"السيّد" ينعى "مهمة" الحريري: لا تفويض لحكومة التكنوقراط
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

"السيّد" ينعى "مهمة" الحريري: لا تفويض لحكومة التكنوقراط

عبادة اللدن - الأحد 21 آذار 2021

قدّم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أشكالاً من التسامح اللفظي "لتسهيل" تشكيل حكومة اختصاصيين، لكنه زنّرها بحزامٍ سياسي ناسف يجعلها بلا أي تفويض لتنفيذ المبادرة الفرنسية والمهمة التي باسمها أقدم رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري على تشكيل "حكومة المهمة".

مفاد الكلام واضح: شكّلوا حكومة اختصاصيين إن شئتم، لكنها لن تكون مفوّضة باتخاذ قرارات كبيرة، لاسيما في التفاوض مع صندوق النقد الدولي. من يقول هذا الكلام يدرك أن هذا الشرط يعني عجز الحكومة تماماً عن فعل أي شيء له معنى في شأن الأزمة المالية والاقتصادية. وأي كلامٍ آخر عن بديل من الصين أو إيران أو روسيا قد يعني شيئاً في السياسة، لكنه جزماً لا يعني شيئاً في دنيا المال.

مؤدّى الكلام ربط حلّ الأزمة الاقتصادية بالخيارات السياسية الكبرى، وحصر التفويض للحكومة المقبلة بالاتجاه شرقاً، و"تحدي" ما يراه حظراً أميركياً على الاستثمارات الصينية أو شراء الوقود من إيران "بالليرة اللبنانية".

المعروف عن تعاملات إيران مع من يشتري منها الوقود أو الغاز أو الكهرباء، أنها لا تهب شيئاً بالمجان. أخذت الذهب من فنزويلا، وتأخذ الدولارات من العراق باستثناء أميركي، وتأخذ العقارات من سوريا. فهل يستطيع السيد نصر الله أن يصارح اللبنانيين بالقصة الكاملة لشراء الوقود من إيران بالليرة؟ ماذا ستفعل طهران بحساب تفتحه في بنك لبناني بالليرة؟ هل ستحمل أوراق النقد اللبنانية من فئة 100 ألف ليرة بالحقائب الدبلوماسية إلى طهران؟ أم تدفع بها رواتب "حزب الله"؟ أم تشتري بها عقارات في بيروت، كما تفعل في دمشق؟

الخيار إذاً ليس اقتصادياً، بل سياسي بحت. المحيّر أن من يربط حل الأزمة بالخيارات السياسية يرفض أي ربط مشابه في فهم أسباب الأزمة! يحصي نصر الله ألف سبب للأزمة من دون أن يجد باعاً أو ذراعاً لحزبه وخياراته الإقليمية، وحروبه الخارجية، وخطابه الإعلامي.

مؤدّى الكلام ربط حلّ الأزمة الاقتصادية بالخيارات السياسية الكبرى، وحصر التفويض للحكومة المقبلة بالاتجاه شرقاً، و"تحدي" ما يراه حظراً أميركياً على الاستثمارات الصينية أو شراء الوقود من إيران "بالليرة اللبنانية"

ليس في المضمون الاقتصادي لكلام نصر الله ما يستحق نقاشاً جدياً. فالحزب لا يقدّم مقولة متماسكة على هذا الصعيد. وفي الأصل لا يأتي من منظومة نموذج اقتصادي تقدّمه. بل إن خطاب الحزب يرتكز إلى مقولات رومنسية عن ضعف الصناعة والزراعة، وهي مقولة متهافتة على أي حال. فلبنان لم يصنع سيارة واحدة، ولا حتى دراجة هوائية حين كان لديه ربع ذهب العالم العربي. ودبي التي هي بقعة مذهلة للنموّ والازدهار، لا تصرف جهدها في ما ليس لديها قدرة تنافسية موضوعية فيه.

يبدو سرد نصر الله لأسباب الأزمة مجرد تبرئة ذمة من الانهيار الاقتصادي والمالي، وما هو ببريء.

للأزمة أسباب مالية وإدارية كثيرة بلا شك، أكبرها عجز الميزانية الذي استتبع عجزاً هائلاً في ميزان المدفوعات. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إقرار سلسلة الرتب والرواتب منتصف 2017، والتوظيف الكثيف في أجهزة الدولة في السنة الأولى من العهد الحالي. وتتصل بهذا السبب معضلة الفساد التي فاقمت مصروفات الدولة.

