إسرائيل تقوض "السلطة" وفلسطينيون يستعدون للمقاومة

إسرائيل تقوض "السلطة" وفلسطينيون يستعدون للمقاومة

عبير بشير* - الثلاثاء 13 أيلول 2022

شكّلت تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي بأنّ زيادة وتيرة الاقتحامات الإسرائيلية لمدن وقرى الضفّة الغربية، وارتفاع عدد المعتقلين الفلسطينيين منذ بدء عمليّة "كاسر الأمواج" في الضفّة إلى 1,500، ينبعان من ضعف حكم السلطة الفلسطينية، وعدم فاعليّة آليّات الأمن الفلسطينية. وهما أحد ضروب "العمى السياسي" الذي يميّز تعامل القادة الإسرائيليين مع الفلسطينيين، والذي أثار موجة غضب واستياء في الساحة الفلسطينية.

 

مقاول بلا رواتب

قالت التلفزة الإسرائيلية الرسمية "كان" إنّ قادة الأجهزة الأمنيّة الفلسطينية غاضبون من كوخافي بعد إشارته إلى أنّ عجز الأجهزة الأمنيّة الفلسطينية تسبّب في تصاعد موجة العمليّات الإسرائيلية في عمق الضفة. وحسب قناة "كان" فإنّ مسؤولاً رفيعاً في الأجهزة الأمنيّة الفلسطينية وجّه رسالة باسمه وباسم زملائه عبر التلفزيون الإسرائيلي إلى رئيس الأركان قال فيها "إنّكم تنسون مقولة نابليون بونابرت "الجيوش تمشي على بطونها"، فكيف بالإمكان أن يكون لدى الأجهزة الأمنيّة الدافع بنسبة 100 في المئة إلى إحباط العمليّات فيما يتقاضون منذ فترة طويلة 70 في المئة من رواتبهم". وأكّد المسؤول نفسه أنّه "لو توقّفت إسرائيل عن حسم رواتب الأسرى من أموال المقاصّة فسيكون بمقدور الأجهزة الأمنيّة استعادة سيطرتها الكاملة على الميدان"، مضيفاً: "ليس من السهل الاقتراب من رواتب الأسرى، فلو أوقفنا رواتبهم فستنشب ثورة وتُقتلَع السلطة من جذورها".

يتّفق قادة تل أبيب على أنّ الوضع الفلسطيني على الأرض متفجّر، وأنّ إسرائيل أمام ظاهرة مقلقة تتمثل بمجموعات مسلّحة تطلق النار على إسرائيليين

بطبيعة الحال تتجاهل إسرائيل دورها المتواصل في تآكل حضور السلطة الفلسطينية وفاعليّتها منذ سنوات، منذ أن غيّبت عملية السلام، واعتبرت أن لا شريك فلسطيني. وبدلاً من محاولة حلّ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، عملوا على إدارته. وفي الوقت نفسه استمرّت إسرائيل في بناء المستوطنات، واقتحام المدن والقرى الفلسطينية، وقضم الأموال من المستحقّات الفلسطينية لدى إسرائيل، واكتفت بالتعامل مع السلطة الفلسطينية على أنّها مقاول لها من الباطن لشؤون الأمن، في حين كانت تل أبيب تعزّز فعليّاً حضور حكم حركة حماس، وتساهم في عملقتها.

عزت تل أبيب تراجع مكانة السلطة الفلسطينية وضعفها، وخصوصاً في جنين ونابلس بشمال الضفة الغربية، إلى وجود مشكلة داخلية تنبع من إضعاف رئيس السلطة محمود عباس والصراع بين أجنحة حركة فتح على وراثته السياسية.

في هذا الإطار، يقول المحلّل سخاروف، في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إنّ كوخافي تجاهل مسألة أكبر بكثير تتعلّق بأسباب ضعف السلطة، وإنّ الإجابة الغائبة هي أنّ إسرائيل كانت السبب وراء ذلك. ويشير سخاروف إلى أنّه "منذ انتخاب بنيامين نتانياهو لرئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 2009، مروراً بنفتالي بينيت ويائير لابيد، فإنّ تل أبيب لم تفعل شيئاً لتقوية السلطة و"فتح"، بل على العكس عملت بإصرار على أن تفقد السلطة الفلسطينية شرعيّتها أمام الجمهور الفلسطيني، لكن أخيراً استيقظت واكتشفت أنّ السلطة الفلسطينية باتت تستصعب أداء مهامّها في غالبيّة مناطق الضفة الغربية، وهذا يعني ارتفاعاً دراماتيكياً في الهجمات ضدّ الجيش إسرائيل والمستوطنين".

