"مخايل الضاهر أو الفوضى".. الأصحّ: "عون أو الفوضى"

"مخايل الضاهر أو الفوضى".. الأصحّ: "عون أو الفوضى"

د. فادي الأحمر - السبت 12 تشرين الثاني 2022

"أساس" ينشر تباعاً مقالات ومقابلات عن ملفّ رئاسة الجمهورية، بدءًا من مرشّحين "دائمين" لم يحالفهم الحظّ، وصولاً إلى الأسماء المؤهّلة والمرشّحة هذه المرّة، مروراً بالرؤساء الذين حكموا لبنان منذ الاستقلال، وما الذي ميّز عهودهم.

حلقة اليوم عن رواية "مخايل الضاهر أو الفوضى"، التي لا بدّ من تصحيحها تاريخياً، لأنّها كانت كلاماً، أما التنفيذ فكان بعنوان "ميشال عون أو الفوضى. وهكذا كان.

 

"مخايل الضاهر أو الفوضى" هي عبارة ما تزال تتردّد منذ عام 1988. قالها الموفد الأميركي ريتشارد مورفي حين نقل اسم المرشّح الأوحد لرئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة مخايل الضاهر من دمشق إلى "المنطقة الشرقيّة". تنكّر مورفي للعبارة في محاضرة ألقاها في "مركز عصام فارس للدراسات اللبنانيّة"، بالقول: "أنا قلت إذا لم تنتخبوا رئيساً، فلكم أن تتخيّلوا ما الذي سيحصل. سيتسبّب الفراغ بفوضى، ولم أقُل إمّا الفوضى أو مخايل الضاهر".

لم تعد صيغة العبارة مهمّة اليوم. المهمّ الشغور الذي نتج عن رفض مخايل الضاهر. ولا نبالغ إن قلنا إنّ تداعياته مستمرّة حتى الشغور الحاصل اليوم. ما إن عيّن أمين الجميّل قائد الجيش ميشال عون رئيساً للحكومة الانتقاليّة حتى نشر هذا الأخير الفوضى في المناطق المسيحيّة أوّلاً، ثمّ في كل لبنان، وحتى اليوم... منفّذا وصية مورفي، بوفاء غريب.

أمام احتدام الصراع وانسداد الأفق، تحرّك السفير الأميركي في لبنان حينذاك جون كيلي على خطّ الاستحقاق، وطلب من المسيحيين الاتّفاق على أسماء لعرضها على إدارته

لكن كيف وصلت الأمور إلى مخايل الضاهر ثمّ إلى ميشال عون رئيساً لحكومة انتقاليّة؟

هناك روايات عديدة. بعضها كُتب ونُشر في مقالات وكُتب، وبعضها الآخر حُكي في الصالونات. وبقيت روايات سرّاً عند أصحابها.

 

هكذا بدات الحكاية

بدأت القصّة في حزيران 1988، وتحديداً في اجتماع قمّة الجزائر العربيّة عندما التقى الرئيسان حافظ الأسد وأمين الجميّل على هامشها وتباحثا في الانتخابات الرئاسيّة اللبنانيّة. اتّفق الرجلان على أن يقترح الجميّل على الأسد أسماء للاتفاق على مرشّح.

انتدب الجميّل الوزير جوزف الهاشم لهذه المهمّة، لكنّه لم يرسله إلى دمشق كما كان مقرّراً لسببين:

الأول: مناقشة سمير جعجع بالأسماء والحصول على موافقته قبل إرسالها إلى دمشق.

الثاني: إشراك الأميركيين في المفاوضات ربّما لاعتقاده بأنّهم سيساهمون في تحسين موقع المسيحيين فيها. وهذا ما تؤكّده روايات كثيرة.

في تلك الفترة كان الجميّل وجعجع يلتقيان أسبوعياً تقريباً لمناقشة الاستحقاق الرئاسيّ، كما يفيد أحد أبرز المقرّبين من جعجع في تلك الفترة. في 9 تموز طار الجميّل بطوّافته إلى القطّارة بهدف "جوجلة" الأسماء. اتّفق الرجلان على فيتو ضدّ ريمون إدّه وسليمان فرنجية الجد وميشال عون. واتّفقا على ثلاثة أسماء: رينيه معوّض، ميشال إدّه وبيار الحلو. وأضاف الجميّل إلى لائحته اسم مانويل يونس، علماً أنّ أحد المشاركين في ذاك الاجتماع عن جانب القوّات يؤكّد أنّه لم يكن هناك من لوائح.

في منتصف تموز تقدّم سليمان فرنجيّة بترشّحه، بإيعاز من حافظ الأسد، للضغط على مسيحيّي "المنطقة الشرقيّة"، وردّاً على تأخّر أمين الجميّل في إرسال لائحة الأسماء مع موفده وتنسيقه مع جعجع.

عطّلت القوى المسيحيّة جلسة انتخاب سليمان فرنجيّة التي حدّدها رئيس المجلس النيابي حينها حسين الحسيني (9 آب) في ساحة النجمة وليس في قصر منصور. منعت القوّات النواب من الوصول إلى البرلمان، وميشال عون سهّل المهمّة، وأمين الجميّل وفّر لهما الغطاء السياسيّ.

