للمرة الألف: الرباعي يقدّم انتصارًا مجانيًا للحزب..
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

للمرة الألف: الرباعي يقدّم انتصارًا مجانيًا للحزب..

قاسم يوسف - السبت 05 أيلول 2020

ظنّ الراحل الكبير الملك عبد الله بن عبد العزيز أنّ جلسة ودّية تغسل القلوب بين سعد الحريري وبشار الأسد قد تصلح لإعادة وصل ما انقطع بين لبنان وسوريا عقب شطب رفيق الحريري، فإذ بها تُقدّم انتصارًا مجانيًا للنظام ولحلفائه الذين تجاسروا على حُسن النيات، وحوّلوها إلى فرصة ذهبية لنسف الاتهام المركزي ولتشويه صورة المحكمة الدولية ولتفريغ الخطاب السياسي والأخلاقي من مضمونه المؤثر والوازن، وصولاً إلى اسقاط سعد الحريري ورفض عودته إلى رئاسة الحكومة وقطع تذكرة نفيه السياسي، تحت عنوان أنّه "رجل كسول لا يريد أن يعمل". 

إقرأ أيضاً: نواف سلام: ميزان استعادة رئاسة الحكومة

هو محور يحترف المناورات ويبرع في شراء الوقت. ينحني متى هبّت العاصفة، ثم ما يلبث أن ينقضّ على فريسته غير آبه بأيّ اتفاقات أو عهود أو مواثيق. جرّبنا ذلك يوم وعدنا الأمين العام لحزب الله بصيف هادئ يزخر بتدفّق السياح، وإذ به صيف مشتعل وكارثي، دمّر نصف البلد في تموز 2006، لكنه أعاد خلط الأوراق الداخلية والإقليمية لمصلحة المحور الممتدّ من شواطئ الناقورة إلى قلب طهران.

اليوم يلعب حزب الله اللعبة نفسها، ولو على نحوٍ مغاير وبطرق مختلفة. فهو قرّر أن يتماهى مع المسعى الفرنسي باعتباره طوق نجاته قبل الارتطام الكبير، لا سيما في غمرة الضغوط القصوى التي تمارسها واشنطن على إيران وحلفائها وأذرعها وأدواتها في المنطقة

جرّبنا ذلك أيضًا في جلسات الحوار الفلكلورية وفي البحث العقيم حول الاستراتيجية الدفاعية، وجرّبناه أيضًا وأيضًا يوم نفض حزب الله يده من إعلان بعبدا بعد التوقيع عليه. وبدل الحياد والنأي بالنفس، انغمس الحزب عسكريًا في عمق الساحات العربية، وتحوّل خطابه من حماية المراقد إلى حتمية المواجهة المفتوحة التي راحت تتمدّد من القصير والزبداني إلى أرياف دمشق وحمص وإدلب وحلب وصولاً إلى صنعاء. وحين كنّا نذكّره بمضمون الإعلان الذي وافق عليه، كان يردّ علينا بالاستهزاء وبسوق الاتهامات التي تبدأ بالعمالة ولا تنتهي بالدعوات المباشرة إلى تحسّس الرقاب.

اليوم يلعب حزب الله اللعبة نفسها، ولو على نحوٍ مغاير وبطرق مختلفة. فهو قرّر أن يتماهى مع المسعى الفرنسي باعتباره طوق نجاته قبل الارتطام الكبير، لا سيما في غمرة الضغوط القصوى التي تمارسها واشنطن على إيران وحلفائها وأذرعها وأدواتها في المنطقة، وفي خضّم العاصفة التي هبّت بوجهه وبوجه الطبقة السياسية والأمر الواقع، توازيًا مع ارتفاع جنوني للدولار، وتردّي الوضع الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة، ومع انفجار رهيب دمّر نصف بيروت ومرفأها، وأصاب نصفها الآخر بندبات لا تندمل.

يريد حزب الله أن يشتري الوقت وأن يمرّر المرحلة بأخفّ الأضرار، وهو مستعد أن يقطع أيّ وعود من شأنها تهدئة الساحة المحلية بانتظار تبلور المشهد الدولي والاقليمي. لكن ذلك لن يُغيّر قيد أنملة في مشروعه واستراتيجياته وحتى سلوكه، بل سيمنحه الأوكسجين المجاني لإعادة ضبط الأمور على النحو الذي يريده ويشتهيه، بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت.

مشكور هو الرئيس الفرنسي على عاطفته ومحبته، ونحن لا نشكّك أبدًا بحرصه المستفيض على لبنان وموقعه ورسالته، لكنّ أهل مكة أدرى بشعابها، وروما التي ينظر إليها الزائر الوسيم من فوق لا تشبه روما التي نعيش فيها ونعرفها، ونعرف كيف يمسك حزب الله بها وبكل مفاصلها الحيوية.

للمرة الألف يهزمهم حزب الله بالطريقة نفسها، وهم في كلّ مرة يكررون وعلى رأسهم الحريري المعزوفة الممجوجة: فعلنا ذلك كرمى لعيون البلد

سلك ماكرون المسلك نفسه الذي سلكه الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. هو يريد أن يحلّ مشكلتنا الوجودية المستعصية ببعض الحلول الشكلية التي تعيد إنعاش الواقع القائم، وهو بذلك، من حيث يدري أو لا يدري، منح انتصارًا موصوفًا لحزب الله، وقدّم لميشال عون تلك القشّة التي تحول دون غرقه الأكيد بعد أربع سنوات من التخبّط والارتباك والانهيار. لكن الأكثر خطورة تمثّل في الإجهاز الكامل على ما تبقّى من القوى السيادية المترهّلة، وعلى فعاليتهم وماء وجوههم، وألزمهم بمسار سياسي لن يُفضي في نهاية المطاف إلا لتعويم حزب الله وحلفائه على حسابهم وحساب لبنان.

لكنّ هذا كله، رغم فداحته وكارثيته، قد يكون مفهومًا ومستساغًا في لعبة الضغوط الشخصية التي خضع لها سعد الحريري ووليد جنبلاط وتمايز عنهما سمير جعجع. لكن من غير المفهوم أن يُقدم رؤساء الحكومات على الاندماج المجاني في تغطية من هذا النوع، وهي تغطية جنونية توازي الانتحار السياسي الموصوف، لمجموعة لا يُشكّل رفضها أو حيادها أيّ تأثير مدمّر على المسعى الفرنسي القائم، بينما تمنح موافقتها صكوك البراءة والشرعية والتبنّي. وهذه كبوة تتجاوز كلّ كبوة. وهم لا شك سيندمون عليها ندمًا عظيمًا، ويومذاك لن ينفع الندم.

للمرة الألف يهزمهم حزب الله بالطريقة نفسها، وهم في كلّ مرة يكررون وعلى رأسهم الحريري المعزوفة الممجوجة: فعلنا ذلك كرمى لعيون البلد. قبل أن نعود وندرك أننا سُحقنا وسُحق معنا كلّ شيء في البلد. لكننا لن نستسلم لا لرباعيتهم ولا لحزب لا يملّون من الاندفاع لكسب ودّه. مجاناً للمرة الألف.