لكن ثمة سبب سياسي إقليمي للأزمة. إذ لا يمكن لنصر الله أن يخفي شمسه بغربال. والملخّص أنّ الموقع الجيوسياسي للبنان حسمه الحزب، بقوّته العسكرية، إلى جانب المحور الإيراني منذ اتفاق الدوحة في 2008. منذ ذلك الحين بات "حزب الله" هو الدولة والدولة هي "حزب الله". مزّق الحزب "إعلان بعبدا" وانخرط في الحرب السورية، وبعث برجاله وسلاحه على العراق واليمن، وباتت الضاحية موئلاً لكل المنابر المعادية لدول الخليج.

يبدو سرد نصر الله لأسباب الأزمة مجرد تبرئة ذمة من الانهيار الاقتصادي والمالي، وما هو ببريء

فليبدأ النقاش من هنا: كيف للبنان أن يصنع ازدهاراً اقتصادياً وهو في موقع معادٍ لشريانه الاقتصادي الذي مدّه على مدى ثلاثة عقود بالمساعدات والقروض والسياحة والاستثمارات وفرص العمل؟ كيف يمكن تثبيت سعر صرف الليرة من دون تلك المساعدات والقروض وتحويلات العاملين في الخليج؟

نظرية "حزب الله" تقول ببساطة إنّ لبنان ليس بحاجة إلى عدم استعداء الخليج، وعدم إطلاق الصواريخ على الرياض من اليمن، لأنّ بإمكانه أن يوفر موارد بديلة. فما النموذج الاقتصادي البديل الذي يسوّق له؟ هل هو النموذج الإيراني الذي أورث انهياراً للتومان، حتى حين كانت البلاد تجني مليارات الدولارات من بيع النفط؟ هل هو النموذج العراقي الذي جرّب شراء الكهرباء والغاز من إيران، فيما ميليشياتها توغل في الدولة، وانتهى بها الأمر إلى العجز عن دفع الرواتب، على الرغم من أنها تعوم على عُشر الاحتياطي النفطي العالمي، وها هي الآن تبحث عن بدائل من خلال ربط شبكتها الكهربائية بالسعودية والكويت؟

إقرأ أيضاً: بائعُ الأوهام

يريد "حزب الله" تغيير النموذج الذي صنع ازدهار الخمسينات والستينات حين كان لبنان سوقاً سياحية وخدمية للعالم العربي، وهو نفسه النموذج الذي أطلق إعادة الإعمار في التسعينات، ووفّر فرص الإنقاذ المالي في مؤتمري "باريس 1" و"باريس 2". ثمة من يريد أن ينكر أن القدرة الشرائية للبناني ظلت مستقرة 27 عاماً بفضل الخليج وهذا النموذج، ليزعم أنّ أزمة عهد ميشال عون صنعها رفيق الحريري عام 1993!

كانت لدى لبنان فرص عدّة لاستعادة التوازن، أوّلها ما عرف بـ"سين – سين" بعد انتخابات العام 2009، ثم "إعلان بعبدا" في بداية الحرب السورية، ثم التسوية الرئاسية التي أتت بميشال عون إلى قصر بعبدا، وما تبعها من زيارة رسمية قام بها على الرياض. وساعدت آخر المحاولات في فتح كوّة من خلال مؤتمر "سيدر"، ثم تبدّدت تلك الفرصة كما تبدّدت فرصة المبادرة الفرنسية في خطاب نصر الله الأخير.

يقول نصر الله إنّ الحكومة المقبلة تحتاج إلى أكتاف لتأخذ القرارات الصعبة، لكن ما يطرحه هو وجود "أكتاف" لأجندات متعدّدة داخل الحكومة، لتصبح اجتماعاتها مرآة لصراعات المنطقة وما فيها من شدّ حبال وتفاوض بالنار، من العراق واليمن وسوريا، وما المانع أن ينضم لبنان إلى الطاولة؟

ذاك هو التدويل الوحيد الذي يقبل به نصر الله: تدويل بالعدّة الإيرانية لتبقى بيروت واحدة من أوراق التفاوض بين طهران وإدارة بايدن.