حارث سليمان: خروج عون ينهي الانقلاب على الطائف؟

حارث سليمان: خروج عون ينهي الانقلاب على الطائف؟

سامر زريق - الأربعاء 02 تشرين الثاني 2022

لاتّفاق الطائف حرّاس أمناء عليه. وعلى الرغم من اختلافهم سياسياً، يجمعهم إدراكهم أنّه الناظم الأمثل للحياة السياسية بين الجماعات اللبنانية والأفراد، وأنّ تمزيقه أقصر طريق لاغتيال لبنان.

يحرص حرّاس الطائف على الدفاع عنه في مواجهة حروب الإلغاء التي شُنّت ضدّه، وتحديداً في السنوات الستّ الأخيرة، حرصهم على شرح وتفصيل المميّزات الهائلة في متنه، والتي لا يعرفها قسم وازن من اللبنانيين، بسبب التطبيق الأعرج لبعض من بنوده، والتجهيل وكيّ الوعي الممنهجَيْن لتكوين رأي عامّ مؤيّد الخلاص منه.

الباحث السياسي الدكتور حارث سليمان واحد من "حرّاس الطائف"، يرأس تحرير دوريّة "مرصد الطائف" الذي أُنشئ أخيراً ليكون مركز دراسات ونشر وتوثيق، ومنبراً حواريّاً يُعنى بممارسة الرقابة الموضوعية على الحياة السياسية والمؤسّسات الدستورية والسلطات العامّة، وقياس أدائها وفق معايير اتّفاق الطائف والدستور اللبناني الذي انبثق عنه.

في الذكرى الـ33 لإقرار اتفاق الطائف كان لـ"أساس" هذا الحوار مع الدكتور سليمان:

العلاقات السياسية والتوازنات الوطنية عند توقيع أيّ اتفاق وطني بين الأفرقاء السياسيّين، تفرض أنْ يكون ملزِماً للجميع، لا أنْ نطبّقه عندما نريد أو عندما يكون لدينا مصلحة في ذلك، ونمتنع عن تطبيقه ونتراجع عنه عندما لا نريد

هل انتهت صلاحيّة الطائف؟

يرى سليمان أنّ "الكثير من الساسة اللبنانيّين ينطلقون في مقاربتهم اتّفاق الطائف من مواقع خاطئة. فالبعض يقول إنّه كان اتّفاق الضرورة لإنهاء الحرب. ما يعني أنّه كان مجرّد "هدنة" أو "وقف لإطلاق النار". وهذا خطأ جسيم. والبعض الآخر يرى أنّه يجب التراجع عنه من أجل صلاحيّات أكثر لرئاسة الجمهورية، أو حصّة أكبر من النظام السياسي والسلطة للمسيحيّين، وهذا خطأ آخر".

هذا من جهة الذين يعارضونه أو لديهم تحفّظات عليه. أمّا من جهة الذين يؤيّدونه، فيرى سليمان أن "الخطأ الأكبر هو اعتبار الطائف قضيّة سنّيّة. أضف إلى ذلك أنّ ثمّة خطأ شامل، وهو التطبيق الاستنسابي والمزاجي للاتّفاق، كأنّه قيد التوقيع، أو أنّه لم يمرّ على إبرامه سوى أشهر معدودة ونريد أن ننظر في كيفيّة تطبيقه.

فالعلاقات السياسية والتوازنات الوطنية عند توقيع أيّ اتفاق وطني بين الأفرقاء السياسيّين، تفرض أنْ يكون ملزِماً للجميع، لا أنْ نطبّقه عندما نريد أو عندما يكون لدينا مصلحة في ذلك، ونمتنع عن تطبيقه ونتراجع عنه عندما لا نريد. التصرّف بهذه الطريقة يلغي لزوم اتّفاق آخر، لأنّ من ينكث بتوقيعه يصبح طرفاً لا تصحّ الشراكة معه. وهذه حال التيّار العوني، وكذلك "جماعة الفدرالية" الذين يقولون إنّنا وقّعنا على الاتّفاق، لكنّنا اليوم تراجعنا عن توقيعنا: "هلّق بطّلنا". وهذا يعني أنّهم غير أهل للثقة ولا للشراكة، ولا لزوم للحوار معهم. وأيّ اتّفاق جديد سيتمّ إبرامه سيقومون بالتعامل معه بالطريقة عينها. الطائف هو الدستور، وبالتالي هو ملزِم للجميع".

