نداء البطريرك... عن طيف إميل لحّود في بعبدا
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

نداء البطريرك... عن طيف إميل لحّود في بعبدا

إيلي القصيفي - السبت 27 حزيران 2020

يقول غسان تويني في تقديمه لكتاب سمير قصير "عسكر على مين" إنّ "الفرق بين "عسكرة" فؤاد شهاب، وعهده، وبين العهد الذي تناولته مقالات الكاتب (عهد إميل لحود) هو أنّ "الشهابية التي لن تشتدّ وطأة مخابراتها إلّا في السيتينات، أي في سنتها الثالثة، حملت إلى الحكم نظرة إصلاحية تقدّمية (...). ولعلّ "فراغ" عهد لحود من أيّ مشروع حكم متكامل يذهب إلى جذور الأزمة الاجتماعية والمدنية، هو الأمر الذي جعل هذا الحكم يتجوهر بالمخابراتية من السنة الأولى".

إقرأ أيضاً: ملّاط لـ"أساس": القمع ملازم لـ "العهد"... لن نسكت

كُتب هذا التقديم منذ 16 سنة ولكنّه لم يفقد، لناحية مدلولاته السياسية، شيئاً من راهنيته بل يمكن اعتباره توصيفاً للوضع القائم. ذلك أن العهد الحالي وفي مقابل فراغه من أيّ مشروع متكامل للحكم أسوة بالعهود السابقة، وعدم قدرته على الحدّ من تفاقم الفالج المالي والاقتصادي، قد تجوهر منذ سنته الأولى بالممارسات البوليسية. فحتّى البطريرك بشارة الراعي الذي لم يُعرف عنه عداؤه للعهد، رأى الثلاثاء أنّ "وجه لبنان بدأ يتغيّر ويسلك طريق الظلم وطريق النظام البوليسي، والاعتداء على حرية الإنسان وكرامته". هذا مع العلم أنّ "مؤسسة سمير قصير" قد سجّلت منذ انتخاب الرئيس ميشال عون، أي منذ ثلاث سنوات وسبعة أشهر، أكثر من 500 انتهاك للحريات الإعلامية والثقافية، بما في ذلك استدعاءات قضائية وأمنية لصحافيين وناشطين عبّروا عن آراء معيّنة فضلاً عن منع أفلام ونشاطات ثقافية.

دخل العهد في منتصف سنته الرابعة مرحلة جديدة على وقع توسّع عزلته السياسية والشعبية

وللمفارقة، فإنّ التطوّرات السياسيّة في الأيام القليلة الماضية حفّزت على استذكار عهد لحود، لا لأن اسمه عاد للتدوال بسبب عدم مشاركته في "اللقاء الوطني" وحسب، بل لأنّ المقاطعة السياسيّة الوازنة لهذا اللقاء، كرسّت الانقسام الداخلي العميق حول رئيس الجمهورية، تماماً كما كانت حال عهد لحود في آخر سنيّه، ولاسيّما بعد تمديد ولايته خلافاً للدستور.

والحال، فقد دخل العهد في منتصف سنته الرابعة مرحلة جديدة على وقع توسّع عزلته السياسية والشعبية بعدما حرمته مقاطعة "المعارضة" للقاء 25 حزيران من فرصة الظهور أمام الداخل والخارج رئيساً فوق الصراعات السياسية، وقادراً، بصفته تلك، على إدارة الأزمة المالية والاقتصادية المتفاقمة على نحوٍ بات ينذر بانفجار اجتماعي كبير في أيّ لحظة. وما يزيد الوضع حراجة أنّ حكومة حسّان دياب التي رُوّج لها بداية على أنّها خشبة الخلاص للعهد والبلد، دخلت في "موت سريري"... حتّى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

لكنّ فشل العهد وحكومته في التخفيف من حدّة الأزمة، لم يدفعهما للتراجع ولو خطوة إلى الوراء. بل على العكس، فإنّ كليهما ماضٍ في نهجه وخطاب. أمّا دياب، فيتخيّل مؤامرات تحاك ضدّه، ويعدّد إنجازات حكومته التي نفّذت 97 في المئة من برنامجها للأيام المئة الأولى من عمرها، فضلاً عن التمسكّ بـ "استراتيجية اللجان"! أمّا العهد فيحمّل خصومه مسؤولية الأزمة وتوفير غطاء سياسي للتضييق على حرية الرأي والتعبير في محاولة لتكريس خطاب سياسي وإعلامي يعكس مستوى الحكم الرشيد في البلاد. تماماً كما يعكس سعر الدولار الرسمي، أو حتّى ذلك الذي يُحدّده الصرّافون، سعره الفعلي في السوق!

