فشل مدوٍّ لـ"الدعم": التضخم 120% في 8 أشهر
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

فشل مدوٍّ لـ"الدعم": التضخم 120% في 8 أشهر

علي نور - الخميس 15 تشرين الأول 2020

يبدو أنّ سياسة الدعم قد فشلت فشلاً مدوّياً. فتضخّم أسعار المواد الغذائية وغيرها، قارب 120 % في 8 أشهر، رغم "السلّة الغذائية" والدعم الذي يقدّمه مصرف لبنان لعدد كبير من السلع الأساسية.

تقدّم الإدارة المركزيّة للإحصاء في لبنان بيانات دوريّة تتعلّق بالتضخّم، الذي يعبّر عن متوسّط نسبة ارتفاع الأسعار في جميع القطاعات الاقتصاديّة والاستهلاكيّة الأساسيّة التي تُعنى بمعيشة المواطن. وعمليّاً، لا تقتصر هذه البيانات على تقديم نسبة التضخّم الإجماليّة في البلاد، بل تضم أيضاً نسبة ارتفاع الأسعار في كل من القطاعات الأساسيّة على حدة، وهو ما يُعطي فكرة شاملة عن شكل ظاهرة الغلاء التي باتت تقضم من قدرة المواطنين الشرائيّة، وتدفع بالمزيد منهم إلى ما دون خطّ الفقر.

إقرأ أيضاً: رفع الدعم التدريجي: وقائع فقر مرعبة خلال 6 أشهر

تعكس هذه الأرقام نسب صادمة للمستوى الجنوني الذي بلغته الأسعار في لبنان. فمنذ بداية السنة وحتّى نهاية شهر آب الماضي، بلغت نسبة التضخّم الإجماليّة مستوى 120% في ثمانية أشهر فقط، مقارنةً بنحو 11.4% فقط في شهر شباط، و17.5% في شهر آذار، و112.4% في شهر تموز. باختصار، تسير نسبة التضخّم منذ بداية السنة في مسار تصاعدي قاسٍ وغير مسبوق، وهو ما بات ينذر بتداعيات اجتماعيّة خطيرة نتيجة تآكل قيمة أجور اللبنانيين. وإذا أخذنا على سبيل المثال نسبة الـ 120% التي جرى تسجيلها كمعدّل تضخّم حتّى نهاية شهر آب، فهي تعني ببساطة أن ما كان يمكن شراؤه بقيمة 100 ألف ليرة في بداية السنة، بات يسعّر في شهر آب بحوالي 220 ألف ليرة، بينما لم تشهد أجور اللبنانيين بين الفترتين أي تصحيح أو تعديل.

استمرار الارتفاع المضطرد، في جميع الأشهر، بنسبة تضخّم أسعار المواد الغذائيّة، يعكس فشل الإجراءات كلّها، التي جرى اتّخاذها خلال الفترة الماضية لدعم استيراد هذه السلع، من قبيل السلّة الغذائيّة المدعومة التي أعلن عنها وزير الإقتصاد مثلاً

أمّا أخطر ما في المسألة، فهو طبيعة القطاعات الإقتصاديّة التي قادت هذا الإرتفاع الجنوني. فمتوسّط أسعار المواد الغذائيّة والمشروبات غير الكحوليّة وحدها مثلاً سجّلت ارتفاعاً مخيفاً بنسبة 168% بين بداية السنة وشهر آب، وهو ما يعني أن كلفة مجموعة من السلع الغذائيّة التي كان تسعّر بنحو 100 ألف ليرة في بداية السنة، باتت تكلّف اليوم حوالي 268 ألف ليرة.

واستمرار الارتفاع المضطرد، في جميع الأشهر، بنسبة تضخّم أسعار المواد الغذائيّة، يعكس فشل الإجراءات كلّها، التي جرى اتّخاذها خلال الفترة الماضية لدعم استيراد هذه السلع، من قبيل السلّة الغذائيّة المدعومة التي أعلن عنها وزير الإقتصاد مثلاً. ومن ناحية أخرى، يعكس اعتماد البلاد الشديد على الإستيراد لتوفير الإكتفاء الغذائي، وتأثّر أسعار هذه السلع بتقلّبات سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي، وهو ما يفتح الباب أمام السؤال عن الإجراءات التي كان يُفترض أن تتخذ خلال الفترة الماضية لقلب المعادلة وتعزيز الإنتاج المحلّي الزراعي، لتقليص أثر الأزمة الماليّة على الأمن الغذائي للبلاد.

