العسكر في بعبدا: اللواء والأميرال

العسكر في بعبدا: اللواء والأميرال

د. فادي الأحمر - الإثنين 14 تشرين الثاني 2022

"أساس" ينشر تباعاً مقالات ومقابلات عن ملفّ رئاسة الجمهورية، بدءًا من مرشّحين "دائمين" لم يحالفهم الحظّ، وصولاً إلى الأسماء المؤهّلة والمرشّحة هذه المرّة، مروراً بالرؤساء الذين حكموا لبنان منذ الاستقلال، وما الذي ميّز عهودهم.

في حلقة اليوم استطراد حول قادة الجيش الأربعة الذين سكنوا قصر بعبدا... وماذا فعل بالبلاد كلّ واحد منهم، من الذين "بنى الدولة" إلى الذي "هدمها". 

وصل أربعة قادة جيش إلى رئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة منذ الاستقلال حتى اليوم. بنى أوّلهم الجيش ثمّ الدولة ومؤسّساتها. ودمّر الأخير الجيش ثمّ الدولة والنظام والمؤسّسات.

تجربتان متناقضتان. بينهما عرف لبنان تجربتين أخريين. يُطرح اليوم اسم قائد الجيش كأحد المرشّحين الجدّيّين للرئاسة.

فمن هم هؤلاء القادة العسكريين؟ كيف كانت تجربة كلّ منهم في الحكم؟ وبماذا تميّز عهد كلّ منهم؟ وهل الظروف الداخليّة والخارجيّة مؤاتية لانتخاب العماد جوزف عون ليكون القائد الخامس في رئاسة الجمهوريّة؟

وصل أربعة قادة جيش إلى رئاسة الجمهوريّة اللبنانيّة منذ الاستقلال حتى اليوم. بنى أوّلهم الجيش ثمّ الدولة ومؤسّساتها. ودمّر الأخير الجيش ثمّ الدولة والنظام والمؤسّسات

عهد بناء الدولة ومؤسّساتها

ما تزال تجربة اللواء فؤاد شهاب في الحكم مرجعاً تُقاس عليها تجارب الرؤساء وكلّ من يتعاطى الشأن العامّ.

فَقَد فؤاد شهاب والده باكراً، فاصطحبته والدته مع أخويه إلى جونيه ليعيش في كنف أخواله من آل حبيش. هناك عمل في سراي جونيه وهو ابن 14 عاماً. في عام 1919 التحق بالجيش الفرنسي الذي أسّس فرقاً للدول التي انتدبها أو استعمرها. وفي عام 1921 التحق بالمدرسة الحربيّة في دمشق وتخرّج منها بعد سنتين برتبة ملازم. راح يتدرّج في الرتب العسكريّة مُظهراً مناقبيّة عسكريّة وشخصيّة قياديّة، فعُيّن قائداً للفرقة اللبنانيّة التابعة لقوات فرنسا الحرّة والتي أصبحت فيما بعد نواة الجيش اللبنانيّ. في الأوّل من آب 1945 عُيّن أوّل قائد للجيش اللبنانيّ، فراح يبنيه على أسس وطنيّة وحديثة.

كان زمن فؤاد شهاب زمن الانقلابات العسكريّة في المنطقة. في عام 1949 بدأت سلسلة الانقلابات في سوريا. وفي مصر قامت ثورة الضبّاط الأحرار (1952) ضدّ الملكيّة، وكرّست عبد الناصر زعيماً وطنياً، ثمّ عربياً. على الرغم من ذلك أبقى شهاب الجيش بعيداً عن السياسة وصراعاتها. رفض طلب بشارة الخوري قمع المعارضة، ورفض أيضاً طلب هذا الأخير قمع "ثورة الـ 58". جعلت هذه المواقف الداخل والخارج يلتقيان على شخصه، فعيّنه بشارة الخوري رئيساً لحكومة انتقالية قبل أن يستقيل، واتّفق عبد الناصر مع الأميركيين عليه رئيساً.

كُتب الكثير عن رئاسة شهاب التي تُختصر بكلمتين: بناء الدولة.

بناها بعيداً عن المحسوبيّات والفساد وعلى أسس علميّة. كلّف بعثة إيرفيد للقيام بالدراسات ووضع الخطط لبناء دولة. وراح اللواء ينفّذها تباعاً. يمكن القول إنّ كلّ ما لدى الدولة اللبنانيّة من مؤسّسات بُنيت في عهد شهاب: الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مصرف لبنان المركزيّ، هيئة التفتيش المركزيّ، مجلس الخدمة المدنيّة، المجلس الوطني للبحوث العلميّة، المشروع الأخضر... كلّها دُمّرت في عهد ميشال عون الذي أوصل البلاد إلى "جهنّم" أحرقت كلّ ما هو أخضر.

