رضوان السيّد كما عرفته
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

رضوان السيّد كما عرفته

يوسف صدقة* - الخميس 10 حزيران 2021

منحت وزارة الثقافة المصرية الدكتور رضوان السيد جائزة "النيل" للإبداع العربي. وهي أرفع جائزة أدبية تمنح لغير المصريين.

هنا شهادة من صديقه وابن قريته ترشيش، السفير يوسف صدقة.

في زمن يمرّ لبنان بأزمة كيانيّة وانهيار اقتصادي واجتماعي، وتصل غالبية الشعب اللبناني إلى مرحلة اليأس وفقدان الأمل بالكيان اللبناني، تلوّح مصر للبنان ببارقة أمل، وتذكّر العرب والعالم بأنّ لبنان سيبقى بلد الثقافة والعلم على الرغم من العواصف والأزمات.

عُرِف الدكتور رضوان بإنتاجه الفكري الغزير، وكأنّي به يعيش "نسكيّة"، يحميها بسلاح الفكر والكلمة في زمن سطوة السلاح. وكنت أناقشه بعد كل مقال، يكتبه في "أساس" و"الشرق الأوسط"

هذا هو مغزى إعلان وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة إيناس عبد الدايم، في أوّل حزيران، فوز المفكّر الكبير رضوان السيّد بـ"جائزة النيل للإبداع العربي"، وهي أعلى جائزة تُمنح لغير المصريين. وقد أدخل الخبر البهجة والحبور إلى قلبي، إذ قُدِّرت مكانة هذا المفكّر العلميّة الرفيعة في العالم العربي والإسلامي.

تعود معرفتي بالدكتور رضوان السيّد، ابن بلدتي ترشيش، إلى منتصف التسعينيات، عندما كنت طالباً في الإعدادية، وكنت أزور آنذاك أنسبائي من آل الحايك، الذين يقطنون قرب دارة آل السيّد. وكان يروي لي نسيبي أنّ رضوان، ابن السيّد نايف، الطالب الجامعي، يصل آناء الليل بأطراف النهار في القراءة والدراسة. وكان ينوّه بأناته وصبره في مواجهته اليوميّة مع الكتب والأوراق. وتلك ميزة نادرة في مجتمع ريفيّ زراعي، حيث لا مكان للقراءة إلّا في أيام العطل الأسبوعية.

وقد تعرّفت شخصيّاً على الدكتور رضوان عام 1971، لدى وضع حجر الأساس لبناء الجامع الجديد في ترشيش، حيث شارك المسيحيون إخوانهم المسلمين في تكاليف بناء الجامع. وقد ألقى  الدكتور رضوان كلمة في المناسبة، ما زالت أصداؤها تحفر في ذاكرتي، حيث بدا لي، في ذلك الحين، خطيباً مفوّهاً يملك ناصية اللغة العربية، وذا حضور مميّز.

هذا وقد عرفت من خلال خالي الأب يوسف صدقة، الذي درس في الجامعة اليسوعية، في نهاية الأربعينيات، اللاهوت والفلسفة، وحصل على دبلوم في الدراسات الإسلامية، أنّ رضوان السيّد نال "العالمية من جامعة الأزهر". وقد شرح لي أهمية الشهادة التي نالها من أعرق جامعة إسلاميّة في العالم.

وقد علمنا، نحن أهل قريته، أنّ المفتي الشهيد حسن خالد أحاط الأستاذ النجيب رضوان برعايته، وأرسله في بعثة دراسية ليكمل دراسته في الفلسفة في جامعة توينغن في ألمانيا، حيث نال شهادة الدكتوراه في فرع الإسلاميّات.

وتعتبر شهادة الدكتوراه في الفلسفة في ألمانيا من أصعب الشهادات في العالم، بحيث لا يمكن مقارنتها مع شهادة فرنسا، أو أي بلد أوروبي آخر.

فعلى طالب الدكتوراه أن يعدّ أطروحة لا تقلّ عن 700 صفحة، وعليه أن يعدّ دراستين مستقلّتين عن الأطروحة، على أن تبلغ صفحاتها 150 على الأقلّ. وقد التقيت في باريس، عندما كنت قنصلاً في عام 1984، العلّامة الأب إتيان صقر (الكسليك)، فحدّثني عن أهميّة دراسة الفلسفة في ألمانيا باعتبارها قطباً أساسياً لهذا العلم في العالم. وقد أعلمني أنّ طالباً لامعاً تخرّج من جامعة توينغن، هو الدكتور رضوان السيّد، وعبّر عن غبطته عندما عرف أنّه ابن بلدتي ترشيش.

