المئوية: الجنرال غورو الذي رسم لبنان الكبير بيد واحدة!
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

المئوية: الجنرال غورو الذي رسم لبنان الكبير بيد واحدة!

إيلي القصيفي - الأربعاء 02 أيلول 2020

"أعرف أنّكم فخورون بانتصاركم، وواعون لواجباتكم، تتطلّعون إلى المستقبل بثقة، وتعرفون من جانبكم، أّنه في الأمس كما اليوم، تستطيعون الاتكال على مساعدة فرنسا".  بهذه الكلمات خاطب المفوّض السامي الفرنسي الأول الجنرال هنري غورو (1867- 1946) "اللبنانيين الكبار"، خلال إعلانه دولة لبنان الكبير من  قصر الصنوبر في الأول من أيلول 1920. بعد نحو مئة عام وتحديداً في 6 آب 2020، وخلال زيارته الطارئة إلى بيروت بعد انفجار المرفأ في 4 منه، خاطب الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون الشعب اللبناني بالقول: "لن نترككم أبداً. لبنان ليس وحيداً". 

إقرأ أيضاً: لبنان في مئويته: المفتي نجا.. اللبناني الذي قال لا لـ"غورو"

أيّ مفارقة هذه أنّ يكرّر الرجلان كلاماً مشابهاً عن دعم فرنسا للبنان، بفارق قرن من الزمن وخلال حدثين تاريخيين متناقضين. فالأول كان "انتصاراً" كمّا وصفّه غورو، أمّا الثاني فمأساة، هي الأكبر في تاريخ الجمهورية اللبنانية من حيث ظروفها الزمنية والإنسانية والاقتصادية. 

هي دروس التاريخ القاسية، وهو الماضي الذي يعيد نفسه كلّ مرة بطريقة مختلفة. فهل كان هذا القرن لـ"لاشيء" إذا ما استعرنا عبارة غسان تويني؟ هل إنّ هذا القرن اللبناني الطويل والمليء بالأحداث والأحلام والجمال، ولكن بالمآسي أيضاَ، انتهى بفاجعة المرفأ التي كانت بمثابة إعلان عن العودة إلى "ما قبل الجمهورية"؟

لا بدّ من العودة إلى ظروف تأسيس الكيان اللبناني، من خلال وضع هذا التأسيس في ظرفه التاريخي الجيوسياسي، بغية استعادة البدائل التي كانت مطروحة للبنان الكبير وقتذاك

قبل مئة عام وقف الجنرال غورو على درج قصر الصنوبر يقول في لحظة تاريخية في المنطقة إنّ "لبنان الكبير جعل لفائدة الجميع، وليس ضدّ أحد". وبالأمس، قال وزير الخارجية الفرنسي إنّ هذا اللبنان نفسه مهدّد بالزوال. فهل يتبيّن بعد قرن على إعلان لبنان الكبير أنّه كان بعكس ما توقعّ غورو، إذ لم يكن فائدة للجميع، وتالياً، ما عاد وجوده مبرّراً، أقلّه في "شكله" الحالي؟

للإجابة، لا بدّ من العودة إلى ظروف تأسيس الكيان اللبناني، من خلال وضع هذا التأسيس في ظرفه التاريخي الجيوسياسي، بغية استعادة البدائل التي كانت مطروحة للبنان الكبير وقتذاك. ذلك اللبنان الذي أخذ الجنرال غورو نفسه "المبادرة الشخصية لإقامته"، إضافة إلى بقية الدول التي كانت واقعة تحت الانتداب. فهو إذ أعلن في الأوّل من أيلول 1920 دولة لبنان الكبير بحدودها الحاضرة، فقد أعلن في الشهر نفسه دولتي دمشق وحلب، ثمّ دولة "جبل الدروز" في آذار 1922، فدولة "منطقة العلويين" في تموز من العام نفسه. 

إذاً فقد أتى إعلان لبنان كبير كترجمة لتبدّل الاستراتيجية الفرنسية في المنطقة. فبعد أن أقرّت اتفاقية سايكس – بيكو تقاسماً شبه متساوٍ للشرق بين الفرنسيين والبريطانيين، تقدّمت الجيوش البريطانية بشكل كبير نحو الشرق بين عامي 1917 و1918، وهو ما أثار مخاوف فرنسية من ضرب التوازن الذي أرسته الاتفاقية. في هذا السياق بالذات، ظهر الجنرال غورو بوصفه الجنرال الفرنسي الأكثر أهلية ليخلف فرنسوا جورج  بيكو في منصب المفوض السامي للمشرق، وذلك لضمان حلول القوات الفرنسية محلّ القوات البريطانية في المشرق ابتداءً من الأوّل من تشرين الأول 1919 كما كان مقرّراً.  

لذلك اختير الجنرال غورو بعناية لأداء هذه المهمة، وذلك بالنظر إلى تجربته كـ"مقيم عام" في المغرب بين عامي 1916 و1917، ما جعل الإدارة الفرنسية تنظر إليه كرجل يحترم الدين الإسلامي والشعائر الدينية للمسلمين، وفي الوقت نفسه فهو كان كاثوليكياً ممارساً، ما يخولّه أن يكون مقبولاً من المسلمين وقادراً على طمأنة مسيحيي المشرق في الوقت نفسه. مع الأخذ في الاعتبار أنّ غورو اشتهر بخدمته العسكرية خلال في "السودان الفرنسي"، حيث تمكّن من إنهاء حالات تمرّد من دون إهراق كثير من الدماء. ثم تنقلّ خلال خدمته الكولونيالية الأفريقية بين موريتانيا والتشاد والنيجر والمغرب، قبل أن ينتقل للقتال في الحرب العالمية الأولى على جبهتي أرغون ضدّ القوات الألمانية في فرنسا، والدردنيل إلى جانب البريطانيين ضدّ الأتراك، حيث فقد يده اليمنى.

