إيران تعتمد "الأسلوب" الإسرائيلي في الجزر الإماراتية؟

إيران تعتمد "الأسلوب" الإسرائيلي في الجزر الإماراتية؟

فلاح الحسن - الأحد 18 أيلول 2022

في خطوة من خارج كل السياقات الدبلوماسية، أعلن القضاء الإيراني إصدار سندات ملكية بالجزر الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى التابعتين لإمارة رأس الخيمة، وابو موسى التابعة لإمارة الشارقة، في مياه الخليج العربي والمتنازع على ملكيتها مع دولة الامارات العربية المتحدة. ما يعني أنّ اراضي هذه الجزر باتت في الدوائر العقارية الإيرانية سندات تمليك لصالح إيران، وعلى اعتبار كل جزيرة وحدة عقارية واحدة مؤلفة من 2400 سهم، او حسب المصطلح الايراني "6 دونغ". وقد أدرج في خانة المالك اسم "الجمهورية الاسلامية الايرانية".

 

احتلال إيران للجزر الثلاث

الصراع على السيادة في هذه الجزر سبب الأزمة التي اندلعت بعد قيام قوات عسكرية إيرانية بإنزال عليها قبل يومين من اعلان استقلال دولة الامارات في الثاني من ديسمبر سنة 1971. وهي مستمرة في ظل رفض إيران الذهاب إلى المحكمة الدولية استجابة للدعوة الاماراتية التي ترى أنّ المدخل الحقيقي في التوصل إلى حل دائم ونهائي حول ادعاءات ملكية هذه الجزر سيكون من خلال القبول بالتحكيم الدولي.

عمد النظام الإيراني وحرس الثورة إلى إتخاذ خطوات تصعيدية استكملت عملياً عدوان العام 1992 في جزيرة ابو موسى ونصب الصواريخ المضادة للسفن فيها

الإمارات متمسكة بسيادتها وإيران تواصل احتلالها

وإذا ما كانت مذكرة التفاهم التاريخية الموقعة بين الطرفين الإماراتي والإيراني قبل إعلان استقلال الإمارات، بحضور وليم لوس ممثلاً لبريطانيا ونائب حاكم الشارقة حينها الشيخ صقر بن محمد بن صقر القاسمي، هي التي تحكم العلاقة بين الطرفين منذ العام 1972، إلا أن الحقيقة الثابتة هي أنّ الجانب الإماراتي لم يتخل عن سيادته على كامل جزيرة ابو موسى، خاصة وانّ السيطرة الإيرانية على جزيرتي طنب الكبرى والصغرى ترافق مع إنزال عسكري واحتلال وتهجير سكان سقط عدد منهم ضحايا هذه العملية العسكرية. في حين ان مذكرة التفاهم تتحدث عن قبول إمارة الشارقة مرحلياً بتقاسم النفوذ والإدارة مناصفة مع الجانب الإيراني في إطار شروط واضحة ومحددة، وقد استمر العمل بها الى العام 1992، عندما قامت القوات الإيرانية باحتلال الجزء الإماراتي من الجزيرة وانزال العلم عن مركز الشرطة فيها.

 

إيران تتسبب بالتوتر

الخطوة الايرانية الجديدة لجهة إصدار "سندات ملكية"، اقل ما يقال فيها أنها خطأ مركب، في الاستراتيجيا والتكتيك. فهذا القرار يطيح بكل الجهود المبذولة لحل هذه الأزمة عن طريق الحوار والتفاهم، سواء بشكل ثنائي أو عبر المؤسسات الدولية، ويعيد العلاقة بين البلدين إلى دائرة جديدة من التوتر والتصعيد، خاصة أنّ هذا القرار جاء بالتزامن مع الإعلان عن عودة السفير الإماراتي إلى مقر سفارة بلاده في العاصمة طهران ومباشرته لمهمته الدبلوماسية بعد قطيعة استمرت لأكثر من ست سنوات نتيجة اعتداء عناصر متشددين ومؤيدين للنظام على مقر السفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد وإحراقهما.

هذه الخطوة الإيرانية وفضلا عن آثارها السلبية على المسار الحواري القائم بين طهران وابوظبي، فإنها تدحض اعلان طهران مؤخراً عن مساعٍ لترطيب العلاقات وخفض التوتر في سياق الجهود لفتح قنوات تواصل وعلاقات سليمة مع جوارها العربي خاصة الخليجي.

