خيرسون هزيمة لبوتين... ولحلفه مع إيران

خيرسون هزيمة لبوتين... ولحلفه مع إيران

خيرالله خيرالله - الأحد 13 تشرين الثاني 2022

ليست الهزيمة الروسيّة الجديدة في أوكرانيا، وهي هزيمة تتمثّل في الانسحاب من مدينة خيرسون الاستراتيجية، هزيمة شخصيّة لفلاديمير بوتين فحسب، بل هي أيضاً هزيمة للمحور الإيراني - الروسي. ما كان خافياً على بعض الذين كانوا يميّزون بين النظامين في روسيا وإيران، صار واضحاً كلّ الوضوح في ضوء استعانة بوتين بالمسيّرات الإيرانية كي يكمل حربه في أوكرانيا، وهي حرب لا مبرّر لها أصلاً.

بعد تسعة أشهر من بداية الحملة العسكريّة التي شنّها فلاديمير بوتين على أوكرانيا، يبدو المستقبل السياسي للرئيس الروسي مطروحاً أكثر من أيّ وقت. يتبيّن أنّ حسابات الضابط السابق في جهاز الاستخبارات السوفييتيّة (كي.جي.بي) الذي يتولّى إدارة أمور بلده منذ أصبح رئيساً للوزراء في عام 1999، لم تكن من النوع الدقيق. لم يتابع حربه على أوكرانيا فقط. قرّر متابعة الهروب إلى أمام مرتمياً في الحضن الإيراني.

يعود فشل روسيا في أوكرانيا إلى عوامل عدّة. في مقدَّم هذه العوامل صمود الأوكرانيين المتمسّكين، في معظمهم، بهويّتهم الوطنيّة من جهة، وتميّز كنيستهم الأرثوذكسية عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسيّة من جهة أخرى.

للمرّة الأولى منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية، تفكّر ألمانيا في إعادة بناء قوّتها العسكرية، وهي خصّصت مئة مليار يورو لتحقيق هذا الهدف في ضوء السياسة البوتينيّة وما تثيره من مخاوف

صحيح أنّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يهوديّ، لكنّ الصحيح أيضاً أن لا عيب من أيّ نوع في ذلك. أكثر من ذلك، تدلّ يهوديّة زيلينسكي، الممثّل الكوميدي السابق، على الوجه الحضاري لأوكرانيا ومجتمعها ومدى بعدها عن تهمة "النازيّة" التي سعى بوتين والمحيطون به إلى إلحاقها بها.

ثمّة عوامل أخرى جعلت حسابات الرئيس الروسي في غير محلّها. لعلّ من بين أهمّ هذه العوامل ردّ الفعل الأوروبي والدولي على التصعيد الروسي في أوكرانيا. إنّ التصعيد، الذي لجأت إليه موسكو من خلال الإعلان عن وضع الترسانة النووية الروسيّة في حال تأهّب، أرعب أوروبا عن بكرة أبيها.

لكن يبقى الأهمّ من ذلك كلّه أنّ هناك استنفاراً ألمانيّاً في وجه روسيا وبوتين. قد يكون الخطأ الألماني من بين أكبر الأخطاء التي ارتكبها بوتين بعدما اعتقد أنّ دولة مثل ألمانيا لا يمكن أن تذهب بعيداً في التصدّي لروسيا. ظنّ الرئيس الروسي أنّ اعتماد ألمانيا، اعتماداً كبيراً على الغاز الروسي، سيجعلها تتّخذ موقفاً متردّداً من غزوة أوكرانيا. لم يحدث شيء من ذلك، بل تبدو ألمانيا في الوقت الحاضر مستنفرة إلى أبعد حدود.

للمرّة الأولى منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية، تفكّر ألمانيا في إعادة بناء قوّتها العسكرية، وهي خصّصت مئة مليار يورو لتحقيق هذا الهدف في ضوء السياسة البوتينيّة وما تثيره من مخاوف.

عزلت روسيا نفسها عن العالم، ولا شكّ أيضاً أنّ التقرّب من الصين لم يكن رهاناً رابحاً نظراً إلى أنّ لدى بكين حسابات خاصّة بها. ستستفيد الصين إلى حدّ كبير من أيّ ضعف روسي، خصوصاً أنّ لديها حدوداً مشتركة طويلة مع الدولة الجارة. لديها "مصلحة في تعرّض الاقتصاد الروسي لهزّة قويّة كي يزداد اعتماده على الصين"، حسب تعبير خبير قديم في الشؤون الروسية، عرف الاتحاد السوفييتي عن قرب وعاش فترة ما بعد انهياره.