أدرك اللواء الأمير أنّ زعماء الطوائف يستغلّون الطائفيّة لإدامة زعاماتهم على حساب الوحدة الوطنية، فسعى إلى بناء دولة يطمئنّ إليها المواطن وتشجّعه على التحرّر من عباءة الزعيم الطائفيّ. لم ينجح! العقليّة اللبنانيّة المريضة بالطائفيّة وبالتبعيّة لزعيم الطائفة، وتجذّر نفوذ هذا الأخير، والشرق الأوسط الدينيّ والطائفيّ، كانت أقوى. على الرغم من ذلك تبقى تجربة شهاب مقياساً لكلّ عهد أتى بعده.

ما تزال تجربة اللواء فؤاد شهاب في الحكم مرجعاً تُقاس عليها تجارب الرؤساء وكلّ من يتعاطى الشأن العامّ

عهد النظام الأمنيّ السوريّ - اللبنانيّ

بعد أربعين عاماً (1998) وصل قائد آخر للجيش إلى رئاسة الجمهوريّة. قبل قيادة الجيش كان إميل لحّود "أميرال" البحريّة فيه. اختاره حافظ الأسد من ضمن حملة التعيينات التي استبدل فيها قدامى معاونيه في سوريا بشخصيّات جديدة تدين بالولاء لابنه ولا تشكّل خطراً على وراثته للجمهوريّة. وأراد أيضاً أن يكافئه على نجاحه في إعادة بناء الجيش "على أسس وطنيّة" بعدما تدرّب ضبّاطه في المدارس الحربيّة السوريّة. كان أوّل عمل قام به بعد انتخابه استبعاد رفيق الحريري عن رئاسة الحكومة. ربّما اعتبر حافظ الأسد أنّ الحريري في لبنان يمكن أن يشكّل خطراً على وراثة ابنه في سوريا.

ادّعى إميل لحود محاربة الفساد حمايةً للدولة ومؤسّساتها، ككلّ عسكري يصل إلى السلطة السياسيّة وقال جملته الشهيرة: "يدُ السارق ستُقطع". ثم تجذّر الفساد الإداري والمالي في عهده.

كانت الترويكا تدير البلاد تحت حكم الوصاية السوريّة. ألغاها لحّود لصالح الجهاز الأمنيّ السوري – اللبنانيّ. أنشأ مكاتب في القصر مهمّتها مراقبة الوزارات والإدارات بحجّة محاربة الفساد، فأصبح صغار الضبّاط يتدخّلون في عمل الوزراء والوزارات.

عرف عام 2000 أحداثاً كان بإمكانها مساعدة إميل لحّود على استعادة بعض السيادة من الوصاية:

1- في تموز من عام 2000 تبوّأ بشار الأسد مقاليد السلطة في سوريا. وبعد أشهر بدأ "ربيع دمشق" مطالباً بإصلاحات في النظام.

2- في أيلول من العام ذاته أطلق البطريرك المارونيّ مار نصر الله بطرس صفير نداء المطارنة الشهير الذي طالب بانسحاب الجيش السوري.

3- أعلن وليد جنبلاط بداية إعادة تموضعه سياسياً في مواجهة الوصاية السوريّة.

أصرّ إميل لحود على أن يبقى تابعاً لمن اختاره رئيساً، فمُدّد له بعد أربع سنوات على الرغم من معارضة الداخل والخارج. كان ذاك التمديد بداية تحوُّل دوليّ استراتيجي في التعامل مع لبنان والوصاية السوريّة عليه انطلاقاً من القرار 1559.

بعد اغتيال رفيق الحريري قامت "ثورة الأرز". خرج النظام السوري عسكرياً من لبنان، لكنّه بقي سياسياً من خلال حزب الله الذي رعى نشأته وتسلّحه ومن خلال أزلامه وفي مقدَّمهم إميل لحود. قامت ضدّ هذا الأخير حملة "فلّ". فاحتمى برفض البطريرك الماروني نصرالله صفير إسقاط الرئيس في الشارع، مدعوماً برفض مصري لإطاحة رئيس عربيّ في الشارع.

إقرأ أيضاً: من "سليمان الجدّ" إلى "سليمان الحفيد"

تمسّك بالكرسيّ حتى آخر دقيقة من عهده، مصرّاً على تبعيّته لسوريا ولحزب الله، الأمر الذي ساعد هذا الأخير على الانقلاب على الشرعيّة المتمثّلة في الأكثريّة النيابيّة والحكومة المنبثقة عنها، وعلى تعطيل الحياة السياسيّة.

كان أوّل الغيث تعطيل انتخاب رئيس للجمهوريّة بعد نهاية ولاية إميل لحود. حصل ذلك بالتفاهم والتكافل والتضامن مع قائد سابق للجيش يسعى إلى الرئاسة بأيّ ثمن، ونعني به ميشال عون. لكنّ الرياح لم تجرِ كما اشتهى هذا الأخير. إذ انتُخب قائد آخر للجيش هو ميشال سليمان بعد اجتياح حزب الله العسكريّ لبيروت في 7 أيار 2008.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية

لمتابعة الكاتب على تويتر: [email protected]