الانغماس في الانقسامات يُنبِت "حزب البيطار"
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

الانغماس في الانقسامات يُنبِت "حزب البيطار"

أحمد الأيوبي - الثلاثاء 05 تشرين الأول 2021

نجحت الضغوط الخارجيّة، وتحديداً الفرنسيّة والأميركيّة، في رفض طلبات كفّ يد المحقّق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، عبر القرار الصادر عن محكمة الاستئناف برئاسة القاضي نسيب إيليا. الأمر الذي يطرح تساؤلاً مركزيّاً: هل صحيحٌ أنّ تطبيق الدستور في قضية تفجير المرفأ يناقض الوصول إلى الحقيقة والعدالة؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب طرحه مع إصرار القاضي طارق البيطار على تجاوز الآليّات الدستورية من أجل التحقيق مع الوزراء الذين شاء أن يحصرهم بأربعة، فيما منطق الأمور يقضي بمحاسبة كلّ مَن تحمّل المسؤولية في الوزارات ذات الصلة، منذ وصول باخرة الموت حتى لحظة انفجارها.

لماذا لا يستمع القاضي البيطار إلى إفادة رئيس الجمهورية ميشال عون، ما دام أبدى الاستعداد للإدلاء بها، فيفتح بذلك الطريق أمام سائر السياسيين؟

يكمن الجواب في سؤال آخر: هل يكفي مسار التحقيق مع الوزراء السابقين، وحدَه، لحسم الحقيقة والوصول إلى العدالة؟ أم يجب أن يؤدّي المسار الأمنيّ والقضائي والإداري، الذي كان أصحابه على احتكاك مباشر بالنيترات، وتقاذفوها فيما بينهم، إلى الوصول إلى أسس القضية؟ وهي التالية:

- مَن أتى بالسفينة؟

- مَن تواطأ لإرسائها في المرفأ على الرغم من كلّ ما أحاط بها من مخاطر؟

- مَن هم المسؤولون عن إنزال النيترات والإبقاء عليها كلّ هذه السنين؟

بالتأكيد لن يوصل مسار التحقيق "الإداري" إلّا إلى حسم مسألة التقصير المحتمل من الوزراء السابقين، في الأداء الوظيفي. ولن يكون لنظرية "القصد الاحتمالي" مساحة جدّيّة في هذا المسار. لأنّ حجم ما يحمله مسار "التواطؤ الأمني والقضائي والحزبي" من تداعيات سيؤدّي إلى نتائج تتعلّق بالإدارة الرابضة فوق الدولة، والتي ضمنت بسيطرتها التامّة حفظ النيترات.

ما دامت مسألة التقصير لا تحلّ إشكاليّة المسؤول المباشر عن التفجير، فلماذا وضعُها في صدارة التحقيقات؟

كأنّ القاضي البيطار وضع العربة قبل الحصان، وتجاهل الأولويّات الملزمة لمنطق العمل القضائي كما يراه أهل القانون والدستور، قبل أهل السلطة.

مسألة أخرى هي موضع نقاش: لماذا يُفرِد القاضي البيطار النائب نهاد المشنوق بهذا المستوى من الملاحقة؟ ولماذا امتنع عن الاستماع إليه كشاهد؟

الجميع يعلم أنّ هذا يحفظ للقاضي حقّ الاتّهام بعد الاستماع إلى الشهادة. لكنّه عاند حتّى بدا كأنّه يعمل لمصلحة طرف أو أطراف وجدت في قضية جريمة تفجير المرفأ فرصة لاستهدافه لغايات سياسية، فراحت تمعن في التشويه والافتراء عبر إعلامها، بالتوازي مع وضع اسم الرجل في دائرة الاتّهام القضائي.

أيضاً: لماذا لا يستمع القاضي البيطار إلى إفادة رئيس الجمهورية ميشال عون، ما دام أبدى الاستعداد للإدلاء بها، فيفتح بذلك الطريق أمام سائر السياسيين؟ وهل كان باستطاعة النائب المشنوق التصرّف لمعالجة النيترات، وهو لا يعرف أوّلاً أنّها أنزلت إلى المرفأ ولا أنّها خزّنت في العنبر رقم 12؟ ويعرف البيطار أنّ وزير الداخلية لا يمتلك صلاحيّة التدخّل بالمرفأ. فكيف يقبل أنّ يقول رئيس الجمهورية ميشال عون، وهو رأس الدولة، وقائد القوات المسلّحة، إنّ صلاحيّاته لم تكن تسمح له بفعل أيّ شيء لوقف الكارثة. بل اكتفى بتحويل تقرير ورقيّ لا أحد يعلم إذا كان قد وصل فعلاً إلى المجلس الأعلى للدفاع أم لا. وفي هذه الحال، لماذا يريد القاضي البيطار اتّهام المشنوق، وهو ليس الوزير الوصيّ على المرفأ، فيما يمتنع حتى عن الاستماع إلى إفادة عون، ما دام أبدى استعداده للإدلاء بها؟

لا يستطيع أن يدّعي القاضي أنّه يلتزم بالدستور ويدعو إلى تطبيقه، ثمّ يرفض اعتماده كمرجعيّة لحلّ المعضلات القانونية والحقوقية


