأه في التقديرات إلا بعدما اقترب الخطر منه شخصيّاً بعدما نقل الصدر معركته من التهديد بقوّة الشارع إلى اجتياح المنطقة الخضراء، وهي منطقة الحكم التي يقيم فيها المالكي، ومحاصرة منزله، حتّى اضطرّه إلى نشر صور وهو يحمل السلاح داخل بيته، وفي الشارع، في إشارة إلى أنّه يدافع عن منزله.

إقرأ أيضاً: الصدر في الشارع: انتخابات مبكّرة.. أو حرب أهلية

في ظلّ ذلك النزاع المصيري ليس من المتوقّع أن يتمكّن رئيس الوزراء الأسبق من التراجع عن موقفه المناوئ للصدر الذي لن ينفد صبره. وقد طوى الزمن التوقيتات الدستورية وتبيّن أنّ انسحابه من العملية السياسية هو خطوة تكتيكية تمهّد للهجوم الكبير الذي يهدف إلى أن يفقد المالكي قدرته على الحركة بعد أن يتخلّى عنه المتحالفون معه من الأحزاب الشيعية التي لا تملك الاستعداد للاصطدام بجماهير الصدر.

* كاتب عراقي