تل أبيب لأبو مازن: حذار من تكرار خطأ ياسر عرفات

تل أبيب لأبو مازن: حذار من تكرار خطأ ياسر عرفات

عبير بشير* - الجمعة 23 أيلول 2022

شكّلت عملية الجلمة شمال الضفّة الغربية صفعة على وجه الاحتلال الإسرائيلي، ليس لأنّ نائب قائد كتيبة "الناحل" الإسرائيلية المدرّبة جدّاً قُتِل في مواجهة من مسافة قصيرة مع مسلّحَين فلسطينيَّين، بل لأنّ الأمر يتعلّق بهويّة المسلّحَين المشاركَين في العمليّة، فأحدهما هو الضابط أحمد عابد، الذي يعمل في جهاز المخابرات العسكرية التابع للسلطة الفلسطينية، والثاني هو أحد نشطاء حركة فتح.

 

أمن السلطة يقلق إسرائيل

اعتبر وزير جيش الاحتلال بيني غانتس أنّ انتماء الشهيد أحمد عابد إلى أجهزة أمن السلطة يعدّ "أمراً خطيراً ويشكّل إشارة تحذير للسلطة الفلسطينية بأنّها يجب أن تقوم بفحص داخلي والتصرّف". ويعتبر قادة الاحتلال أنّ  ما حصل يتمثل بخطورة تدحرج المقاومة من جنين التي باتت تعرف بـ"عشّ الدبابير" إلى بقيّة أنحاء الضفّة الغربية. وذكرت وسائل إعلام عبرية أنّ الأجهزة الأمنيّة الإسرائيلية تشعر بالقلق مع زيادة مشاركة عناصر الأجهزة الأمنيّة الفلسطينية في العمليّات المسلّحة، إذ شارك في الفترة الأخيرة 17 عنصراً أمنيّاً من السلطة الفلسطينية في هجمات متفرّقة. وأشارت قناة "ريشت كان" العبرية إلى أنّ هناك قلقاً إسرائيليّاً من تصدّي عناصر الأجهزة الأمنيّة الفلسطينية للقوّات الإسرائيلية التي تقوم بنشاطات عسكرية في مدن الضفّة الغربية.

باتت حركة فتح والأجهزة الأمنيّة ترى أنّ حركة حماس بدأت تهدّد سلطة فتح في عقر دارها في الضفّة الغربية، عبر تبنّيها خيار المقاومة المسلّحة

7وبثّت قناة 13 العبرية تقريراً تحريضيّاً ضدّ السلطة الفلسطينية، وخاصة الرئيس محمود عباس الذي قالت إنّه "يكرّر خطأ ياسر عرفات". وحسب القناة لم تكن مصادفةً مشاركةُ عناصر أمن السلطة الفلسطينية في الهجمات على الجيش الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، إذ تشجّع حركة فتح عبر حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي وعبر نشرات الأخبار في تلفزيون فلسطين الرسمي على ما سمّته "الإرهاب"، وتسعى إلى خلق هالة لدى المقاومين الفلسطينيين.

 

بين فتح وحماس

ووفق القناة يمثّل هذا جزءاً من عملية تجري في الخفاء تحت الأرض بعدما باتت حركة فتح والأجهزة الأمنيّة ترى أنّ حركة حماس بدأت تهدّد سلطة فتح في عقر دارها في الضفّة الغربية، عبر تبنّيها خيار المقاومة المسلّحة. ولم يعد أعضاء حركة فتح قادرين على تحمّل إهانات حماس، وخصوصاً مع تجميد عملية السلام، وباتوا يرون أن محاربة "أعشاش الإرهاب" في نابلس وجنين، وهي تقوى أكثر، معركةٌ مستحيلة وبات من الأفضل الالتحاق بها. واعتبرت القناة أنّ ما يقوم به تلفزيون فلسطين من إشادة بعناصر "فتح" ورجال الأجهزة الأمنيّة المشاركين في الهجمات، هو "تحرّك تمهيدي من رئيس السلطة لتغيير الاتجاه"، مشيرةً إلى أنّ أبو مازن كان سابقاً يمنع عناصر الأمن الفلسطيني من المشاركة في أيّ هجمات، وعمل على شطب "كتائب الأقصى"، وأدرج غالبية عناصرها في الأجهزة الأمنيّة، لكنّه الآن يكرّر خطأ عرفات "بسماحه لعناصر السلطة وفتح بالمشاركة في الهجمات ضد الإسرائيليين، حتى لو بقرار سرّيّ، أو عن طريق غضّ النظر".

