سباق الحوارات: الراعي يحاور المجتمع الدولي..

سباق الحوارات: الراعي يحاور المجتمع الدولي..

جوزفين ديب - الثلاثاء 15 تشرين الثاني 2022

أصبحت دعوات الحوار الخاصّة بلبنان تُعدّ بالجملة. اعتاد هذا البلد منذ نشوء كيانه الصغير حلّ نزاعاته على طاولات حوار غالباً ما عُقدت في مدن غربية أو عربية، ونادراً ما نجحت طاولات الحوار اللبنانية الداخلية لكثرة ما في هذا البلد من تناقضات وصراعات لم تنظّمها يوماً سوى تقاطعات الدول في لبنان.

كانت طاولة جنيف عام 1983 التي ألغت مفاعيل توقيع اتفاق 17 أيار، ثمّ طاولة لوزان عام 1984 التي كرّست وقف إطلاق النار وعودة الجيش اللبناني إلى ثكناته، ثمّ طاولة الطائف عام 1989 التي أقرّت وثيقة الوفاق الوطني بعد أكثر من 15 عاماً من الحرب الأهلية.

بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري والخروج السوري من لبنان، دعا الرئيس نبيه برّي إلى حوار لبناني وطني في آذار من عام 2006، استمرّ حتى نهاية حزيران وتوقّف بفعل الحرب الإسرائيلية على لبنان.

في المعلومات أنّ البطريرك سيقوم في الأيام المقبلة بجملة من الاتصالات مع السفراء المعنيّين في لبنان للبحث معهم في دعوته هذه، التي لن يتراجع عنها على الرغم من عدم توافر رعاية دولية لها

من حوار سان كلو برعاية فرنسية في تموز 2007 الذي أدخل للمرّة الأولى مفهوم المثالثة إلى النقاش في الصيغة من دون التوصّل إلى أيّ خلاصة، إلى اتفاق الدوحة في أيار 2008 الذي أنتج انتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وأدخل الثلث الضامن على العمل الحكومي، وصولاً إلى حوار بعبدا الذي دعا إليه الرئيس سليمان في عام 2012 وأُقرّ فيه "إعلان بعبدا" ببنوده الإشكالية التي ما تزال تداعياتها السياسية قائمة حتى يومنا هذا.

 

بكركي ليست خائفة على الصيغة

تكرّرت دعوات الصرح البطريركي في السنوات الأخيرة إلى عقد حوار. فبكركي التي احتضنت حواراً مسيحياً مهّد لانتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية عام 2016، تعجز اليوم عن القيام بأيّ حوار، سواء أكان مسيحياً أو وطنياً، فأتت دعواتها الأخيرة يتيمة من أيّ رعاية داخلية سياسية أو خارجية إقليمية أو دولية. غير أنّ بكركي لم تستسلم، بل كرّر بطريركها دعوته إلى عقد مؤتمر دولي للبنان من دون أن ينتج عن ذلك إنضاج إرادة دولية على الرغم من كلّ الكلام السابق عن اهتمام فرنسي فاتيكاني بعقد مؤتمر لحلّ الأزمة السياسية في لبنان.

في عظة الأحد الأخيرة كرّر البطريرك الراعي دعوته إلى عقد مؤتمر دولي خاصّ بلبنان. وإن وضع الراعي مواصفات لرئيس الجمهورية المقبل المطلوب منه عدم الابتعاد عن الملفّات الإشكالية، وأهمّها السلاح والاستراتيجية الدفاعية، غير أنّ توقيت الدعوة هذه، عشيّة العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية، ووسط اختلال موازين القوى الطائفية، يحمل مخاطر جمّة ويفتح الباب الواسع للنقاش في الصيغة اللبنانية، على حساب المسيحيين بطبيعة الحال.

 

الراعي سيجتمع مع السفراء المعنيين

فكيف يُعقَد مؤتمر دولي خاصّ بلبنان، في ظلّ فراغ دستوري غير مسبوق، للنقاش في انتخاب رئيس وحلّ إشكالية السلاح من دون البحث في استمرار جدوى الصيغة الحالية؟ تجيب مصادر مقرّبة من البطريرك على هذا الطرح قائلة إنّ "بكركي ليست خائفة على الصيغة. دولة مركزية أو لامركزية يريدونها، فلا مشكلة، لأنّ لبنان بخصوصيّته هذه لا يمكن لأحد إلغاؤه. قامت فكرة إنشاء لبنان على هذه الصيغة وستبقى كذلك. وكان لكلّ تساؤل جواب وردّ في العظة. الصرح منفتح على الحوار حتى مع حزب الله على  الرغم من كلّ الاختلافات، ولا قفّازات في النقاش في الواقع اللبناني". وفي المعلومات أنّ البطريرك سيقوم في الأيام المقبلة بجملة من الاتصالات مع السفراء المعنيّين في لبنان، للبحث معهم في دعوته هذه، التي لن يتراجع عنها على الرغم من عدم توافر رعاية دولية لها حتى الساعة. ووفق بكركي لا يمكن لأحد أن يطرح مرشّحاً رئاسياً هو بالفعل مرشّح تحدٍّ في ما يفرضونه توافقياً. ولذلك بعد فشل الحوار الداخلي كان لا بدّ للراعي من أن يجدّد دعوته إلى مؤتمر دولي خاصّ بلبنان.

