اتّفاق الطائف: خريطة طريق للإصلاح في لبنان

اتّفاق الطائف: خريطة طريق للإصلاح في لبنان

خليل الحسين - الخميس 03 تشرين الثاني 2022

نجحت إحدى السرديّات الخاطئة في أدبيّات السياسة اللبنانية في فرض التباس على دور اتفاق الطائف، وحملت ادّعاء أنّ اتفاق الطائف كرّس مبدأ غلبة المسلمين على المسيحيين، لناحية توزيعه صلاحيّات الرئاسات الثلاث.

اتّكأت بعض القوى الطائفية على هذه السردية وبَنَت عليها مظلوميّة سياسية كان هدفها ضمان ديمومتها من خلال استخدامها سلاحاً في مواجهة "الآخر" مهما تبدّل اسمه أو حجمه.

 

صناعة سورية؟

صوّرت هذه السردية اتفاق الطائف على أنّه أحد مخرجات السلام السوري الذي فُرض على لبنان وأعلن عنه صبيحة 13 تشرين الأول من العام 1990.

في البداية، فإنّ مبدأ وجود "غالب ومغلوب" يتناقض بشكل كبير مع روحيّة الميثاق الوطني الذي وضع أسس الحكم في لبنان عام 1943. هنا يمكن اعتبار اعتداء مجموعات مؤيّدة للرئيس العماد ميشال عون على البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله بطرس صفير يوم انتخاب الرئيس الشهيد رينيه معوّض في 5 تشرين الثاني من العام 1989 أحد مظاهر التعبير عن هذه السرديّة.

من خلال قراءة وثيقة الوفاق الوطني بتمعّن يمكن الوصول إلى خلاصة تفيد بأنّ أعضاء المجلس النيابي الذي انتخب عام 1972، ومدد له طوال عشرين عاماً

لكن من الظلم النظر بمنظار ضيّق جدّاً إلى وثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في مدينة الطائف بدعم من المملكة العربية السعودية وتأييد من الدول العربية والغربية، باعتبارها خطوة تصحيحية للميثاق الوطني. وهو الاتفاق غير المكتوب بين الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح. على العكس، فقد ارتكزت وثيقة الوفاق الوطني على مبدأ أن "لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

وُجِّهت إلى اتفاق الطائف أيضاً انتقادات من نوع آخر اعتبرت أنّه أداة استعملها النظام السوري لفرض سطوة القوى الطائفية والسياسية التي انضوت تحت مظلّته على القوى الطائفية والسياسية التي واجهت هذه المظلّة.

 

إصلاحات ضرورية

لكن من خلال قراءة وثيقة الوفاق الوطني بتمعّن يمكن الوصول إلى خلاصة تفيد بأنّ أعضاء المجلس النيابي الذي انتخب عام 1972، ومدد له طوال عشرين عاماً، ناقشوا في مدينة الطائف السعودية أموراً أوسع من مسألة إعلان نهاية الحرب الأهلية أو مسألة سحب الجيش السوري من لبنان. فقد ناقشوا وأقرّوا عناوين إصلاحية عدة كانت أخذت حيّزاً كبيراً من النقاش والحوار على مدار سنوات، من بينها إنشاء مجلس شيوخ ومجلس دستوري ومجلس اقتصادي واجتماعي للتنمية، وإقرار لامركزية إدارية، وإجراء انتخابات نيابية على أساس وطني لاطائفي...

ارتكز منطق ومنهجية صياغة وثيقة الوفاق الوطني على جدول زمني مقسّم إلى مرحلتين:

- مرحلة مؤقّتة يتمّ في خلالها تكريس التوازن بين المجموعات الطائفية من جهة، وبينها وبين الدولة من جهة أخرى.

- مرحلة دائمة يتمّ في خلالها تنظيم العلاقة بين المواطنين والدولة بشكل مباشر بعيداً عن وساطة العلاقات الطائفية التي تنتج في معظم الأحوال علاقات زبائنية عائلية أو سياسية أو طائفية.

يعتمد الانتقال من المرحلة المؤقّتة إلى المرحلة الدائمة بشكل أساسي على إلغاء الطائفية السياسية. فقد ورد في وثيقة الوفاق الوطني أنّ "إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية" تبدأ بتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية. وانسجاماً مع هدف إلغاء الطائفية السياسية، أقرّ اتفاق الطائف "إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامّة والقضاء والمؤسّسات العسكرية والأمنية والمؤسّسات العامّة والمختلطة والمصالح المستقلّة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني، باستثناء وظائف الفئة الأولى وما يعادلها، وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين بلا تخصيص أيّة وظيفة لأيّة طائفة".

