عفيف طبّارة والثقافة الإسلاميّة في لبنان

عفيف طبّارة والثقافة الإسلاميّة في لبنان

رضوان السيد - الثلاثاء 20 أيلول 2022

نشكو نحن أهل السُنّة في لبنان من تضاؤل حضور النُخَب السياسية والدينية. وفي فترةٍ حافلةٍ بالتحدّيات المتكاثرة التي تستحقّ الذكر والمعالجة، أجدُ من الضروريّ المضيّ وراء الأسباب العميقة للغياب أو التضاؤل المذكور. لذا أكتب هنا عن شخصيّةٍ بيروتيّةٍ مؤثّرة على مدى ستّين سنة، غابت عن عالمنا قبل حوالى أسبوعين، وهي الشخصيّة الساحرة للأستاذ عفيف طبّارة.

كتب وكتّاب

عندما جئنا من الأرياف للدراسة بالكليّة الشرعية - أزهر لبنان مطلع الستينيّات، كان ثلث الطلاب من بيروت، بينما كان معظم الأساتذة من الأزهريّين مصريّين باستثناء قلّةٍ أبرزهم الشيخ حسن خالد (كان قاضياً شرعيّاً ثمّ صار مفتياً للجمهورية عام 1966)، ومنهم عفيف عبد الفتّاح طبّارة. وهو من الخرّيجين القُدامى، لكنّه لم يكمل دراسته بالأزهر الشريف مثل حسن خالد وكثيرين آخرين. وما احترف عفيف طبّارة العمل الديني مثل كثيرين أيضاً، وإنّما اختار وظيفةً خارج نطاقنا، وشأن كثيرين أيضاً وأيضاً آثر استمرار العلاقة بالحقل من طريق التطوّع، فكان يدرّسنا مادّة الخطّ العربي، الذي كان يعتبره رأس الفنون الإسلامية.

ظلَّ كتاب "روح الدين الإسلامي" أشهر كتب عفيف طبّارة وأكثرها قراءةً وقرّاءً. وبحسب التقديرات التقريبية للناشر فإنّ أكثر من مئة وخمسين ألف نسخة قد بيعت منه

عندما جئنا للدراسة الدينية في بيروت، كانت "الثقافة الإسلامية" بالمعنى الواسع ممثَّلةً بفئتين من الكتب والمؤلّفين: فئة الكتب المدرسية التي دعمتها جمعيّة المقاصد الخيرية الإسلامية كثيراً لاستخدامها في التعليم الديني في مدارسها، وكانت في البداية سلسلتين أو ثلاثاً لمختلف الصفوف، ثمّ توسّعت السلاسل وتعدّدت في المدارس الرسمية والمدارس الخاصة. وكان المؤلّفون من الشيوخ أو معلِّمي اللغة العربية في المدارس أو المسؤولين عن التربية الدينية بالمقاصد وغيرها. أمّا الشعبة أو الفئة الثانية في الثقافة الإسلامية في لبنان فتمثّلت في كتب المتخصّصين مثل الدكتور عمر فرّوخ والدكتور صبحي الصالح والدكتور صبحي المحمصاني، وكانت تُدرّسُ في الجامعات. أمّا نحن الصغار، حتى عندما ذهبنا للأزهر بمصر، فكان يجذبنا منها كتاب "قصّة الإيمان" للشيخ نديم الجسر مفتي طرابلس والشمال.


فن الخط والسهل الممتنع

عفيف طبّارة مدرّس فنّ الخطّ العـربي كان يرى، كما شـرح لمـن أنِس منهـم اهتماماً، أنّ هناك نقصاً فادحاً في ما سمّاه: المرحلة الوسطى، أو ثقافة الجمهور بين الكتب المتخصّصة والأُخرى المدرسيّة. ومنذ كنا في السنة الثانية بالمعهد الديني كان يُرينا ملازم من كتابٍ يؤلّفه اسمه روح الدين الإسلامي. وكانت طريقته تقع بالفعل بين الكتب المتخصّصة والأُخرى المدرسيّة. يعرض الكتاب بأسلوبٍ مشرقٍ العقائد الإسلامية، وقصص الأنبياء، العبادات، الأخلاقيّات والتربويّات. وذلك كلَّه بدون حواشٍ ولا استطرادات، وباعتمادٍ على القرآن الذي كان يستحضره عن ظهر قلب. وقد كان من حسن الخطّ شديد الاقتناع بمشروعه فلم تتزعزع همّته من استخفاف المتخصّصين، ولا غيرة من المدرسين الذين كانوا يخشون أن يحلَّ محلَّ كتبهم! وكان من حسن الحظّ أيضاً أنّ بهيج عثمان ومنير بعلبكي في دار العلم للملايين، وهما خبيران بالسوق، اقتنعا بإصدار الكتاب الأوّل هذا في مئتي صفحة في طبعةٍ أنيقة، دفعتنا جميعاً إلى اقتنائه، ومعظمنا لم يجد فيه جديداً لا يعرفه، لكنّه من باب السهل الممتنع الذي لا تستطيع أن تزعم القدرة على المجيء بمثله. ثمّ كان يُذهلُنا هذا التبسُّط من جانب الأستاذ عفيف، كما كنّا نسمّيه، فما إن تقول له فكرة حتى يُسارع إلى تسجيلها في مفكّرته الصغيرة، كأنّه سيفيد منها في طبعة الكتاب المقبلة. وكانت للكتاب طبعات مقبلات بالفعل زادت على العشرين في ما بين الستّينيّات والتسعينيّات من القرن الماضي. وتضخّم الكتاب حتى صار في أكثر من خمسمئة صفحة.