كلّما مرّ يوم كان شبح الفراغ الرئاسي يحوم أكثر فوق بعبدا، وهذا ما أقلق البطريرك المارونيّ الذي دعا النواب إلى اجتماع في بكركي وأصدر بياناً دعا فيه إلى ضرورة انتخاب رئيس للجمهوريّة قبل 23 أيلول، موعد انتهاء ولاية أمين الجميّل.

سيكشف التاريخ حقائق أخرى عن تلك المرحلة المليئة بالأحداث والتي أدّت إلى تدمير الجمهوريّة الأولى وقيام الجمهوريّة الثانية بعد اتّفاق الطائف وفرض الوصاية السوريّة على كلّ لبنان

القصبة التي تنحني أمام الريح

أمام احتدام الصراع وانسداد الأفق، تحرّك السفير الأميركي في لبنان حينذاك جون كيلي على خطّ الاستحقاق، وطلب من المسيحيين الاتّفاق على أسماء لعرضها على إدارته ثمّ على دمشق شرط حصولها على موافقة الجميّل وجعجع، فقدّم البطريرك الماروني لائحته الشهيرة.

في 13 أيلول بدأ تحرّك الموفد الأميركي ريتشارد مورفي. بعد مفاوضات في دمشق استغرقت 4 أيام عاد مورفي في 18 أيلول حاملاً اسم مخايل الضاهر فقط. اعتبرت المرجعيات المسيحيّة أنّه تعيين. وردّ البطريرك نصرالله صفير بالقول: "حتى العثمانيون كانوا يعطوننا أكثر من اسم لنختار". ولكنّه قال للنواب الموارنة، الذين اجتمعوا بعد ذلك في بكركي، إنّ علينا أحياناً أن نكون مثل القصبة التي تنحني أمام الريح فلا تنكسر. لأنّه كان يُدرك خطورة الشغور.

سيطر الارتباك على الموقف المسيحيّ. قرّر أمين الجميّل مع مساعديه ومعهم كريم بقرادوني زيارة دمشق قبل 48 ساعة من نهاية ولايته. فوجئ "الحكيم" بالزيارة. لم يتبلّغها لا من "شريكه" الجميّل، ولا من نائبه كريم بقرادوني، الذي كان حاضراً وقت اتّخاذ قرار القيام بها. ما إن حطّت طائرة الجميّل في مطار المزّة العسكري، يوم الأربعاء 21 أيلول، حتى وصل "الحكيم" إلى اليرزه للقاء ميشال عون. وصلت برقية مستعجلة أبلغت الأسد بلقاء جعجع-عون أثناء اجتماعه بالجميّل. هل كان هذا اللقاء هو السبب في فشل محاولة الجميّل اليائسة لإنقاذ الاستحقاق؟

أصبح الشغور واقعاً. راح الجميّل يبحث عن رئيس حكومة انتقاليّة. عرضها على بيار الحلو. تراجع هذا الأخير أمام الفيتو الإسلامي على مشاركة عون وجعجع فيها، بإيعاز سوريّ طبعاً.

قبل ربع ساعة من نهاية ولايته أعلن الجميّل تعيين حكومة انتقاليّة برئاسة ميشال عون وعضوية ضباط المجلس العسكريّ. لكن فوراً أُعلن انسحاب الضباط المسلمين منها عبر الإعلام. حدث ذلك يوم الخميس 22 أيلول. في اليوم التالي بدأت "الجمعة العظيمة" التي عُلّق فيها لبنان على خشبة مصالح الأطراف الداخليّة المتحاربة والخارجيّة المتصارعة.

بعد أيام دخلت القوات اللبنانيّة عسكرياً منطقة المتن الشمالي. غادر الجميّل إلى فرنسا. شنّ ميشال عون حربه الأولى على القوّات (14 شباط) بهدف إلغائها والسيطرة على "المنطقة الشرقيّة" ليفرض نفسه مرشّحاً أوحد للرئاسة. بعد شهر (14 آذار) أعلن بدء "حرب التحرير". ردّ السوريون بحصار "المنطقة الشرقيّة" وتدميرها، ثمّ شنّ عون حربه الكبيرة ضدّ القوات (31 كانون الثاني) التي أكملت تدمير المناطق المسيحية بشراً وحجراً. لم ينجُ منها سوى مَن هاجر.

إقرأ أيضاً: "عُرف" الفراغ.. هكذا بدأه ميشال عون و"ربّاه"

ربّما سيكشف التاريخ حقائق أخرى عن تلك المرحلة المليئة بالأحداث والتي أدّت إلى تدمير الجمهوريّة الأولى وقيام الجمهوريّة الثانية بعد اتّفاق الطائف وفرض الوصاية السوريّة على كلّ لبنان. وسيكشف عن مسؤولية كلّ طرف من الأطراف الداخليّة والخارجيّة عن الفوضى، التي حذّر منها مورفي وعمّت لبنان بنتيجة رفض مخايل الضاهر، ونتيجة إصرار ميشال عون على معادلة: "أنا أو الفوضى".

*أستاذ في الجامعة اللبنانية

لمتابعة الكاتب على تويتر: Fadi_ahmar@