العقوبات الاقتصادية: سلاح فاشل سياسياً.. ويدمّر فقط

العقوبات الاقتصادية: سلاح فاشل سياسياً.. ويدمّر فقط

محمد السماك - السبت 06 آب 2022

في عام 1939 قال أدولف هتلر: "إنّني أحتاج إلى أوكرانيا حتى لا تُستعمل مرّة ثانية في تجويعنا كما استُعملت في الحرب الأخيرة". (الحرب العالمية الأولى).

بدأ العالم يستخدم السلاح الاقتصادي من خلال المقاطعة مع بداية تلك الحرب. وبعدما وضعت الحرب أوزارها وتفكّكت الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية، سجّل المؤرّخون وقائع مذهلة نتجت عن المقاطعة. منها على سبيل المثال جمع كلّ الساعات اليدوية والمنزلية من الأيدي ومن المنازل في تشيكيا من أجل تذويبها والحصول على ما فيها من معادن. وحتى في العاصمة فيينا درّة الإمبراطورية، كان المولود حديثاً يُحمل في بقايا أوراق الصحف لتعذّر الحصول على الشراشف والأغطية.

في عام 2010 واستناداً إلى إحصاءات الأمم المتحدة، فإنّ ثلث شعوب العالم كانت تعاني من العقوبات الاقتصادية. غير أنّ استعمال هذا السلاح أقدم من ذلك بكثير. فخلال حرب المئة عام في أوروبا، تمكّن الإنكليز من فرض حصار على القوات الفرنسية "حتى الموت أو الاستسلام".

كان السلاح الاقتصادي جزءاً من آلة الحرب. وكان جزءاً أساسيّاً وما يزال. ساعد على ذلك أوّلاً إنشاء عصبة الأمم (1919 – 1920)، ثمّ الأمم المتحدة، والتحالفات الدولية، بحيث أصبح سلاح المقاطعة والعقوبات الاقتصادية سلاحاً جماعيّاً منظّماً ضدّ الدولة (أو الدول) المستهدَفة، وهو ما يعمّق آثاره ومفاعيله، كما يحدث الآن مع روسيا بسبب الحرب الأوكرانية.

في عام 1935 (عندما كانت إيطاليا الفاشيّة متحالفة مع ألمانيا النازيّة)، فُرضت العقوبات الاقتصادية على الصناعات الإيطالية: السيّارات (فيات)، والعجلات (بيرللي). وفي عام 1941 قطّعت المقاطعة أوصال اليابان مع العالم، فحُرمت من 90 في المئة من وارداتها الخارجية، وحُرمت أيضاً من 70 في المئة من عائداتها الماليّة.

يقول أحد المسؤولين الإنكليز وليم أرنولد: "إنّنا نستخدم العقوبات حتى نجعل من أعدائنا يتمنّون لو أنّهم لم ينجبوا أطفالاً".

عام 2010 واستناداً إلى إحصاءات الأمم المتحدة، فإنّ ثلث شعوب العالم كانت تعاني من العقوبات الاقتصادية. غير أنّ استعمال هذا السلاح أقدم من ذلك بكثير. فخلال حرب المئة عام في أوروبا، تمكّن الإنكليز من فرض حصار على القوات الفرنسية "حتى الموت أو الاستسلام"

ألمانيا "المعاقّبة" شنّت الحرب

مع ذلك لم تنجح العقوبات الاقتصادية دائماً في تحقيق الغاية المنشودة من ورائها. كانت ألمانيا تخضع للمقاطعة عندما استولى هتلر على الدولة، ثمّ شدّد قبضته عليها. لكنّ المقاطعة لم تمنع النازيّة من شنّ الحرب العالمية الثانية.

في الواقع لم تشأ بريطانيا في ذلك الوقت استخدام سلاح المقاطعة ضدّ ألمانيا لأنّ المصارف البريطانية كانت صاحبة معظم الديون الماليّة المستحقّة على ألمانيا. والمقاطعة في تلك الظروف كانت تعني وقف تسديد الديون الألمانية للمصارف البريطانية، وهو ما سينعكس سلباً على الاقتصاد البريطاني، وبذلك تنتقل أوجاع المقاطعة من برلين إلى لندن.

حاولت اليابان في عام 1930 إقامة تجمّع ماليّ أطلقت عليه اسم "كتلة الين" (اسم الوحدة الماليّة اليابانية)، ضمّ إلى جانب اليابان كلّاً من كوريا وتايوان، لكن من دون جدوى.

في الوقت ذاته حاولت ألمانيا إقامة تكتّل يقوم على مبدأ "حرّية استيراد وتصدير الموادّ المعدنية الخام"، وذلك للالتفاف على العقوبات، وعلى أمل إنتاج الطاقة (النفط) من بعض هذه الموادّ، لكن من دون جدوى أيضاً.

لقد أدّى استخدام سلاح العقوبات إلى تعميق الانقسامات بين دول العالم، بل زادها تشرذماً وانقساماً، فكانت الحرب العالمية الثانية.

إقرأ أيضاً: أوكرانيا: مسيّرات إيران... في خدمة الروس

باستثناء السلاح النووي (الموضوع خارج الاستعمال)، هناك ثلاثة أنواع من الأسلحة الفتّاكة: الصواريخ، الطاقة (النفط والغاز)، والحصار الاقتصادي.

من المؤسف أنّ هذه الأسلحة الثلاثة لم تلوِ ذراع صاحب القرار السياسي في أيّ من الجبهات المتقاتلة، قديماً وحديثاً، لكنّها أثبتت قدرتها الفائقة على التدمير وعلى قتل المدنيّين.