بعد فشل الحوار الداخلي كان لا بدّ للراعي من أن يجدّد دعوته إلى مؤتمر دولي خاصّ بلبنان

حوار برّي بعد فشل حوار السفارة السويسريّة

على الرغم من التأكيدات أنّ الحوار الذي كانت ستنظّمه السفارة السويسرية ثقافيٌّ بعمقه أكثر منه سياسياً، إلّا أنّ ذلك لم يكن مقنعاً بسبب ما انتشر من أنّ اتفاق الطائف كان ضمن بنود الحوار الذي انفجر منتجاً نقاشا جديّاً في البلاد في نهائية الطائف ووجوب تطبيقه. لكنّ بيان نيويورك الثلاثي بعد اجتماع وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية في 22 أيلول من هذا العام والحركة السعودية في لبنان حسما الجدل وعاد الطائف سقفاً لصيغة الحكم في لبنان.

منذ أيام دعا الرئيس برّي إلى حوار وطني. لكنّه تراجع عن دعوته بسبب رفض التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية المشاركة. فهو "لا يريد أن يحاور نفسه". لا بدّ هنا من تسجيل بعض الفوارق الواضحة بين دعوتَيْ برّي في عام 2006 وفي العام الحالي.

عام 2006 جاءت دعوة برّي انعكاساً لصراع إقليمي كبير تمثّل في انقسام لبناني هائل بين فريقَيْ 8 و14 آذار، فكان الحوار في عناوين أكبر من الرئاسة اللبنانية، وانقسم إلى 4 عناوين رئيسية هي المحكمة الدولية، السلاح الفلسطيني، الاستراتيجية الدفاعية والتسوية الرئاسية. استمرّ الحوار اللبناني الذي اصطدم بسلاح حزب الله، وانفجر التصعيد في السابع من أيار، وتبعه تقاطع إقليمي دولي أنتج اتفاق الدوحة.

يومذاك لبّى الجميع دعوة الرئيس برّي علماً ويقيناً أنّ الظروف الإقليمية سانحة للوصول إلى تسوية ورعايتها. أمّا اليوم فالمدعوّون هم أنفسهم، والجهة الداعية نفسها، والأزمة نفسها إلى حدّ بعيد، فلماذا لا تُعقد طاولة الحوار إذاً؟

الإجابة بسيطة كما يقول المطّلعون على حيثيّاتها. تدرك جميع القوى السياسية أنّ هذه اللحظة الإقليمية والدولية ليست ناضجة لرعاية أيّ تسوية في لبنان، وغير مستعدّة لعقد مؤتمر من أجله، وأنّ التقاطعات الأميركية والسعودية تحديداً على الحفاظ على الاستقرار الأمني والسياسي تحت سقف الطائف في لبنان ليست في وارد عقد مؤتمر خاص بلبنان قبل نضوج التسوية في المنطقة على أقلّ تقدير.

 

ضمانة الحوار أم حوار الضمانات؟

قال الرئيس برّي منذ أيام في حديث صحافي، وبعد فشل مبادرته الحوارية، إنّه لن يبقى مكتوف اليدين، وإنّ الفراغ لا يمكن أن يستمرّ كما استمرّ من أجل وصول ميشال عون إلى قصر بعبدا. في هذا السياق، قد يبدو كلام برّي مناقضاً لكلام الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله المتمسّك بحليفه سليمان فرنجية للرئاسة.

إقرأ أيضاً: الراعي يردّ على "السيّد"... ورفض شيعي لـ"المؤتمر الدوليّ"

غير أنّ انسداد الأزمة لا يشير إلى إمكانية إيجاد حلّ داخلي وسط انسداد الحلول الخارجية. وقد تكون دعوة برّي إلى الحوار من أجل انتخاب رئيس مقدّمة لطرح جديد قوامه ما قاله نصرالله نفسه من أنّ المقاومة لا تحتاج إلى حماية ولا إلى غطاء، بل تحتاج إلى رئيس لا يطعنها في الظهر فقط. هل كلام نصرالله كان تصعيداً للحصول على ضمانات بعدم تكرار تجربة إعلان بعبدا؟ تشير أوساط مطّلعة إلى أنّ الثنائي أمام خيارين: إمّا التمسّك بفرنجية والاستمرار بالفراغ مع صمود رفض باسيل. وإمّا الذهاب إلى تسوية تحفظ ظهر المقاومة قد لا يكون قائد الجيش بعيداً عنها في حال استطاع تقديم الضمانات الكافية. ما هي الضمانة المطلوبة؟ هو السؤال الكبير. وعليه، إذا وُجدت فإنّنا سنشهد حينها حواراً ناجحاً يُنتج انتخابات رئاسية أقرب ممّا هو متوقّع. وإذا غابت فإنّنا سنشهد فراغاً أشهراً طويلة.

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: josephinedeeb@