طرابلس: الموت بالكورونا أهون من الموت جوعاً

طرابلس: الموت بالكورونا أهون من الموت جوعاً

نسرين مرعب - الخميس 02 نيسان 2020

 منذ أيام شاهدت الازدحام في أسواق طرابلس، مدينتي، عبر ما نقله ناشطون فيسبوكيون. وكنت ما أزال ملتزمة بالحجر الطوعي منذ بدء التعبئة العامة. الحجر الذي خرجت منه أمس الأوّل لزيارة طارئة إلى طبيب الأسنان، فكانت المفاجأة زحمات سير أكثر مما نقله الناشطون، واكتظاظ بشري سواء في سوق الخضار أم على أبواب المصارف أو في الشوارع.

"الحياة في طرابلس طبيعية". هذا هو الانطباع الأوّل. طبيعية، كما لو أن لا كورونا. فالفقراء يكافحون للعيش حتّى في زمن الكورونا. أما للمصارف فقصّة أخرى.

إقرأ أيضاً: "عسكرة كورونا"... خيار غير قابل للتطبيق؟

البداية من سوق الخضار. زحمة سير خانقة على جانبه. مواطنون يتوافدون إلى داخله وآخرون يخرجون محمّلين بالأكياس. بعضهم يضع الكمامات وبعضهم يتجاهل وضعها. بعضهم لا يملك حتّى ثمن كمّامة.

"السوق لا يمكن إغلاقه. الناس هنا تعمل باليومية. وبالتالي من لا يعمل لا يأكل"، بهذه العبارة يلخصّ أبو فواز الصورة لـ"أساس"، وهو الذي يعمل منذ سنوات في بيع الخضار والفواكه في سوق الجملة.

أبو فواز يعيل زوجة وطفلين، ووالديه اللذين يسكنان معهم في البيت نفسه. يتحدّث عن تنظيم بلدية طرابلس، بالتعاون مع نقيب تجار الخضار بالجملة والمفرق، عزام شعبو، هذا القطاع بعد انتشار فيديوهات عن الاكتظاظ في السوق: "بات هناك إجراءات وقائية عند الازدحام، وتعقيم للبسطات والمحلات. والأكيد أنّ ضرر إغلاق هذا السوق أكبر من ضرر فتحه".

سوق الخضار لا يُطعم فقط بائعيه ورواده، بل هناك قصص أخرى تختبئ تحت أجنحة الليل. وهي قصص الفقراء الذين يسكنون في أروقته. فهؤلاء يقصدونه بصمت كل مساء ليأخذوا نصيبهم من الخضار والفواكه التي تركها لهم الباعة على البسطات. رزقٌ ترك لهم ليأخذوه بعيداً عن عيون الكاميرات والإعلام.
وبحسب أبو فواز فهذه الفئة من الناس ستضرر أيضاً من الإقفال.

عمر، الذي يرفض نشر اسمه كاملاً لأنّه يخالف القانون، يأتي من باب التبانة ليعمل في سوبرماكت تفتح طوال الليل، من الثامنة مساءً حتّى الثامنة صباحاً: "إذا اشتغلت فاحتمال إصابتي بالكورونا 50 %، وإذا صار معي فيروس احتمال موتي 2 %، أما إذا لم اشتغل فاحتمال موتي أنا وعيلتي 100%". هذه هي الحسبة التي يحاول عمر إقناعنا بها.

"لا يوجد بديل" يقول عمر لـ"أساس". هو الذي بقي عاطلاً عن العمل لمدة عام قبل أن يُصادف هذا العمل الذي أصبح أشبه بطوق نجاة ينقذه وعائلته في هذه الظروف الاقتصادية الخانقة.


زحمة سير في طرابلس

 

كما في سوق الخضار، كذلك في سوق العطّارين. الحياة طبيعية ومزدحمة. وكذلك المناطق الشعبية في طرابلس. فالمواطنون الذي يبحثون عن لقمة العيش لا تخيفهم الكورونا، ما جعلهم يخرجون ليل أمس في مسيرة تنديداً منهم بسياسة الحكومة والضيق الاقتصادي، مسيرة تعمّدوا الانطلاق بها في وقت حظر التجوّل، من شارع ساحة السمك في منطقة الميناء، وصولاً إلى البوابة، وحي الزراعة فبور سعيد فالسنترال، فيما ذهب البعض منهم إلى أمام دارة مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار. المتظاهرون رفعوا الصوت وتواجهوا مع عناصر الجيش اللبناني، لا تمرّداً وإنّما خوفاً. علّ رسالتهم تصل، وهي أنّ الطرابلسي عالق اليوم بين موتين، أو جوعاً أو بالوباء.

أما للمصارف فقصّة مختلفة. معظمها يذلّ المواطنين، فأحد المصارف في طرابلس يقفل ماكينات السحب الآلي بعد الثانية ظهراً، لأسباب غير قانونية. فيزدحم المواطنون منذ الصباح الباكر ليسحبوا ما تيسّر من رواتبهم. لا مسافة تباعد آمنة، ولا رحمة من قبل إدارات المصارف: "بدهم يذلونا"، تقول مسنّة واقفة في الصف بانتظار وصول دورها.

يتفهّم المصدر الأمني معاناة الناس وسعي البحث وراء لقمة العيش في كسر قرارات منع التجوّل

عند سؤاله عن الازدحام في الشوارع والأسواق والمصارف، يقول مصدر أمني لـ"أساس" إنّ "العناصر لا قدرة لها على تغطية كلّ لبنان، فالوحدات تتنقل وتتحرّك في نقاط مختلفة، ولا يمكنها البقاء في مكان ثابت. والعناصر يقومون بواجباتهم وبمبادرات لإبعاد الناس وتوعيتهم. وها نحن ننتقل من مصرف إلى مصرف".

يتفهّم المصدر الأمني معاناة الناس وسعي البحث وراء لقمة العيش في كسر قرارات منع التجوّل. ويتحدث عن أنّ طرابلس ليست اسثناءً، بل لبنان كلّه بدأ يشهد تفلّتاً من الحجر المنزلي الطوعي.

الرئيس السابق لـ"الجمعية اللبنانية للأمراض الجرثومية"، الدكتور زاهي الحلو، يدقّ ناقوس الخطر عبر "أساس"، ويحذّر من أنّ "الانعكاسات ستكون سلبية في الأيام المقبلة"، متخوّفاً من أنّ المرحلة المقبلة ستكون "الأصعب.. وقد لا تتّسع المستشفيات للمصابين، خصوصاً في حال عاد آلاف المغتربين من بلاد موبوءة".