انشغل العالم بأوكرانيا.. فذهبت الصين إلى أفغانستان

2022-03-29

انشغل العالم بأوكرانيا.. فذهبت الصين إلى أفغانستان

مدة القراءة 6 د.

بينما كانت الولايات المتحدة الأميركية تستعدّ للانسحاب من أفغانستان، كانت الصين تستعدّ لدخولها. وقبل أن تغادر واشنطن بأيّام استقبلت الصين وفد حركة طالبان، وبعدما غادرت بساعات، كانت سفارتها مفتوحة على الدوام. في خلال عام واحد استقبل وزير خارجية الصين قادة طالبان في بكين، والتقاهم في الدوحة، وزارهم في كابول.

ثروة نائمة

منذ الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979، ثمّ الغزو الأميركي عام 2001، لا تعرف نشرات الأخبار من أنباء ذلك البلد إلّا الدم والموت. لكنّ البحث قليلاً تحت أقدام المتصارعين الأفغان، سوف يكشف عن ثروة طائلة، تقبع تحت التراب بقليل.

أعلنت طالبان أنّها لن تسمح بوجود أيّة جماعات مسلّحة أجنبية على أراضيها، لكنّ وعود طالبان لا تكفي لتبديد القلق الصيني، بل يجب أن تكون بكين حاضرة هناك

في عام 2010 أصدرت وزارة الدفاع الأميركية “مذكّرة داخلية” بعنوان “أفغانستان.. المملكة العربية السعودية للّيثيوم”، إذ يقدّر الجيولوجيّون الأميركيون حجم الثروة المخفيّة بأكثر من 1 تريليون دولار.

تقوم ثورة السيارات الكهربائية على الليثيوم، والكثير من تكنولوجيا الطاقة المتجدّدة ينهض عليها، وحسب الخبراء فإنّ الطلب على الليثيوم سيتضاعف 40 مرّة في الـ20 عاماً المقبلة.

أفغانستان هى بلاد الليثيوم، إذْ يملك ذلك البلد الذي أنهكه المتطرّفون أكبر احتياط للّيثيوم في العالم. إلى جوار الليثيوم يوجد الذهب والنحاس والحديد وعشرات المعادن النادرة، وهي ثروة تقدرّها هيئة المسح الجيولوجي الأميركي بأكثر من 3 تريليونات دولار.

الصين كانت تنتظر

لم يقُم الأميركيون باستثمارات مهمّة في أثناء وجودهم في أفغانستان على مدى 20 عاماً، وما تمّ ضخُّه من أموال من قبل الهند وغرب أوروبا قد انهار مع وصول طالبان إلى السلطة.

قامت الصين بحملة إعلامية كبيرة ضدّ الولايات المتحدة تحت عنوان كبير: “لا يمكن الثقة بأميركا.. ولا الاعتماد عليها”. لقد ساعدت صور الأفغان المذعورين بعد الانسحاب الأميركي، ودخول طالبان قصر الرئاسة، بينما يتعلّق مواطنون أفغان بإطارات الطائرات، في تعزيز الرواية الصينية.

في عام 2021 اقتربت الصين كثيراً من طالبان، وفي 2022 بدأت الصين الإعداد لأوّل مشروع كبير لاستخراج النحاس في مدينة “أيناك”.

تعاني طالبان عدم الاعتراف الدولي، وأموالها مجمّدة في الغرب، منها 7 ملايين دولار في الولايات المتحدة، و2 مليون دولار في أوروبا. وسوف يدرّ مشروع النحاس في أيناك أكثر من 250 مليون دولار سنوياً، أي أنّ دخل أفغانستان من أول مشروع صيني كبير سيصل إلى 35 ضعف الأموال الأفغانية المجمّدة في أميركا.

في عام 2001 قامت حركة طالبان بتحطيم تماثيل بوذا في “باميان” وسط أفغانستان، وكانت حجّة طالبان التي قامت بهدمها بالديناميت: إنّنا نحطّم الأوثان

بوذا 2001 وبوذا 2022

في عام 2001 قامت حركة طالبان بتحطيم تماثيل بوذا في “باميان” وسط أفغانستان، وكانت حجّة طالبان التي قامت بهدمها بالديناميت: إنّنا نحطّم الأوثان.

لكنّ تماثيل بوذا في أفغانستان عام 2022 لم تعد أوثاناً، بل هي معالم تجب حمايتها وحراستها. ففي موقع المشروع النحاسي المنتظر في “أيناك” قال مسؤول طالبان لوكالات الأنباء: “إنّ حماية تماثيل بوذا هي مهمّة لنا وللصين”.

تحتاج طالبان إلى الصين من أجل إنهاء عزلتها، ودعم الاعتراف بها، وتحتاج إلى أموال الصين في بلد أصبح كلّه تقريباً من الفقراء. وحسب الأمم المتحدة فقد عاش نصف الشعب الأفغاني في فقر مدقع عام 2021، لكنّ الشعب بكامله قد يصبح في حالة فقر مدقع منتصف العام 2022. لقد غيّرت طالبان ممّا كانت تراه موقفاً شرعيّاً، وراحت تحمي تماثيل بوذا لأجل المصلحة الاقتصادية.

تحتاج الصين هي الأخرى إلى طالبان، ذلك أنّ الحدود بينهما تصل إلى 76 كلم، لكنّ القلق الأكبر هو التهديد الفكري الذي تمثّله طالبان، التي يمكنها تحريض الحركات الانفصالية بين قومية الإيغور المسلمة، وهو ما لا تريده الصين.

