أهل السنّة: الموت الصامت
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

أهل السنّة: الموت الصامت

قاسم يوسف - الخميس 15 تشرين الأول 2020

ثمّة لازمة يُصرّ سعد الحريري على سوقها دائمًا ضمن الأسباب الموجبة لتبرير خضوعه، وهي لازمة تعبّر عن واقع حقيقي وأزمة قائمة. لكنّ المشكلة تكمن في طريقة استخدامها وهدفها، أي بين أن تُشكل درسًا وحافزًا قاطعًا للتماسك والحذر، وبين أن تؤسّس لسبات عميق وإحباط مستدام.

هو يريد أن يُذكّرنا على الدوام بجرحنا النازف في سوريا. بحالة السنّة الذين انتفضوا بوجه النظام، وقد تركهم العالم برمّته بين قتلى وجرحى ومشرّدين وثكالى. يسألنا بصيغة الإجابة كلما سنحت له الفرصة: ألم يتخلَّ الجميع عن الشعب السوري بعد أن ذبحوا وحوصروا وتشتتوا في أصقاع الأرض؟ ماذا فعل الملوك والرؤساء العرب تجاه قضيتهم سوى المواقف الكلامية، بينما يمدّون أيديهم اليوم لمصافحة بشار الأسد؟

إقرأ أيضاً: سعد الحريري بنسخته الجديدة يتجاهل الطائف

ثم ما يلبث أن يربط هذه الحقيقة القاسية بسلوك سياسي غائر في منطق الهزيمة. وهنا تمامًا تقع الكارثة. حيث إنّ تبريره لمنطقه التسووي بات ينعكس بشكل مباشر على طائفة بكاملها، بل ويؤثّر على نحوٍ مكّثف وعميق في معنوياتها وطريقة تفكيرها وإدراكها الجماعي، وكأنّه يريد لنا أن نستسيغ الدرس الذي يُراد لنا أن نستسيغه، مرّة عبر الهمجية والوحشية الفاقعة التي اعتمدها النظام السوري أسلوبًا فظيعًا للإخضاع والترهيب، ومرّات عبر إيران وأذرعها وأدواتها الذين أخبرونا بأن يدهم هي الطولى، وأنّنا سنبقى جالية يتيمة، بائسة يائسة، تتخبّط في هذا الشرق الحزين.  

من قال إنّنا نحن "المزايدين" نسعى إلى نزاع مسلّح. كلّ ما شكونا منه وطمحنا إليه، هو كأس من الشجاعة في حماية صلاحيات رئاسة الحكومة لما تحقّقه من توازن في أداء النظام، قبل حماية طائفية رئيسها أو حاجات بيئته من انهيار في المعنويات. وكأس آخر من الصلابة تجعل حَمَلَة السلاح يحسبون للموقف السياسي حساباً

يساهم سعد الحريري، من حيث يدري أو لا يدري، في ترسيخ الانطباع العام الذي يريده هؤلاء، والانطباع هنا أقوى من الحقيقة وأشدّ منها فتكًا وتأثيرًا، لأنّ الهزيمة الكاملة هي أن نُهزم في ذواتنا، وأن نشعر بأنّها قدرنا الناجز ومصيرنا اللعين، وأنّنا غير قادرين على الصمود ولا على التصدّي ولا على الانتصار، وأنّنا كما ملايين السنّة في سوريا، متروكون لمصيرنا، وسنُذبح في الطرقات، ونتشرّد في أصقاع الأرض، وسنتذوّق كل مرارات الدنيا إذا تجرأنا على الرفض أو المقاومة، ولا سبيل أمامنا إلا الرضوخ والاستسلام.

يظنّ الرجل أنّ تبريره هذا قد يحدّ من حجم الامتعاض الجماعي جرّاء سياساته المربكة، لكنّه ينسى، أو يتناسى، أنّ السوريين الذين خرجوا إلى التقاط حريتهم وكرامتهم، كانوا أكثر منا خوفًا ورعبًا، وقد شعروا يومذاك بأنهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يرتضوا الذلّ والمهانة والهوان، وأن يموتوا بصمت صباح كلّ يوم، وإما أن ينتفضوا ويقاتلوا حتّى الرمق الأخير. وكان أن اختاروا ما اختاروه بلا تردّد.

لم يلحظ الحريري في مطالعته أنّ ثوار سوريا هزموا النظام القاتل والمجرم والأقلّي مرتين. في الأولى جاءت الميليشيات الإيرانية من لبنان وباكستان وأفغانستان، وربما العراق، محقّقةً للنظام بقاءً مؤقتاً انتهى مفعوله في العام 2015، وكانت مسألة أسابيع لسقوط النظام، لولا نجدة روسيا بطيرانها وأسلحتها المتطوّرة وصرامة تدابيرها العسكرية، لتبقي النظام الجائر على قيد الحياة سنواتٍ خمساً أخرى.