ما أهميّة الطائف؟

يعتبر سليمان أنّ "أهمّيّته لا تنبع فقط من كونه أنهى الحرب الأهلية، بل وعالج توازن السلطة بين المسلمين والمسيحيين. فهو نقل السلطة الإجرائية من رئيس الجمهورية، الذي كان يمتلكها منفرداً في الدستور القديم، لا إلى رئيس الوزراء، بل إلى الحكومة مجتمعة.

"سابقاً، كان الرئيس يعيِّن الوزراء ورئيس الحكومة والموظّفين العامّين. يجوز هذا الأمر في نظام رئاسي لا برلماني. وحتى مع صلاحيّات كهذه في النظام الرئاسي، يجب وضع أطر وآليّات لمراقبة الرئيس ومحاسبته، في حين أنّ مادّة في الدستور القديم كانت تنصّ على أنّ رئيس الجمهورية في ممارسته صلاحيّاته لا تبعة عليه، بما يعني أنّه لم يكن ملكاً مستبدّاً بل إمبراطوراً.

بيد أنّ هذه الصلاحيّات لم يمارسها رؤساء الجمهورية المتعاقبون إلّا مرّات محدودة جدّاً. لذلك أتى اتّفاق الطائف ليقدّم نصّاً ينطبق على الواقع القائم. ومعه أصبحت السلطة لدى الأكثرية النيابية. فهي التي تسمّي رئيس الوزراء، وتقرّر شكل الحكومة الملزَمة بالمثول أمام البرلمان للحصول على ثقته، وإلّا تصبح حكومة تصريف أعمال. لذلك فمحاولة القول إنّ رئيس الجمهورية شريك في تأليف الحكومة مبالغة غير دستورية. لو كان شريكاً لوجب عليه أيضاً المثول أمام البرلمان وطلب ثقته. ما يفعله ميشال عون هو التعدّي على الدستور وعلى روح النص".

لاتّفاق الطائف حرّاس أمناء عليه. وعلى الرغم من اختلافهم سياسياً، يجمعهم إدراكهم أنّه الناظم الأمثل للحياة السياسية بين الجماعات اللبنانية والأفراد، وأنّ تمزيقه أقصر طريق لاغتيال لبنان

تعديلات تداوي حماقات عون!

يشير سليمان إلى ما "ورد في مقدّمة الدستور بعد الطائف: "لا شرعية لسلطة تناقض مبدأ العيش المشترك". السبب الأساسي في وضعها هو حكومة ميشال عون العسكرية التي تشكّلت بقرار قانوني من الرئيس أمين الجميّل، وكانت تضمّ ستّة ضبّاط مناصفة بين المسلمين والمسيحيّين".

لكنّها عقب تشكيلها فقدت مباشرة نصابها القانوني (النصف زائداً واحداً) باستقالة المسلمين، وأصبحت حكومة مسيحية فقط، وبالتالي لم تعد تراعي مبدأ العيش المشترك. ولا تستطيع الحكومة ممارسة صلاحيّاتها إلّا بعد نيلها الثقة، وأمّا عون فقد أعلن الحرب على الجيش السوري ولم يذهب مرّة إلى مجلس النواب.

وكان في الدستور القديم "مهلة إسقاط" تبلغ شهراً يجب على الحكومة خلاله إنجاز بيانها الوزاري وعرضه على المجلس النيابي وإلا سقطت. الأسوأ من ذلك أنّ حكومة عون العسكرية تشكّلت بمهمّة محدّدة، وهي تأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية، فماذا فعل عون؟ قام بحلّ البرلمان الذي سينتخب الرئيس!

