143 سنة على تأسيسها: جمعية خيرية بمقاصد وطنية
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

143 سنة على تأسيسها: جمعية خيرية بمقاصد وطنية

هشام عليوان - الأحد 14 آذار 2021

"بعد القبول والاتكال على الله سبحانه وتعالى ميسّر الخير، باشرنا بالأعمال، فتوجّهت خواطرنا لجعل أعمالنا الخيرية عمومية، ينتفع بها عموم أبناء الوطن، إلا أنّ ضيق ماليتنا وقلّة وارداتنا، وغنى بقية الطوائف عنا، وشدة احتياج طائفتنا، ومثل ذلك من الملاحظات، جعلتنا نقتصر الآن على العمل بالقول الصادق أيضًا: (ابدأ بنفسك)، راجين منه تعالى أن يمكّننا من إظهار النيات الإسلامية التي هي محض محبة لخير الناس عمومًا".

كان هذا عندما اجتمع بعض وجهاء بيروت في منزل الشيخ عبد القادر قباني، فقرّروا إنشاء جمعية عام 1296هـ/1878م، هي "المقاصد الخيرية الإسلاميّة". ومع أنّها تبغي تعويض النقص التعليمي في الطائفة الإسلامية، حين سبقتها الطوائف الأخرى بسنوات، لكن مؤسّسيها كانوا حريصين في الوقت نفسه، على أن يعمّ خيرها جميع الطوائف ما أمكنهم إلى ذلك سبيلًا، وذلك بحسب ما جاء في نشرة "الفجر الصادق"، وفيها بيان أعمال الجمعية في عامها الأول.

في الأسباب الموجبة لتأليف جمعية المقاصد، يقول البيان إنّ الطوائف الأخرى أخذت تؤلف جمعيات خيرية تقوم بمصالحها اللازمة، كافتتاح مدارس للذكور والإناث، يتعلّمون بها أنواع العلوم والمعارف واللغات، بالاستناد إلى ثلاث موارد هي: أولًا أوقافها المضبوطة بيدها كرأس مال لأعمالها. وثانيًا، ما يتبرّع به أولو البرّ والإحسان من طوائفها. وثالثًا، المساعدات المالية من الأجانب. وتبعًا لذلك، خُصّصت للابتدائية الأماكن المناسبة، وللداخلية القصور العالية. واستحضرت لها معلمين بارعين. ووجّهت خواطرها بالدرجة الأولى إلى تعليم أولادها لغات الأجانب الذين لهم مع البلاد اتصالات تجارية، أي كانت برامجها التعليمية تراعي حاجات السوق العملية. كما وجّهت مدارس الطوائف غير الإسلامية، الأذكياء من تلامذتها لتلقّي علوم الطب والجراحة والكيمياء والرياضيات، وغيرها أيضًا من العلوم المفيدة الضرورية للأوطان، والتي هي أساس التقدم والعمران.

اجتمع بعض وجهاء بيروت في منزل الشيخ عبد القادر قباني، فقرّروا إنشاء جمعية عام 1296هـ/1878م، هي "المقاصد الخيرية الإسلاميّة"

الآباء المؤسسون لجمعية المقاصد، لم يلجأوا إلى تأليف جمعيّتهم، وإنشاء المدارس، من باب التنافس الطائفي المسطّح الرؤية، بل شعورًا بالواجب تجاه أبنائهم. وكانوا إلى ذلك يدركون تمام الإدراك أهميّة تلك العلوم المعاصرة، ودورها في ترقّي المجتمع ثقافيًّا، وتحسين نوعية العيش اجتماعيًّا. إذ يلاحظ هؤلاء في فجرهم الصادق، أنه ما مضت مدة على سير تلك الطوائف على هذه الطريق، إلّا وانتشرت أشعّة شموس تلك العلوم والمعارف واللغات، فاهتدى أبناؤها إلى إيجاد المطابع ونشر الجرائد، وتطبيب المرضى الفقراء في المستشفيات العمومية، فضلًا عن معرفة الوسائط (الوسائل) المؤدية لكسب المال والراحة والرفاهية، وغير ذلك من الأمور المحبوبة للإنسان.

ويشتكي مؤسسو المقاصد من أنّ تلك الجمعيات كانت طائفية محضة، وكانت أعمالها الخيرية من النسق نفسه أيضًا، وقلّما تتخطى دائرة طائفة غيرها. وبالمقابل، فإنّ الطائفة الإسلامية كانت غافلة عن ذلك، نحو خمس عشرة سنة، أي متأخرة عن بقية الطوائف، بهذا القدر اليسير نسبيًّا من الزمن، لكنه زمن طويل بالمقياس التربوي، ما يشير أيضًا إلى مقدار الوعي الذي رافق  هؤلاء، في سعيهم نحو اللحاق بما ضاع منهم من وقت وجهد. بل كانت مدارسهم مقتصرة على بعض الزوايا المهجورة المملوءة بالعفونة والرطوبة، ما يضرّ بالصحة العامة للأولاد. ولم يكن المدرّسون على قدر المأمول والمرتجى، وفق التحدّيات الماثلة.