وقلتُ له مرّة: هذا نمط من التأليف معروفٌ في مصر، لكنّه ليس معروفاً جيّداً ببلاد الشام، لأنّ المتخصّص مهما تبسّط يظلّ مهموماً بالاختلافات، ولذلك أرى أن لا ينموَ الكتاب أكثر من ذلك. فقد شعرتُ أنّك بدأتَ تتّجه نحو التخصّص والتفصيل، فلا يستطيع ذو الثقافة العامّة من المتديّنين أن يتابعك، وهو الأمر الذي كنتَ تفتقده في الستينيّات وتريد أن تسدَّ النقص في الثقافة الإسلامية لدى الجمهور، وليس لدى طلّاب الجامعات الإسلامية أو أساتذتها.

 

تفسير عذب للقرآن

بيد أنّ الأستاذ عفيف طبّارة كان يملك طموحاً لا حدودَ له ودائماً في مجال الثقافة الإسلامية العامّة. فقد أقبل على كتابة تفسيرٍ مبسَّط وغير مدرسيّ ولا متخصِّص للقرآن الكريم. وعندما قرأتُ مخطوطة الجزء الأول من التفسير، ومؤلّفاته دائماً مكتوبة بخطّه الجميل، أدركتُ خطّته الفريدة، إذ وضع أمامه تفاسير القرآن القديمة والحديثة، وعمد إلى حذف وتشذيب كلِّ التحشيات والزوائد والتفاصيل والحواشي والتفسيرات المتعدّدة لكلِّ آية. فبدا القرآن في تفسير عفيف طبّارة عذباً زُلالاً يدخل رأساً من العين إلى القلب. وما قرأتُ كلّ التفسير لأنّه صدر في عشرات الأجزاء، لكن نظراً إلى سهولة فهارسه فقد كنتُ أرجع إليه دائماً بدون تردّد، عندما أريد الاستشهاد بآيةٍ وتفسيرها الظاهر أو المباشر. وما كنت ُ أُقابلُهُ في العقدين الأخيرين إلّا نادراً، لكنّني وقد افتقدتُ شيئاً قلتُ له مرّة عالماشي: ينبغي الاهتمام أكثر بالمفردة القرآنية وعندك كتاب الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن. وينبغي الاهتمام أكثر بالأحكام الفقهية وعندك أحكام القرآن للجصّاص إن أردْتَ الأحناف وأحكام القرآن لابن العربي إن أردتَ المالكية. فضحك وقال: أنا أفضّل الجامع للقرطبي، إنّما سوف ترى ما يسرُّك سواء لجهة المفردات أو الأحكام.

ماذا كان الذي اعتقد الأستاذ عفيف أنّه سيسرُّني؟ لقد أقبل في شيخوخته العالية على كتابة معجمٍ للقرآن في عدّة مجلدات، وقد اهتمّ فيه بالمفردات والأحكام والأعلام والأماكن وعوالم القرآن المتحاورة والمتجاورة. ولسوء الحظّ وضيق الوقت ما استطعتُ الاطّلاع على المعجم بحيث أستطيع الإفادة منه. لقد تذكّرتُ مرّةً كتاب السهيلي في الأعلام في القرآن وكتاباً في التفسير الموضوعي فكلّمتُهُ من أجل الاستعانة بهما، لكنّه قال لي إنّه يعرفهما لكنّه ما أفاد منهما.

