ريحة بنزين طائفيّ...
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

ريحة بنزين طائفيّ...

أبو زهير - الأحد 04 تموز 2021

أنهض كل يوم خميس باكراً، أرتشف قهوتي على عجل وأنطلق شمالاً لأملأ خزّان سيارتي بالوقود ذي الأوكتانات الخمسة والتسعين. فأنا أقتصد في تحرّكاتي "المدولبة" خلال أيام الأسبوع، وأحصرها بالـ"ويك إند" فقط بسبب الأزمة، حتى أتمكّن من "كزدرة" أمّ زهير يوم السبت، إذ إنّها لا ترضى أن تدخّن أرجيلتها ذات التنباك العجمي إلاّ في الهواء الطلق بهدوء، لأنّ "هوا الجبِل بيواتيها"... تقول.

خلال مسيري صوب المحطة كل يوم خميس، لا ألتفت يمنةً ولا يسرةً، ولا آبه لأيّ محطة بيروتية تغريني بطوابيرها القليلة في بيروت، فالمحطات هناك "مسجّلة خطر"، ويمكن أن تأتيك رصاصةٌ طائشةٌ في رأسك في أيّ لحظة، أو سكّين أو ساطور غاضب من سائق درّاجة ناريّة يريد أن يملأ خزّانَ وقوده حتى "يقبّها علوشي" أو حتى يزعج الجيرة بصوت العادم المعدوم (يعدمني إيّاك يا حقّ).

مصطلحات وإشارات من أيام الحرب الأهلية ستعود لتستنهض الهمم مجدّداً، فيما السياسيون يتلهّون بحقيبة أو وزير بالزائد أو بالناقص

في بيروت تخال نفسك داخلاً إلى "نايت كلوب" أو إلى "مرقص ليليّ"، لكن بلا راقصات "ستريبتيز" أو تعرٍّ على العمود. فهذا العمود يمكن أن تتلقّاه في وسط رأسك إن حاولت التذاكي أو التشاطر. هناك يستقبلك رجال مفتولو العضلات أوBouncers ، مثل الذين يقفون على أبواب المراقص، أوكل إليهم المالكون أمور محطاتهم من أجل ضبط الأمن والحفاظ على الانتظام العامّ بغياب "الدولة" المنهكة بعدّ حبّات الكبتاغون على المطار وفي المرفأ.

هؤلاء "الباونسرية" وظيفتهم تنظيم الصفوف والصراخ على الناس ومنع المشاكل، فإذا كنت صديقاً لأحدهم "بيتك بالقلعة". فعندئذ تعيش في النعيم، وتنهال عليك أنهارٌ من مازوت وبنزين تجري من تحتها الغالونات... ولله في خلقه شؤون!

 

أمّا إذا كنت شخصاً عاديّاً، عديم المعارف والوسائط، ولا تجيد فنون الـNepotism، فأنت مأمور بالابتعاد عن "أمّ الشرائع" بيروت (يا للمفارقة ويا للسخرية)، وعن ضواحيها الجنوبية (يقال إنّ البنزين الإيراني واصل للركب هناك، هاهاهاها).

تبتعد لاشعورياً إلى حيث البنزين متوافر دوماً، ربّما لأنّ خزّانات الشركات المستورِدة على مرمى شارع من المحطات، وربّما لأنّ "لا محمودات" من بين المستوردين! تذهب أيضاً إلى حيث يسود الانتظام والهدوء، فالعاقبة هناك أقل وقعاً، ويمكن لعقوبة "الرصاصة" في الرأس أن تُخفَّف إلى كفّ أو إلى "سحسوح" (يا حبيبي يا رسول الله)، بل حتى في بعض المناطق "الكلاس" يمكن أن ينتهي الإشكال بشتيمة "ع الخفيف" (روح ياه – حلّ عن قفانا عبكرة الصبح... هيك شي) أو يُحسم الأمر بتأنيبٍ من شابّ مصريّ رعديد يقول لك: "يا عمّ خلّص"، أو هنديّ لوذعي يزجرك: "خلّيك بالسفّ ملِّم" أو "بسّ عِشّين"، إذا طالبت بأكثر من 20 ليتراً لسيارتك العطشى.

الأغلبيّة من سكّان العاصمة يفعلون الأمر نفسه، يخرجون من بيروت إلى "الحبشة" التي "بها ملك لا يُظلم عنده أحد". إلتقيت الخميس الفائت بأبي مصطفى وأبي صلاح في جلّ الديب، وقد ركنا سيارتيْهما بالطابور، ووقفا في الفيء يتبادلان أطراف الحديث ويرتشفان القهوة الإكسبريس. ضحكت وقلت في نفسي: "كلّ المحمودات هون؟"، ثمّ حمدت الله وشكرته أنّ النائب ماريو عون أو الناشط الأغرّ في "التيار الوطني الحر" ناجي حايك لم يتنبّها إلى هذه الظاهرة بعد، لكانوا قالوا "المسلمين أخدوا لنا البنزينات".

في بيروت تخال نفسك داخلاً إلى "نايت كلوب" أو إلى "مرقص ليليّ"، لكن بلا راقصات "ستريبتيز" أو تعرٍّ على العمود

لكنّ يبدو أنّ الأمر لن يطول، وأنّهما وأمثالهما سيبدأون الحديث عن ذلك قريباً. لن يتأخّر هذا الخطاب، خصوصاً بهمّة وبركة "الأبونا المبارك" وأمثاله، إذ بدأتُ أخيراً أشتمّ رائحة البنزين الطائفي. فقد شرعت هذه الأفكار تتسلّل إلى نفوس بعض الضعفاء، وبتّ أسمعها همساً ولمزاً بمنسوب تصاعدي كل خميس في الطوابير بين المنتظرين.

تُخبرك النظرات أنّ ثمّة مَن بات يقول في سرّه من دون أن ينطق: "زيادة بالناس زيادة بالانتظار؟"، وهذا أمر مبرّر، وربّما منطقي وبديهي. لكن في المقابل، لا شيء يضمن أن لا يصطدم هؤلاء الحاقدون بحاقدين آخرين من الطرف الآخر، يذكِّرونهم بأنّ البنزين والمازوت مشتقّان من نفط شبه الجزيرة العربية، أي من نفط "مسلم" يخاف الله (ونعم بالله).

عندئذٍ سيتعمّق الخلاف، وسندخل في حرب فتاوى واجتهادات، ويتدفّق سيلٌ من التحليل والتحريم يتعلّق بالمسألة التالية: هل كتبت المصفاة الكافرة كتابها على الباخرة المسلمة على سنّة الله ورسوله، أو تزوّجتا عرفيّاً أو جمعتهما المساكنة تحت سقف واحد (يا وعدي).

إقرأ أيضاً: التهريب "يقتحم" الحكومة: مَنْ يقصد باسيل باتّهاماته؟

أبشروا. مصطلحات وإشارات من أيام الحرب الأهلية ستعود لتستنهض الهمم مجدّداً، فيما السياسيون يتلهّون بحقيبة أو وزير بالزائد أو بالناقص... لينطبق عليهم كلّهم المثل الشعبي اللبناني القائل: "خرّبها وقعد ع تلّها".

 

*هذا المقال من نسج خيال الكاتب