بالتزامن، تتراجع الثقة في استقلالية السلطة القضائية، وتزداد صعوبةً قدرة السلطة القضائية على تأكيد استقلاليتها. خصوصاً بعد أن ردّ رئيس الجمهورية مرسوم التشكيلات القضائية، وذلك وفق معادلة قوامها: إمّا يأخذ مجلس القضاء الأعلى بملاحظات العهد ووزيرة العدل "الثورية" أو لا تشكيلات قضائية. هذه المعادلة تؤكّد بما لا يحتمل الشك أنّ السلطة السياسيّة تريد قضاءً طيّعاً، ما يقوّض مبدأ الفصل بين السلطات ويطيح تالياً بالأُسس الديموقراطية التي قامت عليها الجمهورية اللبنانية متجهاً بها إلى الممارسات البوليسية.

إحدى أهمّ سنن التاريخ السياسي للبنان أنّه عندما تشتدّ الضغوط الداخلية والخارجية على السلطة، فهي تقابلها بالتشدّد ضدّ معارضيها

والأدهى أنّ "سلوك طريق النظام البوليسي" يحصل في مناخ سياسي عام يحفّز عليه، تماماً كما كانت الحال وقت إحكام نظام الوصاية السورية  قبضته على المجال السياسي والإعلامي في لبنان. إذ إنّ الانتهاكات المسجلّة ضدّ حرية الرأي والتعبير ما كانت لتبلغ هذا الحدّ خلال السنوات الثلاث الماضية لو لم تكن مراكز الثقل السياسي في البلد توفّر مظلّة سياسية لها، بوصفها إحدى شروط اللعبة السياسية الحالية والقائمة، على غرار "الحقبة السورية". مظلّة لإعادة فرز اللبنانيين بين وطنيين و"عملاء للخارج". وهو ما أكدّه  كلام المستشار السياسي للأمين العام لـ"حزب الله" حسين الموسوي، الثلاثاء، الذي توعّد "كلّ من يتماهى من اللبنانيين مع الطروحات الأميركية بأنّه سيُعتبر من الآن فصاعداً متواطئاً مع العدو الصهيوني سواءً كان واعياً أو غائباً عن الوعي". لكن فات السيّد الموسوي أن يضع للبنانيين لائحة بالطروحات الأميركية التي ينهاهم عن التماهي معها!

في المحصلة، فإنّ إحدى أهمّ سنن التاريخ السياسي للبنان أنّه عندما تشتدّ الضغوط الداخلية والخارجية على السلطة، فهي تقابلها بالتشدّد ضدّ معارضيها وتخوينهم (بالحدّ الأدنى!) والتضييق على الحريات العامة. هذا ما حصل طيلة السنوات الخمس الأخيرة من حكم "نظام الوصاية". واليوم ثمّة مشهد سياسي شبيه آخذ بالتشكّل على وقع فشل الحكم بتدارك تفاقم الأزمة الاقتصادية والضغوط الأميركية على "حزب الله".

فهل ستشهد المرحلة المقبلة تكوّن جبهة سياسية معارضة تواجه ممارسات السلطة على غرار تلك التي تشكّلت في آخر سنّي "حكم الوصاية"؟ أم أنّ المعارضة الرئيسية لتلك الممارسات ستبقى في الشارع تقودُها مجموعات "17 تشرين"؟ وهل تخرج أصوات من داخل "التيار الوطني الحر" – الذي كان أعضاؤه ضحية القمع طيلة "الحقبة السورية" – ترفض عودة "النظام البوليسي"؟

كلّها أسئلة تفيد الإجابة عليها في تلمّس ملامح المرحلة المقبلة التي عبّر عنها، الخميس، تزامن "اللقاء الوطني" الذي أكدّ بيانه الختامي على "صون حرية التعبير"، مع وقفة لمجموعة من الصحافيين في ساحة سمير قصير للتنديد بـ"الجنوح الحاصل في الاستدعاءات التي تطال الصحافيين"!