"كلّ هذه الحماقات قام بها ميشال عون بحكومة من دون ثقة. وما فعله تسبّب في وضع مادّة تفرض على قائد الجيش وكلّ موظّفي الدولة من الفئة الأولى التقدّم باستقالتهم قبل سنتين من موعد الاستحقاق الرئاسي في حال أراد أيّ منهم الترشّح، وذلك لكبح جماح أيّ قائد للجيش إلى كرسي الرئاسة.

هذه المادّة جرى انتهاكها على يد السوريّين من أجل إميل لحود. وعندما يتمّ تعديل الدستور لأجل شخص واحد فهذا عيب دستوري، لأنّ الدساتير تُعدَّل من أجل قضايا عامّة لا من أجل أشخاص".

إشكاليّة الطائف والدولة المدنيّة؟

يفنّد سليمان خارطة طريق الطائف نحو الدولة المدنية. فهو "أقرّ إلغاء الطائفية بشكل مرحلي ومتدرّج. أوّلاً الإدارية، أي طائفية الوظيفة، ثمّ السياسية، أي توزيع الرئاسات الثلاث والنوّاب ووظائف الفئة الأولى، وأخيراً المجتمعية، أي الطائفية في النفوس والثقافة والفكر والأحوال الشخصية.

تمّ الشروع فوراً بإلغاء "طائفية الوظيفة"، وبدأ التطبيق منذ عام 1992 واستمرّ لغاية عام 2008 تقريباً. يظهر ذلك في امتحانات مجلس الخدمة المدنية، ومباريات القضاة والسلك الدبلوماسي، والتطوّع في الجيش والقوى الأمنيّة، التي اعتمدت جميعها على الكفاءة والخبرة والتفوّق.

الحزب هو جهة محترفة تقابلها مجموعة من الهواة. فهو يعرف كيف يبني ويجنّد ويراكم النفوذ على المدى البعيد

كان دافع المسيحيين إلى القبول بهذه المادّة هو اعتقادهم بتفوّق النظام التربوي لديهم على الذي لدى المسلمين، وهو ما جعلهم يظنّون أنّهم سيحصلون في المباريات على النصف وأكثر، لكنّهم فوجئوا بتطوّر المستوى التعليمي لدى المسلمين، وحصولهم على المراكز الأولى.

عندما أتى عون أراد التراجع عن إلغاء "طائفية الوظيفة"، لذلك رفع شعار "حقوق المسيحيّين"، وسايره زعماء المسلمين بعد اغتيال الحريري لأنّهم ما كانوا يريدون خروج المسيحيّين من الدولة، وهكذا تمّ التراجع عن أوّل بند إصلاحي في الطائف.

بيد أنّ نسبة المسيحيين في الجيل الذي يريد دخول سوق العمل لا تتعدّى 27 في المئة، أي مقابل كلّ مسيحي هناك ثلاثة مسلمين. وما فعله عون هو منح الربع حصّة النصف، وهذا نظام تمييز عنصري (أبارتهايد). وهذا الربع أصلاً منفتح على القطاع الخاص الذي يهيمن المسيحيون على أغلبيّته. الأمر الذي يفسّر سبب عدم تقدّم الكثير منهم للوظائف العامّة. عمليّاً نسبة المسيحيّين الذين تقدّموا لوظائف الدولة لم تتخطَّ 15 في المئة، أي مقابل كلّ 8 مسلمين تقدّموا للوظيفة كان هناك مسيحيّ واحد.

البند الثاني وهو إلغاء الطائفية السياسية عبر إقامة نظام المجلسَيْن: مجلس نوّاب خارج القيد الطائفي، ومجلس شيوخ طائفي. وهذا البند صار يستعمله زعماء المسلمين "فزّاعةً" للمسيحيّين، خاصّة إبّان الوجود السوري.