لكن مع "معجم القرآن" ما عُدنا نستطيع القول إنّ الأستاذ عفيف طبّارة لا يكتب للمتخصّصين. فبعد ستّين عاماً من التثقّف والتثقيف صار الأستاذ عفيف أو الشيخ عفيف من كبار المتخصّصين، لكنّه لم ينسَ بالطبع، كما رأيتُ في تفسيره، العامّة والجمهور. إنّما اللافت أنّ الأستاذ الورِع والعميق ظلَّ يدور خلال ستّين عاماً حول القرآن. وعندما عرفتُ قبل أسبوعين أنّ كتاب زميلتنا الألمانية أنجليكا نويفرت "كيف سَحَر القرآن العالَم" قد تُرجم إلى العربية، قلتُ في نفسي، وما كنتُ أعرف أنّ أستاذنا عفيف طبّارة قد توفّي: إذا كانت أنجليكا قد سُحرت بالقرآن، فلماذا لا يُسحرُ به عفيف طبّارة؟!

ظلَّ كتاب "روح الدين الإسلامي" أشهر كتب عفيف طبّارة وأكثرها قراءةً وقرّاءً. وبحسب التقديرات التقريبية للناشر فإنّ أكثر من مئة وخمسين ألف نسخة قد بيعت منه. وقد اشتدّ اعتزازي عندما رأيتُ طبعته العاشرة في الرباط، وحدّثتني مديرة جامعة إسلاميةٍ بإندونيسيا أنّه مقرّرٌ في مادّة الثقافة الإسلامية على طلّاب الجامعة. دار العلم للملايين كانت سبّاقةً في الخمسينيّات إلى ترجمة كتاب سيّد أمير علي "روح الإسلام" إلى العربية. وجيلنا تأثّر أكثر بكتاب محمد أسد (ليوبولد فايس) "الطريق إلى مكة" الذي ترجمته الدار أيضاً، لعرضه تجربته الشخصية في اعتناق الإسلام. أمّا كتاب سيّد أمير علي المقدَّر فهو عرضٌ للإسلام على الغرب والعالم. وعفيف طبّارة البسيط والمباشر يعرض بأسلوبٍ شخصيٍّ تجربته العميقة والممتدّة في فهم القرآن ورسالته. فهو نمطٌ من الكتب التي ما كاد أحدٌ منّا يستطيع تقليدها مهما كانت تجربته في الكتابة كبيرة.

عفيف الأنسان

كلُّ هذا وأنا لم أتحدّثْ بعد عن عفيف طبّارة الإنسان. أكاد أقول إنّني لم أعرف مثله براءةً وشفافيّةً وسماحة خُلُق. هو للمتأمّل شديد الجاذبيّة، ونتذكّر دائماً أناقة ملبسه وإشراق طلعته. يسحرك هدوؤه وتسحرك ابتسامته، وهذا التآلف بين العقل والقلب والطلعة والسيرة. وقد تعرّفتُ أخيراً على ابنه أُسامة، وهو أستاذ متخصّص في الصيدلة وباني مؤسّسات صحّية، فأدركْتُ أنّ التربية قُدوةٌ وخليقةٌ ما عاد يمكن توريثُها وسط متغيّرات الزمان إلا إذا كان الوالد مثل الأستاذ عفيف عبد الفتاح طبّارة.

قبل ثلاثة عقود كنتُ ثائراً على النخبة الدينية والثقافية المسلمة في لبنان، وأرى أنّهم كانوا يستطيعون التأثير أكثر بكثير ممّا فعلوا أو قصدوا. لكنّني وقد تجوّلتُ في العالمين العربي والإسلامي والعالم الأَوسع، وشهدتُ تأثيرهم الباقي، صرتُ أفتقدهم بشدّة: أفتقد نديم الجسر وحسن خالد وعمر فرّوخ وصبحي المحمصاني وصبحي الصالح وطه الوليّ وهشام نشّابه (أطال الله عمره)... والآن عفيف طبّارة.

إقرأ أيضاً: بلاد القحط والفقر: جماعات تريد السلطة لها وحدها

في أحد عامَيْ 1969 أو 1970 زرتُ الشيخ محمد فهيم أبو عبية رئيس بعثة الأزهر في لبنان، وكان خطيباً مِصْقعاً وعالماً كبيراً بالعربيّة والتفسير، فرأيتُ كتاب: "روح الدين الإسلامي" بإهداء المؤلّف على مكتبه. وعندما لاحظ اهتمامي قال: هل تعرف لماذا وُفّق هذا الكتاب؟ قلت: للبساطة والإحاطة! فقال: إجابة جيّدة، إنّما يُضاف إلى ذلك: النيّة الخالصة والصالحة، وهذا الإخلاص الفائق للقرآن.

رحم الله الشيخ فهيم، ورحم الله عفيف طبّارة، وقيَّضَ لنا ومن بيروت بالذات ودائماً نخبةً دينيةً وثقافيةً جديدة، ونخبةً سياسيةً نستطيع الثقة بها، وهيهات:

هيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات خِلٌّ بالعقيق نُواصلُهْ