ميقاتي "المُحاصَر" من العهد بالكهرباء ومن الحزب بالمازوت
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

ميقاتي "المُحاصَر" من العهد بالكهرباء ومن الحزب بالمازوت

إيلي القصيفي - الجمعة 24 أيلول 2021

لولا الموجبات الدستورية لأمكن القول إنّ انعقاد مجلس النواب لمنح الثقة للحكومة الجديدة كان لزوم ما لا يلزم. فتعطيل تشكيل الحكومة مدّة 13 شهراً خلافاً لأبسط مقتضيات الدستور يؤكّد بما لا يقبل الشكّ أنّ الإلزامات الدستورية أصبحت خاضعة لموازين القوى، وهو ما يفقدها معناها الدستوري الأصلي ويجعلها عمليّة شكليّة توحي وكأنّ القوى السياسية ملتزمة بالدستور. بينما يعلم القاصي والداني أنّ الدستور برمّته مقبوض عليه من قبل القوى الحاكمة.

ولا ريب أنّ "جلسة الثقة" أعادت التأكيد على حقيقة الواقع اللبناني الذي هو بالفعل واقعٌ  انهياريّ على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كلّها. لذلك فإنّ الحكومة الجديدة هي حكومة مستَولَدة من رحم الإنهيار، وهو ما يجعلها حكومة أمر واقع بامتياز، أي إنّها تستمدّ الثقة الفعليّة بها من الإنهيار لا من الشعب، بمعنى أنّ خطورة الإنهيار أوجدت لها حدّاً أدنى من المقبولية الداخلية والخارجية، ولولاه لكانت حكومة مرذولة من الداخل والخارج.

صحيح أنّ الحزب أفرج عن الحكومة اللبنانية بعد 13 شهراً تحت ضغط تفاقم الانهيار الذي بدأت شظاياه تطوله مباشرةً، لكنّه في المقابل لا يزال ينظر إلى لبنان نظرة استراتيجية بوصفه إحدى ساحات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة

والأنكى أنّ النائب جبران باسيل لم يتوانَ في كلمته بقصر الأونيسكو عن التلطّي وراء الحكومة الجديدة لاستئناف معاركه الدونكيشوتية ضدّ خصومه. وهو حدّد بذلك برنامجه للحكومة الجديدة بوصفه برنامج تصفية حسابات باسيليّة مع جميع الذين عرقلوا الخطّة الإصلاحية للعهد كما يدّعي نائب البترون. والحال هذه،  يبدو أنّ باسيل لا يعترف بالوظيفة "الرسمية" للحكومة، وهي وقف الإنهيار، بل جلّ اهتماماته إعادة تعويم نفسه ولو كره الكارهون وأوّلهم الرئيس نجيب ميقاتي.

فإذا كان حزب الله قد استقصد إدخال صهاريج المازوت الإيراني إلى لبنان فور تشكيل الحكومة الميقاتية، فهو تقصّد الإعلان، من قبل أحد نوّابه المفوّهين، عن استقدامه مولّدين للكهرباء ومازوتاً إيرانياً لتشغيلهما بعدما تعطّل المولّد الكهربائي في قصر الأونيسكو وكادت الجلسة أن تتعطّل.

تؤكّد خطوة الحزب هذه أنّ حزن رئيس الحكومة على انتهاك السيادة اللبنانية لم يُثِر شفقة الحزب عليه، بل على العكس تقصّد الحزب رشّ الملح على جرح ميقاتي الذي لم يرضِ، بتعبيره عن حزنه، لا خصوم حكومته ولا حلفاءها، وعلى رأسهم الحزب. فالأوّلون رأوا في التصريح تهرّباً من أخذ إجراءات عمليّة لوقف تهريب المازوت الإيراني إلى لبنان، والآخرون ما أعجبهم تذمّر ميقاتي من انتهاك إيران والحزب للسيادة اللبنانية. 