البند الثالث إلغاء الطائفية من النفوس، فلا يكفي مجلس نوّاب خارج القيد الطائفي، بل يجب على المواطن العادي أنْ تكون تربيته وثقافته غير طائفيّتين. وكان تطبيق الاتّفاق يُفترض أنْ يمرّ بمرحلتين:

- الأولى تطمين الجماعات عبر دمج الميليشيات بالدولة.

- والثانية إقامة حقوق وواجبات الأفراد والذهاب الى "دولة المواطنة"، أي "الدولة المدنية".

ما حصل هو أنّ السياسيّين أرادوا تطبيق البند الأول فقط، فدُمجت الميليشيات بالدولة واستولت على كلّ مرافقها. الأمر الذي أدّى إلى تورّم الإدارة التي أصبحت أقلّ إنتاجية وكفاءة وأكثر كلفة، وتكرّست المحاصصة الطائفية بقسوة أكثر من ذي قبل حتّى داخل القطاع الخاصّ من خلال السياسيّين أنفسهم".

حزب الله والعشاء السويسريّ؟

يقول الدكتور سليمان إنّ "حزب الله غير مهتمّ بالطائف أو أيّ اتّفاق آخر. فهو يعمل على مسألتين: أن يكون لديه الفيتو داخل النظام، أي القدرة على التعطيل لمنع تمرير أيّ قرار لا يريده، وهذا الحدّ الأدنى. أمّا الحدّ الأعلى فهو أنْ يتحكّم بالقرار الأساسي للبلاد. وهذا ما يعمل عليه الحزب ليس عبر زيادة حصّة الشيعة، بل بطرق أخرى، منها اختراق الأحزاب والتيّارات السياسية، وفتح قنوات خاصّة له داخل كلّ المدن والمجتمعات.

فعليّاً الحزب هو جهة محترفة تقابلها مجموعة من الهواة. فهو يعرف كيف يبني ويجنّد ويراكم النفوذ على المدى البعيد. من الأمثلة على ذلك تواصله مع "جماعة الفدرالية"، وحواره معهم ودعمهم لتسويق طرحهم بهدف خلق تيّار مؤيّد للفكرة داخل الشارع المسيحي بالذات من أجل تفتيته، ولمنع قيام تعاون بين المسيحيّين والسُنّة.

وإذا أُقيم نظام فدرالي، فإنّ حزب الله سيدير الأقاليم الثلاثة: المسيحي والسُنّي والشيعي. وبذلك يمنع الكلام تماماً عن سلاحه، فإذا ما أراد أحد من كانتون آخر الاعتراض على سلاحه كان الردّ حاضراً: هذا كانتون الشيعة، أنت ما دخلك به؟

أمّا العشاء السويسري فلا يعدو كونه زوبعة في فنجان، فالطائف باقٍ ولا بديل عنه. ومع نهاية عهد عون ننتهي من الانقلاب عليه. ويبقى للمسيحيّين حلمان هما أقرب إلى الحماقتين:

- الانقلاب على الطائف بوهم استعادة صلاحيّات رئيس الجمهورية القديمة. وهذا وهم. وسيؤدّي ذلك إلى فتح معركة لن تُبقي مسيحيّاً واحداً في لبنان.

- والفدرالية التي كانت ممكنة في بدايات الحرب الأهليّة، لم تعد ممكنة اليوم.

إقرأ أيضاً: الطائف: الميثاق الأرفع من الدستور

ويختم سليمان: "لكي تقيم كياناً سياسياً فأنت بحاجة إلى دعم دولي. ها هي السلطة الفلسطينية، فلولا دعم الاتّحاد الأوروبي ودول الخليج لها ما استطاعت شراء الخبز. إنّ إقامة كانتون مسيحي يلزمه قرار أميركي، وآخر أوروبي، وظروف دولية مناسبة غير متوافرة حاليّاً. الفاتيكان ليس مع تحالف الأقلّيّات، وأوروبا كذلك، وهي منفتحة على الأكثرية السنّيّة منذ أصبح رفيق الحريري الطرف المدلّل غربيّاً في لبنان. ومن جانب آخر، لا يوجد اليوم قيمة مضافة لأيّ كيان من هذا النوع".