التاريخ سيذكر رضوان السيّد كأحد أعمدة الفكر العربي والإسلامي، وسيسجّل اسمه في لائحة المفكّرين المسلمين المجدّدين المتنوّرين الكبار في القرن العشرين

وقد تابعت أخبار الدكتور رضوان، عندما كنت دبلوماسياً في تونس والقاهرة، من الصديق الدكتور ناصيف حتّي (وزير الخارجية السابق)، حيث كان يعمل مستشاراً للأمين العام لجامعة الدول العربية في تونس والقاهرة أيضاً. وتزامل مع الدكتور رضوان في جامعتيْ هارفرد وشيكاغو، عندما كانا أستاذين زائرين. وحدّثني حتّي عن الأسلوب العلمي والمنهجي للدكتور رضوان في التدريس، وكيف أنّه نقل، بأسلوبه المميّز والمنفتح، صورة الإسلام المعتدل ومفاهيمه السمحة للأميركيين.

التقيت السيّد في القاهرة، عندما كنت مستشاراً في السفارة اللبنانية في القاهرة، وكان هو عضواً في الوفد، الذي رأسه رئيس الحكومة الراحل الشهيد رفيق الحريري عام 1996. وقد سعدت للاحترام والتقدير اللذين كان يلقاهما من الرئيس الشهيد وأعضاء الوفد، الذين كانوا ينادونه بـ"مولانا". وكان السيّد يشعر أنّ مصر هي بلده الثاني، ويرى أنّ الثقافة، التي اكتسبها من مصر، هي جزء من تكوينه الفكري. وكان يحظى باحترام وتقدير من شيخ الأزهر آنذاك محمد سيّد طنطاوي.

عدت إلى لبنان نهائياً، بعد إتمام مهمّتي سفيراً للبنان في قبرص في عام 2017. وقد التقيت بالدكتور رضوان في عدد من الندوات في "بيت المستقبل" في بكفيا، حيث كانت مداخلاته تحظى بإعجاب الحاضرين من أساتذة جامعات ومثقّفين، لِما تتضمّنه من فكر تنويريّ وانفتاح على قبول النقاش الفكري والنقد البنّاء.

وقد تابعت توهّج السيّد الفكري في موقع "أساس" الإلكتروني، حيث جمع في مقالاته عصارة الفكر السياسي، والبعد الوطني، والنظرة الاستشرافية الثاقبة لقضايا الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

عُرِف الدكتور رضوان بإنتاجه الفكري الغزير، وكأنّي به يعيش "نسكيّة"، يحميها بسلاح الفكر والكلمة في زمن سطوة السلاح. وكنت أناقشه بعد كل مقال، يكتبه في "أساس" و"الشرق الأوسط"، فنتبارز في عصف فكري يزيدني، وأنا القادم من الدبلوماسية، معرفةً لقضايا الفكر وإشكاليات الفكر العربي والإسلامي.

مَن يقرأ سيرة حياة رضوان السيّد يرَ بأمّ العين مسيرة أكاديمية غنيّة، في لبنان والعالمين العربي والإسلامي، وفي أوروبا وأميركا، ناهيك عن رئاسته لتحرير العديد من المجلّات الفكرية، وعضويته في مجالس إدارات لعدد كبير من الجامعات والمنتديات الفكرية.

إنّ التاريخ سيذكر رضوان السيّد كأحد أعمدة الفكر العربي والإسلامي، وسيسجّل اسمه في لائحة المفكّرين المسلمين المجدّدين المتنوّرين الكبار في القرن العشرين. وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الطاهر بن عاشور، هشام جعيط، محمد أركون، محمد عابد الجابري.

وفي الختام، أهنّئك صديقي الدكتور رضوان من كل قلبي على "جائزة النيل للإبداع العربي". لقد جاهدت طوال مسيرتك، وحاولت نقل صورة الإسلام الحقيقية، وهي البعيدة من الأفكار السلفية الجهادية التكفيرية، وتعمّقت في الفكر الفلسفي الألماني، ونقلت حقيقة الاعتدال في الإسلام، فلُقّبت عن حقّ بـ"المفكّر التنويري".

إقرأ أيضاً: سأحدِّثكم عن رضوان

لقد تُوِّجتَ بجائزة قيّمة من مصر الكنانة، البلد الذي أحببت، ومن حيّ الأزهر حيث نشأت. لقد حباك الله نعمة البيان وبلاغة بني هاشم على الرغم من بُعْد النسب. وإنّي أستذكر في هذه المناسبة الجليلة قول المتنبّي منذ ألف عام، عن صدى المجد في الدنيا:

ولا تحسبنَّ المجد زِقّاً وقَيْنةً

فما المجدُ إلا السيفُ والفَتْكةُ البِكرُ

وتركُكَ في الدنيا دويّاً كأنّما

تداولَ سمعَ المرءِ أنمُلُهُ العَشرُ

*سفير لبنانيّ متقاعد

مقالات الكاتب