بعض السلع، شهدت نسباً أعلى، منها المفروشات التي ارتفعت أسعارها بنسبة 242% منذ بداية السنة، ومنها المشروبات الكحوليّة والتبغ بنسبة 208% خلال الفترة نفسها. أمّا الملبوسات فارتفعت 200% أي أن أسعارها تضاعفت عملياً بنحو ثلاث مرّات.

لهذا تقلّص حجم البضائع المستوردة حتّى شهر تموز من هذا العام بنحو 50% مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، بحسب أرقام الجمارك اللبنانيّة. بمعنى آخر، نتج عن كل هذه التطوّرات تحوّل كبير في نمط حياة اللبنانيين ومستوى استهلاكهم للسلع المستوردة، كنتيجة لتدني قدرة أجورهم الشرائيّة مقارنة بأسعار السلع.

يمكن القول إن بلوغ التضخّم مستوى 120% لا يعني سوى خسارة اللبنانيّين لما يقارب 55% من قدرتهم الشرائيّة، وهو ما يفسّر اليوم بلوغ نسبة اللبنانيين القابعين تحت خطّ الفقر مستوى 45%، بحسب أرقام البنك الدولي

في المقابل، لم تشهد بعض القطاعات الأخرى المستوى نفسه من زيادة الأسعار، وهو ما حدّ من ارتفاع مستوى التضخّم العام. فكلفة الإنفاق على الصحّة لم يرتفع مثلاً سوى بنسبة 6.54%، بسبب ثبات كلفة الدواء والمستلزمات الطبيّة بفعل دعم استيرادهما حاليّاً من قبل مصرف لبنان وفقاً لسعر الصرف الرسمي. مع العلم أن هذه النسبة سترتفع حكماً خلال الفترة، أولاً بسبب الإتجاه إلى ترشيد أو رفع الدعم عن الدواء نتيجة استنزاف احتياطات المصرف المركزي بالدولار، وثانياً بسبب اتجاه عدد من المستشفيات إلى تعديل تسعيرتها أو سعر الصرف الذي تعتمده عند تقاضي أتعابها بالليرة اللبنانيّة.

كما حافظت أسعار الإيجارات على مستوى محدود من الزيادة، إذ بلغت نسبة ارتفاعها مستوى 4.5%، فيما ارتفعت كلفة الخدمات السكنيّة (أي الكهرباء والماء والغاز) بنسبة 3 % فقط. أمّا سبب محدوديّة هذا الارتفاع، فهو عدم مجاراة كلفة الخدمات التي تتقاضاها الدولة لارتفاع الأسعار في الأسواق، فيما ترتبط كلفة الإيجارات القائمة حاليّاً بعقود غالباً ما يتم توقيعها لفترات تتخطّى السنة، وهو ما يؤخّر حالياً ارتفاع كلفة الإيجارات بالتوازي مع ارتفاع أسعار السوق.

في الخلاصة، يمكن القول إن بلوغ التضخّم مستوى 120% لا يعني سوى خسارة اللبنانيّين لما يقارب 55% من قدرتهم الشرائيّة، وهو ما يفسّر اليوم بلوغ نسبة اللبنانيين القابعين تحت خطّ الفقر مستوى 45%، بحسب أرقام البنك الدولي. وفي كل الحالات، لا يمكن توقّع انفراجة ما لكل أزمة الإرتفاع القياسي في أسعار السوق قبل معالجة أزمة تهاوي سعر الصرف، المرتبطة بدورها بأزمة تدفّق السيولة بالعملات الأجنبيّة من الخارج. أما معالجة كل هذه الأزمات، فلا يمكن أن تبدأ دون خطّة إصلاح مالي شاملة، بحكومة قادرة على صياغتها واتخاذ القرارات الكفيلة بتنفيذها.