لقد أعلنت طالبان أنّها لن تسمح بوجود أيّة جماعات مسلّحة أجنبية على أراضيها، لكنّ وعود طالبان لا تكفي لتبديد القلق الصيني، بل يجب أن تكون بكين حاضرة هناك.

تخشى الصين احتمالات ثلاثة: أن تغيّر أيّة قيادات مستقبلية لطالبان سياساتها، أو أن تنشقّ عناصر ذات وزن من طالبان للتحريض على الصين، أو أن تفشل طالبان في مواجهة تنظيم داعش أفغانستان المسمّى “خراسان”، وهي احتمالات كلّها سيّئة، لكنّها باتت أضعف من ذي قبل.

 

الهند أيضاً تنتظر

لا يلتقي العملاقان الصيني والهندي كثيراً، وفي العادة إذا كانت الصين في هذا الطريق فإنّ الهند ستكون في الطريق الآخر.

تحاول الصين قيادة المشهد على اتّساعه: علاقة قويّة مع أفغانستان، وعلاقة قويّة مع باكستان عبْر الممرّ الصيني الباكستاني ضمن الحزام والطريق، وهو واحد من أكبر المشروعات في العالم.

وباكتمال التعاون الصيني الباكستاني الأفغاني، متضمّناً الممرّ الباكستاني، واستثمارات الثروة المعدنية الأفغانية، فإنّ الهند تكون قد تراجعت كثيراً أمام التوسّع الصيني، بعد اندماج باكستان وأفغانستان في مبادرة الحزام والطريق.

الصين هي التي تقود عملية “دول الجوار لأفغانستان”، وذلك للحلول التامّ محلّ القوّتين العظميين السابقتين: الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. والصين إذْ تقود عملية تقديم طالبان للعالم، فإنّها تكرّر: “الحركة قد تغيّرت، وأصبحت أكثر رصانة وعقلانيّة عمّا كانت عليه في الماضي”.

على طالبان أن تتعلّم السباحة

لا يعترف العالم كلّه بطالبان، حتى الصين وروسيا تتعاملان ولا تعترفان، وهناك عقوبات مفروضة على من يتعاون معها، لذا ليست خُطى الصين متسرّعة.

ترى دوائر أميركية أنّ الاستثمارات الصينية في أفغانستان هى إلقاء للأموال في الفراغ، وهو ما توقّفت عنه واشنطن. وكان الرئيس بايدن يقول: “كانت روسيا والصين تتفرّجان علينا، بينما نلقي بأموالنا في مستنقع أفغانستان”.

لكنّ الصين ترى أنّها لا ترمي أموالها أسفل جبال أفغانستان الموحشة، بل هي تعرف أين تضع قدميها، وكيف تتحرّك.

إقرأ أيضاً: غزو أوكرانيا: تركيا بين المطرقة الروسية والسندان الأميركي (2/2)

لا تملك طالبان سوى أن تتعاون مع بكين، وقد قال قادة الحركة بوضوح: “سوف نبدِّد كلّ المخاوف لدى الصين، فنحن نريد تعزيز علاقاتنا وتنميتها”.

تدرك طالبان أنّها كانت أقوى وهي تقاتل، لكنّها أضعف كثيراً وهي تبني، فالحركة المتطرّفة هي مقاول هدم لا مقاول بناء. ولقد وجدت نفسها أمام مهمّة لا تعرفها، وواجبات لم تستعدّ لها، وتطوّرات دولية لم تعُد تكترث بوجودها.

طالبان التي تقود شعباً يترنّح بين الجوع والفقر، تواجِه الغرق يوماً بعد يوم. ولقد قامت الصين بإلقاء أوّل قوارب النجاة، لكنّ عدّة قوارب لا تكفي، وعلى طالبان أن تتعلّم السباحة.

* كاتب وسياسيّ مصريّ. رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجيّة. عمل مستشاراً للدكتور أحمد زويل الحائز جائزة نوبل في العلوم، ثمّ مستشاراً للرئيس المصري السابق عدلي منصور..

له العديد من المؤلَّفات البارزة في الفكر السياسي، من بينها: الحداثة والسياسة، الجهاد ضدّ الجهاد، معالم بلا طريق، أمّة في خطر، الهندسة السياسية.

عضو مجلس جامعة طنطا، وعضو مجلس كليّة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

إقرأ أيضاً

أميركا “بايدن” ليست أميركا “أيزنهاور”

لماذا جو بايدن ليس قويّاً ولا حاسماً؟ ولماذا بايدن في غزة ليس الجنرال أيزنهاور مع إسرائيل في حرب السويس؟     منصب الرئيس الأميركي هو…

1958، 1967، 2024

يعيش لبنان على خطّ زلزال يشبه الزلزال الذي ضربه بين عامَي 1958 و1975، وهدم الدولة بكامل أركانها وشرّع الكيان على خطر الاندثار. فما يمرّ به…

“لُغة” معراب: إسرائيل “مظلومة”

“سقطة” كبيرة وقعت فيها معراب في بيانها الختامي يوم السبت. قدّمت لغةً لا تصلح لتكون جامعة. بل لغة تقدّم إسرائيل على أنّها “مظلومة”. وتجهّل “الفاعل”…

العراق: “السلطان” التركي.. بمواجهة “الفقيه” الشيعي؟

قد لا يكون من السهل تجاوز الكلام الصادر عن خميس الخنجر، الذي يُعتبر أحد أبرز قيادات المكوّن السُنّي. وهو زعيم “تحالف عزم”. وصاحب “المشروع العربي”….