الطائف: الميثاق الأرفع من الدستور

الطائف: الميثاق الأرفع من الدستور

ملحم الرياشي* - الثلاثاء 01 تشرين الثاني 2022

33 سنة على إقرار اتفاق الطائف. شُنّت حروب وصيغت مؤامرات لإسقاطه. تساقط البعض من المتآمرين، والبعض الآخر بدأ بالتراجع معلناً تمسّكه به مباشرة أو بالواسطة. إلا ان اتفاق الطائف بقي هو الحلّ. الخشبة الوحيدة التي يمكن لنا كلبنانيّين التعلّق بها للنجاة بوطننا وسط هذه الأمواج العاتية. لافتاً كان المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان عندما التمسّك باتفاق الطائف وبوجوب تنفيذه، ناسخاً بذلك كل دعواته السابقة لتغيير النظام، ومتراجعاً عنها.

"تطبيق الطائف" ليس مطلباً بل هو حاجة وطنية ووصفة وحيدة كي يبقى لنا وطن اسمه لبنان.

من هنا يفتح "أساس" ملف "تطبيق الطائف" في الذكرى الـ33 على إقراره، وذلك من خلال سلسلة مقالات وحوارات مع شهود على ولادته، وحرّاس على تطبيقه. مقالة اليوم للوزير السابق، النائب ملحم الرياشي.

 

يتحمّل اتفاق الطائف أعباء كثيرة لا علاقة له بها مباشرةً. فهو أتى نتيجة أوراق ووثائق محليّة تناولها اللبنانيون في تمارين دستورية لم تبلغ مبتغاها وصولاً إلى مرحلة عام 1988 وبداية عهد الحروب المتتالية والعبثية التي أدّت في ما أدّت إليه إلى انهيار القيمة الوازنة للجمهورية الأولى، التي كان الموارنة يستقطبون فيها مركز القرار في الدولة، فانتقل هذا الاستقطاب إلى مجلس الوزراء مجتمعاً.

تمكّن اتفاق الطائف من تحويل الشفهي في الجمهورية الأولى إلى مكتوب بأسود على أبيض، وإلى مضمون بإرادة عربية ودولية لا لُبس فيها

الميثاق مكتوبًا

نعم مجتمعاً. فلا يتقدّم فيه أحدٌ على أحد، في نوعٍ "لبنانيّ" من فدرالية الطوائف يصحّ أن تعمل وفق موازين قوى متكافئة، وخصوصاً ما ضمنه الطائف نهائيّاً، وعملت المملكة العربية السعودية على تثبيته في أمورٍ ثلاثة:

أوّلها إسناد رئاسة الدولة نهائيّاً إلى المسيحيين الموارنة.

وثانيها اعتماد مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في الدولة نهائيّاً ومهما تبدّلت الأوضاع الديمغرافية، ولا سيّما في مواقع القرار ومجلسَيْ النواب والوزراء ووظائف الفئة الأولى.

وثالثها نهائيّة الكيان اللبناني وعروبته، وكأنّ الطائف كتب الميثاق بحبرٍ محسوم ومختوم من أعلى مرجعية عربية وعالمية للمسلمين هي المملكة العربية السعودية وبموافقتها.

في كلّ الأحوال، تمكّن اتفاق الطائف من تحويل الشفهي في الجمهورية الأولى إلى مكتوب بأسود على أبيض، وإلى مضمون بإرادة عربية ودولية لا لُبس فيها.

أمّا بعد، فالطائف ليس نصّاً منزلاً حتى يستحيل تعديله. لكنّه نصٌّ يحمل في مقدّمته وطيّاته العروة الوثقى لميثاق شعبٍ تعدّدي الثقافات أراد، نعم أراد، أن يعيش بعضه مع البعض الآخر، وبسلام، ويُثمر ويغنى ويزدهر، ولا يعادي أحداً أو يستعدي أحداً، وإنّما يسير الهوينا نحو حيادٍ فاعل ليتحوّل إلى ساحة تلاقٍ ومنصّة حوار بين المختلفين. فلا الآستانة ولا جنيف أهمّ وأعتق من بيروت. وحين كنتُ وزيراً للإعلام اللبناني، قدّمت مشروع قانون لإلغاء وزارة الإعلام وأن تقوم مقامها وزارة حوار تعيد مجد لبنان كدولة حوار ومنصّة حوار في كلّ الصراعات باستثناء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، لأنّ لبنان لا يستطيع أن يكون حَكَماً فيه وهو طرف.

طوائف لبنان هي الأنموذج الخيّر والأمثل لثمار الجماعات الثقافية والحضارية. وقد يطول انتظار من يفهم سرّ هذا البستان

بستان يفهمه العرب

أضِف إلى ذلك أنّ الاختلافات اللبنانية التي شخّصها الطائف ووضع لها ما يعالجها في حينه، تقع في مصاف الغنى الوطني وبين الجوامع المشتركة التي قد يدمّرها صراع على السلطة من صنع الإنسان لا من بناءات نصّ الطائف، ولا من صنع الطوائف.

إنّ طوائف لبنان هي الأنموذج الخيّر والأمثل لثمار الجماعات الثقافية والحضارية. وقد يطول انتظار من يفهم سرّ هذا البستان باستثناء الفلّاح الذي يملك ويزرع ويروي، أو ذاك الذي رأى وشاهد وتمتّع بهذا التنوّع وغناه وثماره. وأعني هنا الأصدقاء العرب الذين يعرف بعضهم لبنان أكثر من كثرٍ منّا. وللعلم أنّ هذه الطوائف لا تمنع علمنة الدولة إذا ما شاء أهل البيت ترتيب بيتهم وإدارة تنوّعه كما يجب.

إقرأ أيضاً: بطرس حرب لـ"أساس": عون دمّر المسيحيين وليس الطائف

إنّ إجراء تعديلاتٍ على النصّ يجب أن لا تمسَّ ميثاق العيش معاً، إنّما على العكس يجب أن تضيف إليه ما قد يُغني في إدارة هذا التنوّع اللبناني وحمايته.

والأهمّ الأهمّ أنّ حكمة التاريخ وعلوم السياسة علّمتانا أنّ الاتّفاقات تُطبّق بحسب موازين القوى أكثر ممّا تُطبّق وفقاً للنصوص. وهذا ما حصل مع اتفاق الطائف حين استباحته الوصاية السورية لعقود. فلنعمل على تطوير النصّ وعصرنته، إذا كان من داعٍ لذلك. لكن فلنحمِ بقوّةٍ رغبة بل إرادة الجماعات العيش معاً وفق ميثاق الطائف ليكون المسّ به كمسّ ما لا يُمسّ!

 

* نائب ووزير سابق وباحث وأستاذ في جامعة الروح القدس -الكسليك.