رسم الجنرال الفرنسي خريطة المنطقة الجغرافية والسياسية قبل مئة عام. وللمفارقة مرة أخرى، فهو كان يفضّل أن يبقى في فرنسا لو يسعَه ذلك على أن يتسلّم منصب في المشرق

كلّ ذلك جعل الجنرال الفرنسي، المتحدّر من عائلة أطباء والمتخرجّ من كلية سانسير العسكرية الشهيرة، يناسب تماماً الاستراتيجية الفرنسية الجديدة في المشرق، أي الانتقال من "سوريا الكبرى"، الممتدة من لواء الإسكندرون إلى سيناء، حيث يمثّل العنصر المسيحي دعماً أساسياً للفرنسيين، إلى "لبنان الكبير". 

فبالتزامن مع وصول غورو إلى بيروت، كان الرئيس جورج كليمنصو قد رفض فكرة تقسيم سوريا بين "سوريا عربية" و"سوريا فرنسية". لكنّ هذا الأخير كان قد ضمن للأمير فيصل بن الشريف حسين، في اتفاق سرّي بينهما في 6 كانون الأول 1920، وجود كيان سوري مستقلّ تحت وصاية إدارية فرنسيّة جزئية. وبموجب هذا الاتفاق، كان من المقرّر أن يتفق فيصل مع غورو لاحقاً على كيفية وضع المسار الانتدابي الفرنسي حيّز التنفيذ. لكنّ الرجلين، وإذ اتفقا على تحديد سوريا الكبرى على أوسع نطاق جغرافي ممكن، إلا أنّهما اختلفا على مسألتي الاستقلال وحفظ النظام. فغورو كان يلحّ بقوة على فيصل لوضع حدّ للاضطرابات الأمنية في سوريا، بينما كان فيصل يتهّم فرنسا بأنّها تتّبع سياسة فرّق تسد، وتسلّح المسيحيين ضدّ سائر العرب. 

إلا أنّ إعلان استقلال سوريا وتنصيب فيصل حاكماً عليها بدعم بريطاني أثار استياء الفرنسيين وغورو بالذات، وهو ما دفعه للقيام بالخطوات التالية: طلب المزيد من الدعم العسكري من حكومته (35 ألف جندي)، التقرّب من الموارنة بإعلان نيتّه ضمّ البقاع إلى جبل لبنان في 3 نيسان 1920، توجيه إنذار نهائي لفيصل في 14 تموز 1920 بضرورة قبول الانتداب الفرنسي. وحين لم يتفقا وقعت معركة خان ميسلون في 24 منه والتي انتهت بهزيمة الجيوش العربية ودخول الجيوش الفرنسية إلى دمشق. وفي الأيام التالية، جدّد قراره بضمّ البقاع إلى لبنان في 3 آب 1920، ثمّ قرّر تنظيم سوريا من خلال تقسيمها إلى أربع كيانات سياسية متميزة: دولة لبنان الكبير بعد ضمّ ولاية بيروت العثمانية وسهل البقاع، دولتي دمشق حلب، ومنطقة العلويين.

هكذا إذاً رسم الجنرال الفرنسي خريطة المنطقة الجغرافية والسياسية قبل مئة عام. وللمفارقة مرة أخرى، فهو كان يفضّل أن يبقى في فرنسا لو يسعَه ذلك على أن يتسلّم منصب في المشرق. ومع ذلك، فقد حفر اسمه عميقاً في المنطقة، فانقسم أهلها حوله؛ بعضهم يراه محرّراً، لكن تبقى ذاكرته عند الآخرين مرتبطة بهزيمة ميلسون، وإسكات القومية العربية بقيادة الهاشميين. إذ أثار دعم البريطانيين لفيصل وإرادتهم الانقلاب على اتفاقية سايكس – بيكو خشية الفرنسيين من إقامة سوريا عربية تنتقص من حصتهم، وهذا ما دفعهم إلى إسقاط خيار "سوريا الكبرى" واعتماد سياسات مبنية على الخصوصيات الدينية والمناطقية، وهو ما أدّى إلى ولادة لبنان الكبير. 

فإذا كان هذا اللبنان وليد صراع النفوذ البريطاني الفرنسي في المشرق قبل قرن من الآن، فما هو اللبنان الذي سيولد من صراع النفوذ متعدّد الأقطاب في المنطقة اليوم؟ وهل الرئيس الفرنسي يحمل معه إلى بيروت تصوّرا للبنان جديد يحفظ نفوذ فرنسا فيه، وفي الحوض الشرقي للبحر المتوسط بعد ظهور تركيا عسكرياً على الشاطئ اليوناني؟ لكن مع فارق أنّ ماكرون ليس لاعباً  قوياً ممتلئاً بالخبرة في المشرق اليوم على غرار ما كان غورو قبل مئة عام!