 

إيران تصدُ الجهود الإماراتية

وبعيداً عن الصراع والجدل التاريخي بين الطرفين، فإنّ جهوداً حقيقية بذلت من الجانب الإماراتي في السنوات الماضية للتوصل إلى نقطة تفاهم مع الجانب الإيراني لحل الخلاف حول الجزر. ويمكن القول ان الجهود التي بذلها السيد محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني الاسبق السيد محمد خاتمي بداية الالفية الثالثة، قد استطاعت التمهيد لأُسس عملية لتفاهم يكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأزمة. هذه الجهود كادت آنذاك أن تثمر نتائج ايجابية، إلا أن تدخل "الدولة العميقة" في إيران والمؤسسة العسكرية احبطا هذه الجهود، لاعتبارات تتعلق بالخطط الأمنية والعسكرية الخاصة للنظام وتنسجم مع رؤيته في التعامل مع دول الجوار.

 

صراع الأجنحة بإيران يعيق كل تقدم

وإذا ما كان تحرك السيد ابطحي ينطلق من قراءة إصلاحية لمصالح ايران وتنسجم مع اطروحة خاتمي في تخفيف التوتر والانفتاح وبناء علاقات سليمة وصحية مع العالم والمجتمع الدولي، فإن تحركاً مماثلاً، حصل في شهر رمضان من العام 2007، وهذه المرة كان اكثر جدية، لأنه كان برعاية ورغبة من مكتب المرشد الاعلى للنظام الذي أعطى الضوء الأخضر لفتح قنوات حوار مع أبو ظبي لحل الأزمة والنزاع المستمر، وقد حصل تقدم واضح وجدي وحقيقي في هذا السياق، خاصة وانّ الجانب الإيراني أبدى استعداداً كبيراً للتعامل بإيجابية مع المخاوف والمطالب الإماراتية، لكن بما ينسجم مع "مذكرة التفاهم" الموقعة بين الحكومة الملكية الشاهنشاهية وإمارة الشارقة برعاية بريطانية عام 1972. إلا أنّ الصراع الداخلي بين أجنحة التيار المحافظ، وتغييب رئيس الجمهورية حينها أحمدي نجاد عن أجواء وتفاصيل الحوارات، دفعت بهذا الاخير إلى الإطاحة بكل هذه الجهود وإحداث إنتكاسة على هذا المسار.

التصعيد الإيراني المُتعاقب

مع التطورات الدولية والاقليمية قبل عقدٍ من الآن، عمد النظام الإيراني وحرس الثورة إلى إتخاذ خطوات تصعيدية استكملت عملياً عدوان العام 1992 في جزيرة ابو موسى ونصب الصواريخ المضادة للسفن فيها، واشترط الدخول إليها بالحصول على تصريح او تأشيرة دخول للاماراتيين. فقد عمدت إيران عام 2012 إلى تطوير وجودها وتوسيعه واستغلال الجزر الثلاث استراتيجيا، فانشأت مطارا في أبو موسى وبلدية لها. حينذاك  أعلنت عن إستحداث محافظة "خليج فارس" ومركزها أبو موسى، وتحويل هذه الجزيرة إلى نقطة عسكرية متقدمة على بوابة مضيق هرمز، ولتكرس إحتلالاً ترفض معالجته باللجوء إلى التحكيم الدولي.

إقرأ أيضاً: القضاء على لبنان... بالقضاء على القضاء

إنّ إصدار القضاء الإيراني لسندات ملكية بالجزر الثلاث لا يحسم  الجدل حول شرعية السيادة عليها من عدمها، لأنها خطوة تكشف ضعف الأسس التي يعتمد عليها النظام الإيراني في ادعاءاته تلك، وإلا فما الحاجة لمثل هذه الخطوة إذا كان واثقاً من امتلاكه لها وسيادته عليها؟ فهل من الممكن ان يطلب والد سندا من المحكمة بأبوته لولده، إلا إذا كان مشككاً بهذه الأبوة والأبوية؟

إيران التي تدعي دعم "مقاومة" الإحتلال الإسرائيلي تحذو حذو تل ابيب في الإستملاك والإستيطان.