عزت تل أبيب تراجع مكانة السلطة الفلسطينية وضعفها، وخصوصاً في جنين ونابلس بشمال الضفة الغربية، إلى وجود مشكلة داخلية تنبع من إضعاف رئيس السلطة محمود عباس

الحل: احتلال الضفة

ويرى سخاروف أن "لا بديل للسلطة الفلسطينية سوى احتلال إسرائيلي كامل، لا جزئي، لمدن الضفّة الغربية التي يعيش فيها 2.8 مليون فلسطيني، وتقبُّل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر. وهذا ما لا يريده أيّ زعيم إسرائيلي، لا لابيد، ولا حتى نتانياهو الذي لم يرغب في التخلّص من السلطة خلال 12 سنة من حكمه، لكنّه امتنع عن العمل معها. وعلى الرغم من أنّه عمل على تعزيز "حماس"، كان حكيماً بما يكفي ليمنع انهيار السلطة".

من جهته، ذكر موقع "أكسيوس" الأميركي أنّ إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن حثّت حكومة الاحتلال على اتّخاذ خطوات عاجلة لتحقيق استقرار السلطة الفلسطينية، التي يقول المسؤولون إنّها تضعف بشكل متزايد وتفقد سيطرتها في الضفة الغربية المحتلّة. وأكّدت بربرا ليف وكيلة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى أنّ السلطة الفلسطينية يمكن أن تنهار، وأنّ "الكرة في ملعب إسرائيل" عندما يتعلّق الأمر بتقويتها وتثبيتها.

تقول إسرائيل إنّها تسعى إلى إطفاء النار في الضفّة الغربية، لكنّها في الحقيقة تصبّ النار على الزيت. وهذا يطرح سؤال البيضة والدجاجة. فالمقاربة الإسرائيلية تقول إنّها تحارب العنف الفلسطيني في الضفّة الغربية منذ سنوات بأسلوب ماكينة "جزّ العشب": اعتقالات متواصلة وتحقيقات وجمع معلومات، وبطبيعة الحال أيّ اقتحام غايته الاعتقال يولّد احتكاكاً آخر، وينتهي بالمزيد من القتلى الفلسطينيين وتوسيع دائرة الانتقام.

 

مقاومة منفلتة

يتّفق قادة تل أبيب على أنّ الوضع الفلسطيني على الأرض متفجّر، وأنّ إسرائيل أمام ظاهرة مقلقة تتمثل بمجموعات مسلّحة تطلق النار على إسرائيليين، ويتألّف كلّ منها من  اثنين أو ثلاثة يحملون السلاح ويخطّطون وينفّذون العمليّة. ولا تعمل هذه المجموعات من خلال قيادات وتنظيمات. وما يجري هو استعداد فلسطيني مفرط للمقاومة، غير مخطَّط وغير موجَّه من جانب قيادات ومنظّمات.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تستعدّ لمواجهة تدفُّق المال إلى إيران

كتب عاموس هارئيل: "هل كلّ نشاطات إسرائيل ضروريّة؟ ثمّة مثال جيّد على ذلك. يوم الإثنين الماضي، نشر الجيش الإسرائيلي نتائج التحقيق في موت الصحافية شيرين أبو عاقلة. وللمرّة الأولى، بعد كثير من التملص، وافق الجيش على الاعتراف باحتماليّة عالية تفيد أنّ المراسلة الفلسطينية قُتلت بنار جنديّ من وحدة "دفدفان". وبعد ذلك دعت وزارة الخارجية الأميركية إلى كبح نشاطات الجيش في المناطق الفلسطينية. لكن في تلك الليلة عاد الجيش إلى الساحة إياها، وإلى جنين، من أجل هدم بيت الذي قتل ثلاثة إسرائيليين في نيسان الماضي. مراسل "أخبار 12"، نير دبوري، الذي رافق القوّات، وصف النشاط بأنّه العملية العسكرية الكبرى منذ أشهر، إذ دخل خلالها نحو 400 جندي إلى المدينة. وجوبهت القوّات كما هو متوقّع بنار شديدة نسبيّاً، والفلسطيني الذي وثّق تبادل إطلاق النار ببثّ مباشر على الشبكات الاجتماعية قُتل بنار الجنود الإسرائيليين، والنتيجة أنّ جهود تل أبيب المعلنة لإطفاء النار هي التي تشعلها أيضاً".