غير أنّ هذا التحليل ينطوي على مبالغات. فقد نقل أبو مازن رسائل إلى إدارة جو بايدن والاتّحاد الأوروبي مفادها أنّ موجة العنف الحالية هي نتيجة مباشرة لدخول قوات الجيش الإسرائيلي مناطق "أ"، وأنّ المسلّحين يقومون ببساطة بالدفاع عن السكّان المدنيين في مواجهة الجيش الإسرائيلي، وأنّ الإرهاب الإسرائيلي هو الذي يقوم بقتل الفلسطينيين، وليس العكس. واقترح أمين سرّ منظمة التحرير حسين الشيخ على تل أبيب عدم دخول الجيش الإسرائيلي مناطق "أ" في الضفة الغربية لمدّة 4 أو 5 أشهر لتجنّب الاحتكاك بالمسلّحين، وخلق حالة من الهدوء، وتعزيز السلطة الفلسطينية، لكنّ المستوى السياسي الإسرائيلي رفض الاقتراح.

سجّلت سنة 2022 رقماً قياسياً لقتل الجيش الإسرائيلي أكبر عدد من الفلسطينيين منذ 2015 في المدن الرئيسة في الضفة الغربية القريبة من المستوطنات الإسرائيلية

انتفاضة من نوع جديد

سجّلت سنة 2022 رقماً قياسياً لقتل الجيش الإسرائيلي أكبر عدد من الفلسطينيين منذ 2015 في المدن الرئيسة في الضفة الغربية القريبة من المستوطنات الإسرائيلية، حيث يزداد الاحتكاك بين قوات الجيش الإسرائيلي وسكّانها. فقد قتل 81 فلسطينياً في الضفة الغربية منذ بداية السنة، معظمهم بنيران قوّات الاحتلال الإسرائيلي.

من جهته يرى المحلّل الإسرائيلي دورون ماتسا أنّ ما تشهده الضفّة الغربية هو انتفاضة من نوع جديد. فحتى لو لم نكن نعيش انفجاراً جماهيرياً واسعاً، فالواضح أنّ لدى فئات في المجتمع الفلسطيني تنكّراً للوضع القائم المتمثّل بالاحتلال الإسرائيلي، وكذلك للنظام السياسي الفلسطيني. هذا "التنكّر" هو الترجمة العبرية لـ"مصطلح" الانتفاضة. وحسب ماتسا، فإنّ انتفاضة 2022 لا تبدو كسابقاتها من حيث الانفجار الجماهيري الواسع. فهي ظاهرة مستمرّة وجذرية تحاول تحدّي الترتيبات القائمة. وعمليّاً هي انتفاضة ذات نموذج جديد تتميّز بالتالي: الاستمراريّة، والوقت الطويل، والشخصيّات التي تقود العمليّات، وعدم الانتماء إلى الفصائل، وتركيز جغرافي على المناطق المهمّشة في شمال الضفة، فيما يعيش النظام السياسي الفلسطيني ذروة الضعف واقترابه من يوم ما بعد أبو مازن.

 

بايدن والانتخابات

يبدو واضحاً في خلفيّة الغليان في الضفة الغربية أنّ لدى السلطة الفلسطينية غضباً ليس فقط نحو إسرائيل، التي باتت لا تعترف بوجود شريك للسلام، بل أيضاً نحو إدارة بايدن التي لم تولِ القضية الفلسطينية أيّ أهميّة سياسية، باستثناء حفنة من الأموال، إلى جانب خيبة الأمل إثر زيارة بايدن للمنطقة التي لم تؤدِّ إلى نتائج تُذكر لمصلحة الفلسطينيين.

يزيد التصعيد الجليّ في الضفّة الغربية من التردّد الإسرائيلي في شأن القيام بعملية عسكرية واسعة في منطقة جنين وشمال الضفة في الفترة القريبة، بذريعة ضعف السلطة الفلسطينية، وعدم حوكمتها، أو التريّث خشية من تصعيد غير مسيطَر عليه، وخصوصاً مع تهديدات حسن نصر الله بخصوص حقل كاريش. ويذكّر الإسرائيليون بنقص المعلومات: لا يوجد لدى الشاباك ما يكفي من أسماء المشبوهين الكبار بتنفيذ أعمال ضدّ الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى القلق الأميركي والمصري من مواجهة في الضفة يمكن أن تؤدّي إلى ضعف آخر لقيادة السلطة.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تقوض "السلطة" وفلسطينيون يستعدون للمقاومة

فوق كلّ ذلك يحوم اعتبار سياسي فوق الحكومة الإسرائيلية، وهو الانتخابات في 1 تشرين الثاني، إذ تخاف أن يعتبرها الجمهور الإسرائيلي ضعيفةً في الساحة الفلسطينية. وفي الوقت نفسه لن تنتهي أيّ عملية عسكرية في الضفّة بتفوّق فاقع لصالح تل أبيب، بل ستتحوّل إلى مناوشات طويلة وغير مجدية، وإلى منتَج رديء على مائدة الانتخابات.

 

*كاتبة فلسطينية