لماذا كلّ هذا الابتعاد عن أساس قضية جريمة تفجير مرفأ بيروت: مَن أتى بالباخرة، ومَن أدار حماية النيترات طوال هذه السنوات، على الرغم من الورود الفاضح لاسم جبران باسيل في ملفّ استحضار الباخرة لمصلحة وزارة الطاقة؟ وكيف يمكن تصديق أنّ القاضي طارق البيطار يريد الحقيقة سريعاً، وهو يتجاهل أصل القضية، ودور باسيل في استحضار الباخرة، لا بل إنّه لا يقارب هذه المسألة بأيّ شكل من الأشكال، ويُشغل نفسه ويُشغل الأهالي والرأي العام باحتمالات التقصير الوظيفي التي تعالج أو تقارب القضية في شقّها المتعلّق بالنتائج، ولا تقاربها في أساسها، أي في تحديد السبب، المتضمّن هويّة مَن جاؤوا بباخرة الموت، ورعوا نيتراتها في مرفأ بيروت على مدى السنوات قبل تفجيرها؟!

لا يستطيع أن يدّعي القاضي أنّه يلتزم بالدستور ويدعو إلى تطبيقه، ثمّ يرفض اعتماده كمرجعيّة لحلّ المعضلات القانونية والحقوقية. وأخطر ما في هذه القضية أن ينزلق القضاء إلى الاصطفافات السياسية، مباشرةً أو مداورةً. وقد شاهدنا عمليّاتٍ دعائيةً شملت صوراً عملاقةً للقاضي البيطار وحملاتٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، حتّى بِتنا أمام ما يمكن اعتباره "حزب القاضي البيطار". وهذه سوابق غير مألوفة في سلوك القضاء. وهذا المنحى يهدِّد عدالة القضاء في الشكل والمضمون، ويكشف حجم التأثيرات الخارجية التي تحيق بنظامنا القضائي المفتوح أمام مختلف أنواع التدخّلات، وجميعها مرفوضة، سواء كانت تحريضاً على شكل دعم كما جاء في بيان وزارة الخارجية الفرنسية، ثمّ بيان الخارجية الأميركية، ثم موقف لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي، أو رسائل على شكل تهديد، كما حدث في اقتحام وفيق صفا لقصر العدل في بيروت، أو على شكل اجتماعات ضربت مبدأ فصل السلطات، في القصر الجمهوري، بين البيطار والمستشار الرئاسي سليم جريصاتي.

لا يجوز لقاضٍ أن يخضع لضغوط الإعلام والحملات والبيانات الآتية من خارج الحدود التي تريد فرض أجندات وتوجّهات محدّدة ومسبقة على القاضي، لأنّها تُشبه التهديد الذي وجّهه وفيق صفا إلى القضاة عندما غزاهم في عقر دارهم، ولم تستطع أجهزة الدولة أن تحفظ ماء وجهها.

ولا يحقّ للقاضي أن يعتمد الدعاية الإعلامية، المباشرة وغير المباشرة، وسيلةً لتعبئة الناس من حوله، فيتحوّل إلى طرف في النزاع، بدل أن يكون ميزاناً للعدالة. إذ يجب أن يبقى المدّعي مدّعياً، والمُدّعى عليه كذلك، يضبط العلاقة بينهما القانون، ولا يمكن إعطاء طرف الأفضليّة القضائية على طرف آخر خلال التقاضي، مهما كانت الظروف المحيطة بالقضية.

فأهالي شهداء المرفأ هم ضحايا، والتضامن معهم واجب وطنيّ، لكن لا يمكن تجاوز أصول العمل القضائي استجلاباً لتأييدهم المشوب بالعواطف والانفعالات. بل إنّ التضامن الحقيقي مع الضحايا وذويهم يكون بوضع الأولويّة لمعرفة الحقيقة. أمّا الدخول في صولات وجولات وصراعات إعلامية، فمن شأن ذلك أن يضرب صدقيّة القضاء، ويؤدّي إلى تراجع تعاطف الرأي العام مع أهالي الضحايا، وهذا ما يريده بالضبط خصوم العدالة وأعداء الأهالي.

إقرأ أيضاً: البيطار "رِجع" إلى مكتبه... مُتّهماً بالتزوير

يحضر في هذا المقام ميزان الإمام عليّ، رضي الله عنه، في مَن يتولّى القضاء، وأهمّ صفاته: أن لا يؤثِّر في القاضي المديحُ والثناءُ والإغراءُ، أي لا يصحّ أن يستجيب للتحريض على مسألةٍ ما، بما يجعله يحيد عن جادّة الصواب والعدل، فلهذا يدعو الإمام إلى أن يكون القاضي "ممّن لا يزدهيه إطراءٌ ولا يستميلُه إغراء".

هذا الميزان هو الطريق الملزِم لتحقيق العدالة، وبدونه نصبح أمام شعبويّة منفلتة لا يمكن معها تحقيق الاتّزان والصفاء والوضوح المطلوبة للقاضي حتّى يحكم بما يمليه عليه الواجب والقانون، بعيداً عن كلّ مُسقطات النزاهة والشجاعة في سلوك طريق الحقّ.