سوريا: الحرب "الثرية" والسلْم المفلس
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

سوريا: الحرب "الثرية" والسلْم المفلس

ماهر شرف الدين - الأحد 31 أيار 2020

في اعترافٍ سابق، ونادر، سلَّط ضوءاً جديداً على اقتصاد النظام في زمن الحرب، أقرَّ بشار الأسد في لقاء مع "الإخبارية السورية"، بتاريخ 1 تشرين الثاني 2019، بأنَّ "تحرير المناطق" أثَّر سلباً على الليرة السورية، والاقتصاد عموماً، لأنه حرم نظامه من "دولارات الإرهابيين".

كانت مناسبة ذلك الحوار تبرير انخفاض سعر صرف الليرة بعد تحقيق النظام لتقدُّم عسكري كبير على الأرض، بعكس ما كان يعتقد الموالون عن أن استعادة المناطق لا بدَّ أن تكون مقدّمة لاستعادة زمام الأمور في البلاد، وعلى رأسها العملة والاقتصاد.

كان رأس النظام يقصد، يومذاك، التمهيد لما سيلي من انهيار للعملة والاقتصاد معاً.

كلام الأسد، إذا ما قمنا بترجمته وفق القاموس الاقتصادي، كان يعني بأنَّ دولارات الحرب التي دخلت إلى سوريا كانت أشبه بالغطاء الذهبي لعملة البلاد، وحين ينفد هذا الغطاء ستكون العملة، يداً بيدٍ مع الاقتصاد، في حالة سقوط حُرّ.

إقرأ أيضاً: الشهادة الجديدة لـ"قيصر": معارضون يبتزّونني

إنَّ العملة الصعبة، التي وفَّرتها الحرب لجميع الأطراف، ساهمت بتأخير الانهيار التامّ للاقتصاد المنهك، وتالياً الإشراف على المجاعة، وخصوصاً في المناطق الخاضعة لسلطة النظام.

ومع الجمود الحاصل على الجبهة الوحيدة المتبقية شمالاً، بفعل الاتفاق الروسي التركي، وانتهاء الدعم المالي الذي ضخَّته بعض دول الخليج للفصائل الإسلامية التي اختفى بعضها، وتحوَّل بعضها الآخر إلى تحصيل تمويله بقوَّة الأمر الواقع من أرزاق الناس في المناطق التي يسيطر عليها، ونضوب الدعم المالي الإيراني للنظام بسبب قسوة العقوبات الأميركية التي فتكت بالاقتصاد الإيراني، إضافة إلى مطالبة الروس بتسديد فواتير الحرب المتراكمة... ذلك كلُّه أفضى إلى حالةٍ يمكن تسميتها بـ"السلْم المفلس".

ولأنَّ المصائب على نظام الأسد لا تأتي فرادى، تزامن حصول وباء "كورونا"، الذي حوَّل الشلل النصفي للاقتصاد إلى شلل كلّي، مع اقتراب موعد تطبيق "قانون قيصر" الذي سيعاقب كلّ من يقدّم دعماً مالياً أو تقنياً أو عسكرياً للنظام.

لا نبالغ إذا ما قلنا بأنَّ صوت الأمعاء الخاوية في مناطق النظام بات يرعب الأسد أكثر من صوت السلاح في مناطق المعارضة

إنَّ سنتاً أميركياً واحداً لن يدخل الخزينة في ظلّ وجود هذه العائلة "العصابة" التي بدأت تأكل بعضها في سبيل البقاء.

والرغيف – الذي هو الخطّ الأكثرة حُمرة لدى جميع الشعوب بغضّ النظر عن الثقافة والتاريخ والحالة الراهنة – صار يُوزَّع، بتقتيرٍ شديدٍ، على بطاقةٍ زاد من سخط الناس أنَّ النظام قد سمَّاها بـ"البطاقة الذكية"!

الشعب جائع، والنظام كذلك.

بدأ بشار الأسد بالتهام أقرب رجاله.

رامي مخلوف، الذي لم يتردَّد في تحريض فقراء العلويين لمنع مصادرة شركاته، لن يكون الأخير. المطالبات التي أطلقها السوريون في الأيام الأولى للثورة، لمحاسبة هذا الأخطبوط، تأخَّر "تحقيقها" تسع سنوات. ولكن ليس من أجل رفاهية السوريين، بل من أجل تسديد فواتير الأسلحة التي دمَّرت بلدهم.

الآن بردتْ سخونة الحرب، ومعها بردَ الجرح ليصير الشعور بالألم أكبر بكثير.

فمع انخفاض صوت قرقعة البندقية، تصاعد صوت قرقرة المعدة.

ولا نبالغ إذا ما قلنا بأنَّ صوت الأمعاء الخاوية في مناطق النظام بات يرعب الأسد أكثر من صوت السلاح في مناطق المعارضة. لأنَّ ولادة "معارضة" معيشية، غير سياسية، من قلب الحاضنة الشعبية تعني أن الحرب صارت داخل الأسوار.

إنه يعرف جيّداً بأنَّ ما عجزت عن فعله حربٌ "ثرية"، ربما ينجح بفعله "سلْمٌ" مفلس. بل إنّه يعرف جيّداً بأنَّ "سلْماً" مفلساً، ربما يكون هو الحرب الحقيقية.