الطائف معكوساً

اليوم، وعلى الرغم من مرور 33 عاماً على اتفاق الطائف، ومن مرور 17 عاماً على انسحاب الجيش السوري  من لبنان، لم يتمّ تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. ولم يتمّ إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي للوظائف في لبنان. بل على العكس مارست جميع القوى السياسية، التي تجاهر باستمرار بتأييدها لهذا الاتفاق، والقوى المعارضة له، أبشع أنواع المحاصصة الطائفية في الوظائف العامّة، وكرّست تخصيص الوظائف للأحزاب والقوى السياسية الطائفية، ومارسته على جميع الفئات الإدارية من أعلى الهرم الوظيفي إلى أدناه.

أقرّ اتفاق الطائف استحداث مؤسّسات دستورية جديدة، ومن بينها المجلس الدستوري ومجلس الشيوخ. وأنيط بالمجلس الدستوري "تفسير الدستور ومراقبة دستوريّة القوانين وبتّ النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية". لم يتمّ الالتزام الكامل بالهدف من إنشاء مجلس دستوري. فالتعديل الدستوري الذي تمّ إقراره في أيلول من العام 1990 لم يخوّل المجلس الدستوري تفسير الدستور مثلما كان المبتغى في اجتماعات مدينة الطائف السعودية.

اليوم يندلع الخلاف على تفسير موادّ الدستور. وهذه إحدى أدوات الصراع السياسي في لبنان. وقد أصبح لكلّ فريق سياسي أو طائفي مجتهد دستوري أو أكثر يفسّرون موادّ الدستور غبّ الطلب. مثل حال النقاش الحاصل اليوم في انتقال صلاحية رئيس الجمهورية إلى حكومة مستقيلة، وما حصل في السابق من اختلاف على تفسير المادة 49 من الدستور المتعلّقة بآليّة انتخاب رئيس الجمهورية.

إحدى المؤسّسات الدستورية الأخرى التي تمّ إقرارها في اتفاق الطائف وتضمّنتها التعديلات الدستورية هي مجلس الشيوخ. فقد نصّت المادّة 22 من الدستور اللبناني على أنّه "مع انتخاب أوّل مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحيّاته في القضايا المصيرية".

كان الهدف الأساسي من استحداث هذا المجلس هو صون الحريّات العامّة ومعالجة هواجس الأفراد والمجموعات الطائفية في لبنان، إضافة إلى تكريس ميثاق العيش المشترك. أمّا الهدف الآخر من إنشاء هذا المجلس فهو تحرير السلطتين التشريعية والتنفيذية من هواجس الميثاقية وعوارضها وتداعياتها على انتظام عمل هاتين المؤسّستين. فقد نقل اتفاق الطائف النقاش في هواجس المجموعات الطائفية إلى مجلس الشيوخ، وذلك من أجل تعزيز إنتاجية وفاعلية السلطتين التنفيذية والتشريعية تسهيلاً لشؤون المواطنين ولإقرار سياسات تساهم في تطوير الخدمات والبنية التحتية.

للأسف تحت عنوان الحفاظ على الميثاقية تمّ تعطيل المؤسّسات الدستورية ودخل لبنان زمن تصريف الأعمال، وتمّ شلّ الإدارات، وأصبح من المستحيل إقرار وتنفيذ سياسات عامّة ووقف انهيار البنية التحتية والخدمات.

لم تحترم السلطات المتعاقبة، وخصوصاً مع انتهاء زمن الوصاية السورية على لبنان، ما ورد في اتفاق الطائف من ناحية عدد أعضاء مجلس النواب أو لناحية إعادة النظر في التقسيم الإداري

اللامركزية والشفافية

أَوْلى اتفاق الطائف اللامركزية الإدارية عناية خاصّة، وذلك نظراً إلى أهمّيتها في خدمة المواطنين وفي تلبية احتياجاتهم. وقد تمّ الاتفاق على اعتماد "اللامركزية الإدارية الموسّعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى (القضاء وما دون) عن طريق الانتخاب".

تساهم اللامركزية الإدارية بشكل أساسي في تعزيز المشاركة السياسية والمساءلة وضمان التمثيل الصحيح على الصعيد المحلّي. ومن شأنها زيادة الشفافية في صنع القرار وتحسين نوعية الخدمات العامّة.