لكنّ الحزب كان سيتصرّف التصرّف نفسه، سواء حَزِن الرئيس ميقاتي أو لا. فعادةُ الحزب أن يستعرض "قواه الرديفة"، سواء العسكرية أو المازوتيّة، في كلّ مرّة يحصّل مكسباً سياسياً ويكرِّس نفوذه أكثر من خلال انتخابات رئاسية أو نيابية أو تشكيل حكومة.

من القصير إلى المازوت

بالعودة قليلاً إلى الوراء فإنّ الحزب أقام استعراضاً عسكرياً ضخماً في بلدة القصير السورية الحدودية مع لبنان في 13 تشرين الثاني 2016، أي بعد أقلّ من أسبوعين على انتخاب حليفه الأقرب ميشال عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الأوّل 2016. ثمّ في 20 من الشهر نفسه أعلن الوزير السابق وئام وهّاب حليف الحزب عن تشكيل "سرايا التوحيد" في مهرجان بالجاهلية تخلّله عرض عسكري للسرايا. وهو كان عرضاً يتيماً.

لقد استقصد الحزب من خلال عرضيْ القصير والجاهلية الاحتفال على طريقته بالانتصار الرئاسي المنتظر بعد سنتين ونصف من تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، لكنّ المفارقة أنّ هذا الاحتفال كان بمنزلة رسالة إلى الرئيس نفسه الذي وعد في خطاب القسم إبقاء لبنان بعيداً عن صراعات المنطقة، فإذا بالعرضين يذكّرانه أنّه في صلبها. 

يحاول الحزب تحديد الخطوط السياسية والاقتصادية التي يجب أن يسير الرئيس ميقاتي بينها، سواء في مفاوضاته مع صندوق النقد أو في محاولته تحسين علاقات لبنان الدولية والعربية، وبالأخصّ الخليجية التي خرّبتها السياسة الخارجية اللبنانية وتدخّل الحزب في نزاعات المنطقة خلال السنوات الماضية

والأمر نفسه تكرّر مع الرئيس ميقاتي. إذ كانت مصادر الحزب قد سرّبت عشيّة تشكيل الحكومة أنّ الأخير سينقل المازوت الإيراني من سوريا إلى لبنان لكي لا يُحرج رئيسيْ الحكومة والجمهورية، لكن وخلال نيل الحكومة الجديدة الثقة لم يتوانَ الحزب عن إحراج الرئيس ميقاتي من خلال إنارة مسرح الأونيسكو بالمازوت الإيراني، وربّما يطمح الحزب إلى إنارة السراي الحكومي أيضاً بالمازوت نفسه إذا اقتضت الحاجة، وهذا كلّه استعراض يستقصده الحزب للإعلان عن تفوّقه على حلفائه وانتصاره على خصومه.

ولا يستغربنّ أحد هذا التصرّف من قبل الحزب، إذ إنّ إيران ذاتها تفعل الأمر نفسه. فقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني صرّح في 11 حزيران 2018، أي بعد نحو شهر من إجراء الانتخابات النيابية، أنّ "حصول حزب الله على 74 مقعداً من أصل 128 في البرلمان يحوِّله من حزب مقاومة إلى حكومة مقاومة". ألم يكن تصريحه هذا استعراضاً سياسياً إيرانياً للاحتفاء بفوز الحزب وحلفائه بالغالبية النيابية حتّى لو أحرج هذا التصريح هؤلاء الحلفاء؟

أمّا في العراق فلم تكد تمرّ 10 أيّام على زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى طهران حتّى استقبل قائد الحرس الثوري حسين سلامي، في العاصمة الإيرانية، قائد الحشد الشعبي العراقي فالح الفياض، الذي خاطب سلامي بالقول: "نحن فخورون بنموذج الحرس الثوري الحامل لخصائص الثورة الإسلامية. واليوم نرى أنّ من واجبنا استخدام تجربة الحرس الثوري وفقاً للقوانين الخاصّة العراقية".