أين المقارنة؟

إلا إذا كان المقصود إهانة الثورة السورية الشريفة "وسنّيتها" المشرّدة. ومن قال إنّنا نحن "المزايدين" نسعى إلى نزاع مسلّح. كلّ ما شكونا منه وطمحنا إليه، هو كأس من الشجاعة في حماية صلاحيات رئاسة الحكومة لما تحقّقه من توازن في أداء النظام، قبل حماية طائفية رئيسها أو حاجات بيئته من انهيار في المعنويات. وكأس آخر من الصلابة تجعل حَمَلَة السلاح يحسبون للموقف السياسي حساباً، لم نصادفه منذ العام 2009 حتى الأمس القريب.

وإلى جانب الكأسين، فنجانُ قهوةٍ عربيةٍ من الصدام السياسي، يعيد قليلاً من الثقة إلى جمهور رفيق الحريري، بأنّ لدى من يمثّلهم حجم فنجان من القدرة على المواجهة السياسية.

الأوضاع المتردّية باتت تطاول الجميع دون استثناء، لكن ثمّة من يقول إن الدروز لن يجوعوا والمختارة موجودة. وكذلك هي الحال بالنسبة للجميع. وحدهم السنّة يموتون بصمت

وأيضاً وأيضاً، لبنان ليس سوريا. ولن يتفرّج اللبنانيون على رمز عروبتهم الحديثة وليس البالية، طالما أنّ لديهم بطريركهم الماروني ومطرانهم الأرثوذكسي وملايين الأحرار في الداخل وفي دول الانتشار ينتصرون لهم في لعبة طائفية مهما ضاقت حدودها لا تستطيع إلغاء أيّ من طوائفها الأخرى. فكيف إذا كان عنواننا "لبنان أولاً" الذي أطلقه الحريري ونسيَ فوائده؟

ولماذا يستطيع وليد جنبلاط، زعيم الأقليّة التاريخية في تأسيس لبنان، أن يدخل ويخرج بشكل "روتيني" إلى المواجهة السياسية مع السلاح الإيراني وكأنّها لم تحدث، وإلى المصالحة وكأنّها لم تتحقّق، بينما أنتَ، بعظمة الرصيد الذي أضعته والعدد والمدد الذي لا تعرفه، لا تجيد الاشتباك إلا مع حلفائك، ولو كانوا مفترضين ومخيّبين لآمالك في طاعتهم لكَ.

لكن بعيدًا من كلّ هذا. هل يدرك سعد الحريري أن سنّة لبنان يموتون بصمت. ينزفون بصمت. هل بلغه أنّ الكثرة الكاثرة من المناطق والقرى السنية باتت تعاني من أزمات غير مسبوقة على الإطلاق؟ هل وصل إلى مسامعه أنّ قوارب الموت باتت تُقلع كلّ يوم من طرابلس، أفقر مدينة على ضفاف المتوسط، لتحطّ رحالها غارقة بأهلها في عرض البحر؟ ما الفارق بين موت كهذا وبين الموت الذي تُحذّرنا منه يا دولة الرئيس؟ وألم يكن من الأجدى أن تسارع ومعك رؤساء الحكومات إلى زيارة أهالي المفجوعين وإلى بلسمة جراحهم وإلى رفع الصوت عاليًا عبر كلّ المنابر إزاء هذه الفاجعة الموصوفة، بدل التلهّي بتبرير قراءتك السياسية عبر إحباط الناس وترهيبهم وتركهم ليموتوا بصمت وكأنّهم حفنة من رماد أو غبار؟

لو أنّ عائلة مغتربة في إفريقيا أصابها الموت في حادث ما، لا سمح الله، لفُتحت صالونات الشرف في المطار لاستقبال النوّاب والوزراء والشخصيات الحزبية، ولبقي لبنان كلّه يتفرّج يومياً على التفجّع والندب من أجل عائلة ربما تستحق أكثر من ذلك. ولو أنّ مغترباً في الغرب قضى نحبه في عزّ شبابه في حادثة ما لعاش اللبنانيون أياماً مع حزن أهله وقريته ونوّابهم ووزرائهم وشخصياتهم العامة أيضاً. إلا نحن كتب لنا منذ عشر سنوات أن نموت بصمت. ولو كان الغائبون عنا ماتوا غرقاً في سبيل لقمة عيش أقلّ من عادية يفترضون أنّهم سيجدونها في أقرب مرفأ، هاربين من الجوع والفقر والعوز.

صحيحٌ أن الأوضاع المتردّية باتت تطاول الجميع دون استثناء، لكن ثمّة من يقول إن الدروز لن يجوعوا والمختارة موجودة. وكذلك هي الحال بالنسبة للجميع. وحدهم السنّة يموتون بصمت. يغرقون بصمت. لا أحد يسأل عنهم أو يهتمّ لحالهم. المهمّ أن يخضعوا ويستسلموا ويصمتوا، حتى لا يصير حالهم كحال السنة في سوريا.

إن كان لا بدّ من الردّ على كلامك يا دولة الرئيس، فنقول، التسوية التي لا تضمن الحقوق استسلام، والاعتدال الذي لا يحفظ الكرامة خضوع.