 

في حديثه عن اللامركزية الإدارية، انطلق اتفاق الطائف من المرتكزات التالية:

- "أرض لبنان واحدة لكلّ اللبنانيين. فلكلّ لبناني الحقّ في الإقامة على أيّ جزء منها والتمتّع به في ظلّ سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أيّ انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم لا توطين"."الدولة اللبنانية دولة واحدة موحّدة ذات سلطة مركزية قوية".

- "إعادة النظر في التقسيم الإداري بما يؤمّن الانصهار الوطني ويضمن الحفاظ على العيش المشترك ووحدة الأرض والشعب والمؤسسات".

- "اعتماد خطة إنمائية موحّدة شاملة للبلاد قادرة على تطوير المناطق اللبنانية وتنميتها اقتصادياً واجتماعياً وتعزيز موارد البلديّات والبلديّات الموحّدة والاتحادات البلديّة بالإمكانات المالية اللازمة".

تحتاج اللامركزية الإدارية الموسّعة سلطاتٍ وإداراتٍ مركزية قوية تساهم في وضع قوانين واستراتيجيات قطاعية وتراقب عمل السلطات المحليّة وتخفّف بشكل أساسي من جنوح بعض اللبنانيين نحو التفرّد أو التميّز. وها نحن نشهد اليوم على خطاب فدرالي عنوانه التمييز بين اللبنانيين. وقد قامت بلديات عديدة باتخاذ قرارات غير دستورية تمنع بيع وشراء العقارات بناء على الهويّة، وتتمّ التفرقة بين شخص مقيم وآخر نفوسه مسجّلة في النطاق البلدي على الرغم من التكليف الدائم للمقيمين بدفع الرسوم البلدية.

 

الإصلاح الانتخابي

أخيراً لا يمكن الحديث عن الإصلاحات التي وردت في وثيقة الوفاق الوطني من دون المرور على إصلاح قانون الانتخابات النيابية. فالمجلس النيابي الذي شارك أعضاؤه الأحياء في اجتماعات مدينة الطائف تمّ انتخابه على أساس قانون الانتخابات الذي صدر عام 1960، والذي أُجرِيت على أساسه أربع دورات انتخابية في عام 1960 و1964 و1968 و1972.

أقرّت وثيقة الوفاق الوطني زيادة عدد أعضاء المجلس النيابي من 99 إلى 108 نواب مناصفة بين المسيحيين والمسلمين على أن تجري الانتخابات النيابية "وفقاً لقانون انتخاب جديد على أساس المحافظة يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وتؤمّن صحّة التمثيل السياسي لشتّى فئات الشعب وأجياله وفعّالية ذلك التمثيل، بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسّسات".

إقرأ أيضاً: حارث سليمان: خروج عون ينهي الانقلاب على الطائف؟

للأسف، لم تحترم السلطات المتعاقبة، وخصوصاً مع انتهاء زمن الوصاية السورية على لبنان، ما ورد في اتفاق الطائف من ناحية عدد أعضاء مجلس النواب أو لناحية إعادة النظر في التقسيم الإداري. فإذا كان هدف زيادة عدد أعضاء المجلس النيابي في العام 1992 من 108 إلى 128 هو تعزيز هيمنة النظام السوري ومأسسة طبقة سياسية جديدة تدين بالولاء المطلق لهذا النظام وليس تعزيز التمثيل وتحسينه، فإنّ جميع النقاشات المتعلّقة بتعديل قانون الانتخاب في مرحلة ما بعد انسحاب الجيش السوري بدءاً من لجنة الوزير الراحل فؤاد بطرس في العام 2005، مروراً بمشروع القانون الأرثوذوكسي، وانتهاء بقانون الانتخاب الحالي الذي تمّ إقراره في العام 2017، لم تتطرّق إلى هذا التشويه المستمرّ لصحّة التمثيل من خلال رفع عدد أعضاء مجلس النواب في العام 1992 من 108 إلى 128 نائباً. وهذا يخالف معظم ما ورد من مبادئ وأهداف في اتفاق الطائف، مثل تأمين صحّة التمثيل وتعزيز العيش المشترك وصون وحدة الأرض والشعب والمؤسّسات.

وها نحن اليوم ندفع ثمن نتائج انتخابات نيابية مبنيّة بشكل أساسي على فرضيّات ومعادلات حسابية تفرزها برامج معلوماتية.