هذا دأب إيران وحلفائها في تأكيد حضورهم الموازي للدولة في البلدان التي يتمتّعون فيها بنفوذ وازن. وهم بذلك لا يمارسون الضغوط على خصومهم وحسب، بل على حلفائهم أيضاً. خصوصاً عندما يكون هؤلاء في الحكم، سواء الكاظمي في بغداد أو الميقاتي في بيروت، مع اختلاف ظروف الرجلين والبلدين. ولعلّ هذه الاستراتيجية الإيرانية تعود إلى حرص طهران على تحديد هوامش الحكم في كلا البلدين لكي لا تؤثّر أيّ حركة سياسية أو اقتصادية ذات طابع إقليمي أو دولي تقوم بها حكومتا البلدين على نفوذها فيهما.

لذلك يحاول الحزب تحديد الخطوط السياسية والاقتصادية التي يجب أن يسير الرئيس ميقاتي بينها، سواء في مفاوضاته مع صندوق النقد أو في محاولته تحسين علاقات لبنان الدولية والعربية، وبالأخصّ الخليجية التي خرّبتها السياسة الخارجية اللبنانية وتدخّل الحزب في نزاعات المنطقة خلال السنوات الماضية. وهدف الحزب من وراء ذلك أن لا تخرج أيّ من سياسات الميقاتي عن مصالح الحزب الاستراتيجية حتّى لو كانت هذه المصالح تخالف مصلحة الدولة والشعب اللبنانيين.

لبنان ساحة مواجهة مع أميركا

صحيح أنّ الحزب أفرج عن الحكومة اللبنانية بعد 13 شهراً تحت ضغط تفاقم الانهيار الذي بدأت شظاياه تطوله مباشرةً، لكنّه في المقابل لا يزال ينظر إلى لبنان نظرة استراتيجية بوصفه إحدى ساحات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما يجعل سياسات الحكومة التي يمسك الحزب بقيودها رهينة لنظرة الحزب هذه.

لذا يأتي استقدام الحزب للمازوت الإيراني بالدرجة الأولى في سياق هذه المواجهة، وهو ما عبّر عنه النائب محمد رعد في المجلس النيابي الاثنين، حيث قال إنّ هذه الخطوة جاءت للردّ على الكيد السياسي ضدّ الحزب، أي أنّه يعطيها وظيفة سياسيّة أوّلاً.

إقرأ أيضاً: تفجير المرفأ التحدّي الأهمّ أمام نجيب ميقاتي

ولا ريب أنّ الأمر يشكّل عبئاً ثقيلاً على ميقاتي الذي يحاول إعادة تعويم شعار حكومته الثانية، "النأي بالنفس"، من خلال التعهّد بعدم الإساءة انطلاقاً من لبنان إلى أيٍّ من الدول العربية. لكنّها محاولة مهدَّدة دائماً بسياسات المواجهة التي يقودها الحزب من ضمن استراتيجية المواجهة الإيرانية. وهي استراتيجية مفتوحة على شتّى الاحتمالات، تشدّداً وليناً، في ظلّ التحوّلات الدولية والإقليمية الكبرى، سواء مفاوضات النووي الإيراني أو انسحاب واشنطن من أفغانستان وتقليص حضورها العسكري في المنطقة أو المفاوضات الإقليمية أو أخيراً التوتّر بين فرنسا والاتحاد الأوروبي من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية على خلفيّة صفقة الغواصات الأسترالية، وهو ما ينذر بخريطة تحالفات دولية جديدة. إنّ كلّ ذلك يؤثّر على تطوّر الأحداث في لبنان. 

في المحصّلة يقود الرئيس ميقاتي الطائرة الحكومية في منطقة مطبّات هوائية خطيرة جداً، وإذا كانت خبرة القيادة "اللولبية" لا تنقصه، فإنّ ما ينقصه هو تسليم شركائه في الحكومة بخبرته تلك.