اليمن ما بعد الهجوم الحوثيّ

اليمن ما بعد الهجوم الحوثيّ

د. البدر الشاطري - الأربعاء 02 شباط 2022

تقول الكاتبة والمؤرّخة الأميركية الراحلة باربرا تخمان في كتابها الشهير "مسيرة البلاهة: من طروادة إلى فيتنام"، إنّ بعضاً من الحكومات والتنظيمات اتّبع سياسات خلافاً لمصلحته، أدّت إلى نتائج وخيمة عليه. ويبدو أنّ هجمات الميليشيات الحوثيّة الأخيرة على دولة الإمارات تدخل ضمن المسيرة التي ستوّدي إلى نهاية هذا التنظيم.

فقد دخلت الحرب اليمنية منعطفاً جديداً بعد الهجمات التي قامت بها الجماعة الحوثية واستهدفت منشآتٍ مدنيّة وقتلت ثلاثة مدنيّين من الهند وباكستان. وقد كانت ردّة الفعل الإقليمية والدولية شديدة في تنديدها بالحوثيّين. وصدر بيان عن الجامعة العربية يشجب الهجمات ويطالب بتصنيف الحوثيين حركةً إرهابيّة.

ستسعى الإمارات إلى وضع الحوثي تحت رقابة ماليّة مشابهة لِما حصل للقاعدة، والحركات الإرهابية عموماً، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول

حتّى إيران أنكرت صلتها بالهجوم، وقالت إنّها مع سلامة وسيادة الدول على أراضيها. لكنّها لم تعلن رسميّاً شجب الهجوم. ويذهب البعض إلى أنّ إيران وصلت إلى طريق مسدود في التفاوض مع الدول المعنيّة في فيينا بخصوص برنامجها النووي، وأنّ طهران أوعزت إلى الحوثيين بالقيام بهذا الهجوم من أجل تهديد المنطقة والقوى الغربية ودفعهم إلى تقديم تنازلات في المفاوضات المعقودة في فيينا.

لا تخلو هذه النظرة من وجاهة، فإيران توظّف كلّ السبل، بما فيها العنف السياسي والإرهاب، لتحقيق أهدافها الاستراتيجية ومطامحها الإقليمية. لكن هناك تناقض في السياسة الإيرانية: فمن ناحية تسعى إيران إلى التقارب مع دول الخليج، ومن مظاهر هذا التقارب المفاوضات الجارية بينها وبين المملكة العربية السعودية، برعاية عراقية، وهناك الزيارة الإماراتية العالية المستوى لإيران، ودعوة الرئيس الإيراني لزيارة أبوظبي قريباً.

ضربات موجهة للحوثي

تلقّى الحوثي تلقّى ضربات موجعة في شبوة ومأرب. وهذا ما دفعه إلى الردّ بعنف على دولة الإمارات. ويبدو أنّ تقهقره على هذه الجبهة المهمّة له، بسبب احتوائها مصادر بتروليّة يحتاج إليها، أصاب التنظيم في مقتل. فأراد الانتقام من الإمارات بسبب دعمها قوات العمالقة الجنوبية. ويمنح الهجوم الحوثيّين غطاءً سياسيّاً داخليّاً على الهزيمة التي مُنوا بها وأنزلتها بهم قوات العمالقة.

وإمعاناً في الموقف العدوانيّ، كرّر الحوثي هجومه بصواريخ باليستية تصدّت لها قوات الدفاع الجوي الإماراتي في 24 كانون الثاني. ثم كرّر الهجوم للمرّة الثالثة في 31 كانون الثاني. ما يكشف بوضوح عن مدى الإحباط الذي واجهته ولا تزال تواجهه القوات الحوثية في شبوة ومأرب إثر تلقّيها ضربات من القوات المدعومة إماراتيّاً. ويأتي على الرغم من انسحاب الإمارات رسميّاً من القتال في اليمن.

لعلّ الحوثي يتابع الأوضاع الإقليمية ويرى تحرّكات إيجابية في المنطقة، ومنها المصالحة الخليجية وعودة الدفء تدريجيّاً بين قطر ودول المقاطعة الأربع. ويراقب الحوثيون محاولة طهران التوصّل إلى وفاق مع دول الخليج. وربّما أعيت إيران الضغوط الخارجية والسخط الشعبي الداخلي وتريد أن تتوصّل إلى نوع من الوفاق مع جيرانها للخروج من أزماتها المتراكمة.