وما ضاعف أهمية إنشاء المدارس المقاصدية الابتدائية في تلك الحقبة، أنّ المدارس العمومية العثمانية مثل مكاتب الرشدية الملكيّة والعسكريّة لم تكن تخصّص في صفوفها أمكنة للمبتدئين من التلاميذ إذا لم يكن في طوائفهم مدارس ترشّحهم للدخول إلى تلك المكاتب، أي تجعلهم مؤهّلين للانضمام إليها.

وفي المحصّلة، فإن الوضع كان عالقًا بحسب وصف بيان "الفجر الصادق"، بين قوة دافعة لدى الطائفة الإسلامية نحو التأخر، وقوة جاذبة في الطوائف الأخرى نحو التقدّم. وهذا وضع غير صحيّ ولا سويّ، لأنه كاد أن يقضي "على مجموع جسم وطننا العزيز بالمرض العُضال". ويعلّل ويقول: "لأنّ تأخر هذه الطائفة التي هي أكثر عددًا، أثّر أيضًا سلبًا بتقدّم الطوائف الأخرى تأثيرًا كبيرًا، ما جعل كثيرًا من العقلاء يحكمون بلزوم جعل تلك الجمعيات عمومية تخدم مقاصد ذات مبدأ واحد، وذلك لانتفاع مجموع الوطن بها". ويؤخذ المعنى بعبارة أوضح، أنّ مؤسّسي جمعية المقاصد، كانوا يتمنّون لو أنّ الجمعيات الطائفية التي سبقتها في الظهور، كانت عمومية في أهدافها لتعمّ بخيراتها كلّ أبناء الوطن، بدلًا من أن يلجأوا هم إلى مجاراتهم، وتأليف جمعية إسلاميّة خيرية، مع أنّهم في الوقت نفسه عقدوا النيّة على أن يخدموا بأعمالهم الخيرية كلّ المواطنين من دون تمييز، حين يسدّوا حاجات طائفتهم، وهي الأَوْلى بالمعروف في زمن التأسيس.

يشتكي مؤسسو المقاصد من أنّ تلك الجمعيات كانت طائفية محضة، وكانت أعمالها الخيرية من النسق نفسه أيضًا، وقلّما تتخطى دائرة طائفة غيرها

ويتابع البيان: "إنّ تقوية عضو منه (من الوطن) دون آخر، لا تأتي بالفائدة المقصودة، فضلًا عما ينشأ من ذلك من التباين والتنافر بين طوائفه، بالنظر لتفرّق المبادئ والمقاصد في أمر التعليم". ويقّدم البيان حجة العقلاء المنّوه عنهم آنفًا، في هذا المطلب أي توحيد الجمعيات الخيرية، فيقول: "إنهم أقاموا على ذلك دليلًا، وهو أنّ تقدّم تلك الطوائف ذوات الجمعيات، ما زال مُثقَلًا بتأخر بقية الطوائف الخالية منها (أي من الجمعيات الخيرية)، فهو (أي التقدّم) كأن لم يكن من حيث الفائدة العمومية التي هي كالروح للجسم". فكأنهم استشرفوا بذور الغبن والحرمان في مراحل لاحقة عند الطائفة الإسلامية بعد نيل الاستقلال، في مقابل الامتيازات ومستويات التقدّم والغنى عند الطائفة المسيحية، بسبب هذا التباين في سير أبناء الوطن في مدارج الحضارة، وما جرّ على الجميع من مصائب وويلات.

إقرأ أيضاً: محمد بركات.. "محقِّق" الأحلام (2/2)

وتمنّى البيان في آخر الفقرة المتعلّقة بإيراد الأسباب الموجبة للتأسيس، أن يعترف "كلّ من بيده الحلّ والربط، بلزوم اتحاد هذه الجمعيات الخادمة للإنسانية والفقراء، إذ كلٌّ منها يسعى لمقصد واحد". حتى وهم على وشك تأسيس جمعية المقاصد الإسلامية الخيرية، يتطلّعون إلى وحدة العمل الخيري، وعدم تشتّته طائفياً.

هذه القراءة المتأنّية للبيان التأسيسي لجمعية المقاصد، بعد عام ونصف العام من انطلاقها، تضيء على جملة أمور مهمّة، منها أنّ جمعية المقاصد وإن كانت إسلامية المنطلق وخيرية المبتغى، لكنها لم تكن طائفية المقصد. بل إنّ خدمة الناس من دون تمييز، هي من صميم الرحمة العالمية التي جاء بها الإسلام. وعندما بحث المؤسسون عما هو أشدّ لزومًا في الطائفة، اتجهت أنظارهم إلى تعليم الإناث طرق التربية، وما يحتجن إليه من العلم والصنائع، "إذ هنّ المربّيات الأُوَل، وعلى تقدّمهنّ المعوَّل"، وأنّ هذا هو أحسن وسيلة لنشر المعارف.

هل تحقق البيان التأسيسي لجمعية المقاصد؟

للبحث صلة...