"وادي الصراخ" بين السويداء وإدلب
رئيس التحرير: زياد عيتاني | مدير التحرير: محمد بركات | سكرتير التحرير: هشام عليوان

"وادي الصراخ" بين السويداء وإدلب

ماهر شرف الدين - الأربعاء 10 حزيران 2020

لا وجود لسوري واحد لم يسمع بـ"وادي الصراخ". لأنه لا وجود لسوري واحد لم تكن قضية الجولان بالنسبة إليه قضيةً وطنيةً عاطفيةً مرتبطةً بوجدانه الشخصي قدر ارتباطها بالوجدان السوري العام.

فمنذ سبعينيات القرن الفائت، أُطلق مُسمَّى "وادي الصراخ" على نقطةٍ تفصل بين أرض الجولان المحتلّ والأرض السورية الأمّ، وفيها كان يقف أهل القرى المحتلَّة على ضفَّةٍ وأقاربهم على الضفَّة المقابلة، ليتبادلوا التحايا وكلمات التشجيع عبر مكبّرات الصوت.

والحقّ أن ما أعادني إلى ذلك المصطلح، أو بالأحرى ما أعاده إلى ذاكرتي، هو تلك التحيَّة التي تبادلتها مدينة السويداء – التي انتفضت مجدَّداً في الأيام الأخيرة ضدَّ نظام الأسد - مع بقية المدن السورية الثائرة. حيث هتف متظاهرو السويداء للمدن السورية بأسمائها، فقامت تلك المدن بالهتاف للسويداء باسمها.

إقرأ أيضاً: سوريا: الحرب "الثرية" والسلْم المفلس

وخصوصية تلك التحية بين السويداء وبقية المدن السورية شديدةٌ جداً، ومختلفةٌ أيضاً عن تبادل التحية بين حمص ودير الزور مثلاً، أو بين إدلب وحماة، أو بين درعا وحلب. وسبب تلك الخصوصية – كما لا يخفى على كلّ من شهدَ فصول الثورة المدنية السورية التي حوَّلها النظام إلى اقتتال طائفي - أن تبادل التحية هنا يتمّ بين مدينة "درزية" ومدن "سنّية" جرَّب النظام كلَّ الأساليب الاستخباراتية القذرة للإيقاع بينها وللحيلولة دون تواصلها معاً.

فقد بدأت مشاركة السويداء بالمظاهرات والاعتصامات باكراً جداً (نفَّذ محامو السويداء أوَّل اعتصام بتاريخ 28 آذار 2011)، ولكنها سرعان ما خفتت بعدما بدأ النظام ألعابه الطائفية. وشخصياً أعتبر بأنَّ فيديو "الشيخ" (المخابراتي) عبد السلام الخليلي الذي شتمَ فيه أعراض الدروز ورموزهم من على منبر مسجد في درعا، في الأيام الأولى للثورة، كان له الأثر الأكبر في فتور شريحة واسعة من أبناء السويداء، خصوصاً أن النظام وأعوانه نجحوا في تعميم الفيديو بشكل لا مثيل له بين الناس.

مع ذلك ظلَّت المظاهرات تخرج، ولكن بشكل متقطَّع، وتبعاً لقوَّة الحدث (بلغت ذروتها بعد اغتيال الشيخ وحيد البلعوس ورفاقه سنة 2015).

أعطى هذا "الاستئناف" الثوري، الذي صنعته مظاهرات السويداء، زخماً كبيراً لاستئناف روح الوحدة الوطنية بين المناطق السورية

وقد سبق لي أن أطلقتُ على ذلك الحراك المتقطّع مُسمَّى "الهبَّات"، تيمُّناً بانتفاضة سنة 2000، المعروفة شعبياً بمُسمَّى "هبَّة السويداء"، والتي استُشهد وجُرح خلالها العشرات من شباب الجبل، ولم تنتهِ إلا بعدما احتلَّت الدبَّابات شوارع السويداء ومداخلها، وقد كانت أوَّل انتفاضة شعبية في عهد بشار الأسد، وقد حصلت بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى الحكم. وبسببها – لمن يذكر - اختار بشار الأسد زيارة السويداء حصراً سنة 2011 بعد اشتعال الثورة في تونس، ظنَّاً منه بأن الثورة ستنطلق من "جبل الدروز" ذي التاريخ المشهود له في الثورات المسلَّحة ضدَّ العثمانيين وإبراهيم باشا المصري والفرنسيين، وصولاً إلى أديب الشيشكلي.

ولأننا لسنا في وارد أيّ سرد تاريخي، بل ولسنا في صدد تحليل أسباب مشاركة أو عدم مشاركة دروز سوريا في الثورة الحالية، فيمكننا الاكتفاء بتثبيت النقطة الأهمّ في ذلك كلّه، والمقصود موقف السويداء بالامتناع عن إرسال أبنائها إلى جيش النظام (حوالى 50 ألف شاب رافض للخدمة العسكرية). هذا الموقف الذي جلب لها الويلات؛ من اغتيالاتٍ طالت بعض رموزها، وتشكيل عصابات خطف روَّعت المحافظة بأَسْرها، إضافةً إلى الهجوم الدموي لـ"داعش" على قُراها الشرقية (25 تمّوز 2018) بعدما تمَّ نقل ألف عنصر من التنظيم، بموجب صفقة رعاها الروس، من جنوبي دمشق إلى بادية السويداء بباصات النظام وشاحناته.

لذلك أعطى هذا "الاستئناف" الثوري، الذي صنعته مظاهرات السويداء، زخماً كبيراً لاستئناف روح الوحدة الوطنية بين المناطق السورية، خصوصاً حين تمَّت ملاقاته من إدلب التي ترزح تحت حكم "جبهة النصرة"، لتتبادل مدينتان سوريَّتان، من على ضفَّتَي الاستبداد، التحيَّةَ... رادمتَيْن بذلك "وادي الصراخ" الذي حفره نظام الأسد بالتفرقة الطائفية.