ويأمل مراقبون أن يتّجه الوضع في لبنان نحو الحلحلة وأن يصل الخليجيون واللبنانيون إلى تفاهمات تنهي القطيعة بين الأشقّاء. استناداً إلى زيارة قام بها وزير الخارجية الكويتي نيابةً عن دول الخليج إلى بيروت.

ستزيد الهجمات على أبوظبي من الضغط العسكري الذي ستمارسه دولة الإمارات للحدّ من هجمات الحوثي

في العراق خسرت الأحزاب الموالية لإيران الانتخابات لمصلحة القوى التي تريد تحقيق استقلال العراق وتحريره من قبضة إيران وميليشياتها في البلاد.

وترجع سوريا إلى الحضن العربي رويداً لكن بشكل بطيء.

والأهمّ من كلّ ذلك التوجّه الإيراني نحو أبوظبي. إذ يبدو أنّ هناك تفاهمات قد أعقبت زيارة الشيخ طحنون بن زايد لطهران لإزالة أسباب التوتّر في العلاقات بين البلدين الجارين. وهذا ما لم يرُق للحوثيّ الذي اعتقد أنّ إيران قد تعقد صفقة مع دول الخليج على حسابه، وأراد من هذه الهجمات إرسال رسالة مفادها أنّه المعنيّ بحرب اليمن، وأنّ أيّ اتفاق لإنهاء الحرب يمرّ عبر صنعاء وليس طهران. وقد صرّح وكيل وزارة الإعلام التابعة للحوثيّين نصر الدين عامر، في حوار مع آر، أنّ إيران تتقارب مع دول الخليج ولا يمكن أن تكون مَن أوعز إليهم بالهجوم على الإمارات.

المقصود من هذه الهجمات خلط الأوراق في المنطقة، خاصة إذا ما وُجِّهت اتّهامات إلى إيران بتورّطها في هذه الهجمات. ولعلّ الإمارات انتبهت إلى هذه اللعبة فصرّحت مندوبة الإمارات في الأمم المتحدة لانا نسيبة بأنّ الإمارات ستواصل سعيها إلى خفض التصعيد في المنطقة ومع إيران.

لكن إذا صحّت هذه التحليلات فإنّها مغامرة غير محسوبة من قبل الحوثي الذي سيخسر الكثير سياسياً وعسكرياً، بل وموارد جمّة جرّاء هذه العمليات العسكرية:  

أوّلاً، سيُصنَّف الحوثي حركةً إرهابيةً، الأمر الذي سيمنعه من الحصول على مساعدات خارجية، وسيضع داعميه في حرج كبير بسبب تمويلهم حركة صنّفها المجتمع الدولي حركة إرهابية.

ثانياً، ستزيد الهجمات على أبوظبي من الضغط العسكري الذي ستمارسه دولة الإمارات للحدّ من هجمات الحوثي.

ثالثاً، ستسعى الإمارات إلى وضع الحوثي تحت رقابة ماليّة مشابهة لِما حصل للقاعدة، والحركات الإرهابية عموماً، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول. وسيسعى المجتمع الدولي، خاصة إذا ما صُنِّفت الحركة منظمة إرهابية، إلى حرمان الحوثيين من موارد ميناء الحديدة، وسيضيّق التحالف العربي عليهم لمنعهم من الحصول على مصادر النفط في محافظتيْ مأرب وشبوة. 

إقرأ أيضاً: دراسة: كيف نفهم سياسة الإمارات؟

عوداً على بدء، تقول المؤرّخة تخمان إنّ التفكير الخشبي يؤدّي إلى نتائج سيّئة لصاحبها. وتعني بالتفكير الخشبي الأفكار المسبقة التي تجعل صاحبها لا يقبل بالخيارات الأخرى وإن تبدّت أحقّيّتها. يستطيع الحوثي أن ينقذ ما يمكن إنقاذه بقبول المبادرة السعودية والجلوس إلى طاولة المفاوضات مع أشقّائه اليمنيين والمشاركة في الحكم، قبل أن تبيع طهران الحركة على طاولة المفاوضات، ويكون هذا المنعطف التاريخي بداية النهاية لنظام الحوثي في صنعاء، وقد تكون الهجمات على الإمارات أغنية البجعة الحوثية!