الرئيس الروسي، الذي يعتقد أنّ لديه القدرة على التعايش مع العقوبات التي فُرضت على روسيا، سيجد نفسه مضطرّاً إلى البحث عن صيغة لتسوية ما، على غرار ما فعل الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف في عام 1962

توجد حاجة إلى معرفة هل فلاديمير بوتين ما يزال في استطاعته التراجع والبحث عن تسوية كان في استطاعته الوصول إليها بمجرّد حشد قوات على طول حدود روسيا مع أوكرانيا. مثل هذا التراجع أكثر من ضروري في ضوء المخاطر التي يعيش في ظلّها العالم. بدل التراجع، ذهب بوتين إلى الاستعانة بإيران كاشفاً المزيد من نقاط الضعف الروسيّة. في مقدَّم هذه النقاط عدم الحماسة لدى الشعب لخوض حروب خارج حدود بلده، وتخلّف السلاح الروسي، إضافة، في طبيعة الحال، إلى أنّ الجيش الروسي ليس مهيّأً لمواجهة جيش يمتلك حدّاً أدنى من التنظيم والأسلحة الغربيّة الحديثة.

لم يترك فلاديمير بوتين أمامه سوى خيار التصعيد في وقت ترغب الولايات المتحدة في تحدّيه، خصوصاً أنّ بعض مطالب بوتين تبدو من النوع غير الواقعي وتتجاوز أوكرانيا. بكلام أوضح، أثبت فلاديمير بوتين، عبر كلّ ما قام به، بما في ذلك مشاركته منذ عام 2015 في الحرب على الشعب السوري، قبل عدوانه على أوكرانيا، أنّه شخص خطير جدّاً. لا حدود للتصعيد الذي يمكن أن يذهب إليه الرئيس الروسي، خصوصاً بعد قصفه العشوائي لمدن أوكرانية وتسبّبه بتهجير مليونَيْ مواطن أوكراني في أقلّ تقدير...

الأكيد أنّ الرئيس الروسي، الذي يعتقد أنّ لديه القدرة على التعايش مع العقوبات التي فُرضت على روسيا، سيجد نفسه مضطرّاً إلى البحث عن صيغة لتسوية ما، على غرار ما فعل الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف في عام 1962 الذي تورّط في أزمة الصواريخ التي سعى إلى إرسالها إلى كوبا. مَن يجد مثل هذه الصيغة لفلاديمير بوتين الذي يتبيّن يوماً بعد يوم أنّه أسير عِقَد كثيرة؟ يعود معظم هذه العِقَد إلى أنّ الرئيس الروسي لا يعرف العالم ولا يعرف معنى غزو دولة أوروبيّة وأبعاد قرار في غاية الخطورة في مستوى الهجوم على أوكرانيا بالذات.

هل مَن يريد توفير صيغة تنقذ ماء الوجه لبوتين؟ لا يبدو ذلك وارداً. ما يبدو وارداً، في غياب آليّة لإزاحته من موقع الرئاسة، كما كان يحدث في الاتحاد السوفييتي حيث كان المكتب السياسي للحزب الشيوعي الحاكم يحاسب، متابعة التصعيد. سيتّكل بوتين أكثر فأكثر على إيران التي فشلت مسيّراتها في إنقاذه والتي يعاني النظام فيها من أزمة داخليّة عميقة. لا يغطّي على هذه الأزمة، وإن مؤقّتاً، غير النقاط التي تسجّلها "الجمهوريّة الإسلاميّة" في بلد اسمه العراق استطاعت أن تنفّذ فيه انقلاباً حقيقياً صبّ في مصلحة ميليشياتها المذهبيّة ومشروعها التوسّعي.

إقرأ أيضاً: من نزهة لبوتين... إلى كابوس للعالم

عاجلاً أم آجلاً، لن يقتصر الأمر على مصير فلاديمير بوتين ومصير حلفه مع إيران. ما سيُطرح في ضوء هزيمة خيرسون مستقبل روسيا والفضاء الروسي الذي يشمل دولاً عدّة خرجت من الاتحاد السوفييتي لكنّها ما زالت تتأثّر به. لن يكون مستقبل بوتين على المحكّ بمقدار ما سيكون مستقبل روسيا ودورها في هذا العالم أيضاً...