عيد الفطر: مسارات “الاضطراب” العربي..

2024-04-08

عيد الفطر: مسارات “الاضطراب” العربي..

يدخل علينا عيد الفطر المبارك بعد ساعات. الفرحة الحقيقية غائبة من على شفاه الحكّام والأنظمة والشعوب في المنطقة. مخاوف الخطر والأزمات والصراعات تغطّي للأسف على إشراقة أيّ شمس للأمل. المحلّل المحايد والمراقب الموضوعي، يمكن أن يرصد تفاصيل مشهد العالم العربي والمنطقة التي نحياها هذه الأيام، هي للأسف مقلقة محبطة تبعث على الذعر من المستقبل القريب.

 

خارطة الوضع العربي

يمكن تحديد صورة المنطقة على  أبواب عيد الفطر على النحو التالي:

1- السودان: تقف “دارفور” لكي تسجّل أقسى مجاعة في العالم حسب تقرير الأمم المتحدة، مهدّدةً 250 ألف سوداني بالموت. وما زالت العمليات العسكرية تشتعل دون أيّ أمل في تسوية سياسية بين الجيش وقوات الدعم السريع.

2- الأردن: مؤامرة واضحة تتدخّل فيها إيران والإخوان وحماس، بهدف إسقاط أو هزّ العرش الهاشمي في الوقت الذي يسعى فيه اليمين الديني الإسرائيلي إلى تنفيذ مشروع الأردن الوطن البديل للفلسطينيين.

3- المغرب: هناك طابور خامس يتآمر على الملكية في المغرب. يروّج شائعات عن خلاف حول وراثة العرش المغربي بين وليّ العهد الشابّ ومولاي رشيد. في الوقت ذاته تسوء أيّ احتمالات لتحسين ملفّ العلاقات مع الجزائر.

4- لبنان: تقف البلاد على حافتين. الحافة الأولى هي الدخول في حرب إقليمية، والحافة الثانية هي حافة إفلاس اقتصادي مؤكّد. وفي حال استخدام إيران للحزب بالردّ على إسرائيل لاغتيالها اللواء زاهدي في دمشق فإنّ المنطقة من الجنوب اللبناني حتى العاصمة بيروت في خطر تدمير كبير للبنية التحتية. ويمكن أن تكون الضربة القاضية لما بقي من “شتات الدولة”. ولا يبدو في الأفق أيّ تسوية سياسية للفراغ الرئاسي أو حكومة تصريف الأعمال أو التشرذم النيابي.

يدخل علينا عيد الفطر المبارك بعد ساعات الفرحة الحقيقية غائبة من على شفاه الحكّام والأنظمة والشعوب

5سوريا: سيطرة حكم الرئيس السوري على العاصمة وريف دمشق أصبحت مهزوزة بعدما استبيحت من إسرائيل بالضربات الممنهجة، وروسيا بالإدارة الأمنيّة، وإيران بالتواجد والتوسّع الطائفي والتمكّن العقاري. وما زالت تركيا والنصرة وداعش والأكراد والمخابرات العسكرية الأميركية يعبثون في البقية الباقية من الأراضي السورية. يقف النظام السوري بين معضلة التزاماته مع إيران ووكلائها من ناحية والوجود العسكري الروسي من ناحية أخرى. ويتردّد بأن يفي بتعهّداته لدول الخليج العربي بعدما حدثت عدّة مصالحات.

6- الجزائر: يحاول الرئيس عبد المجيد تبون تسويق فكرة الانتخابات الرئاسية المبكرة ومشروع زيارته الرسمية لفرنسا. في الوقت ذاته يسعى النظام إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاستمرار في إدارة ملفّ العلاقات المشدودة مع المغرب.

7تونس: تحاول الحكومة إنقاذ الوضع الاقتصادي الصعب، في الوقت الذي تواجه فيه 3 ملفّات خطرة:

أ-  ردّ فعل استمرار الأحكام القضائية ضدّ حزب النهضة الإسلامي، والقرارات الرئاسية ضدّ رموز الفساد الحكومي.

ب- خطر مجموعات المهاجرين غير الشرعيين الأفارقة الذين يسبّبون القلاقل والاضطرابات في مدن الساحل، وبالذات في صفاقس.

ج-  التهديدات الأمنيّة من تيّارات التطرّف الإرهابي على الحدود مع ليبيا، وتهديد بعض أنصارهم من الميليشيات الليبية للمدن التونسية.

8- الكويت: يواجه الأمير مشعل  الأحمد الجابر الصباح في بداية حكمه ملفّ العلاقة بين الحكومة والبرلمان. وخلاصة نتائج انتخابات البرلمان الجديد بدخول 22 وجهاً نيابياً جديداً واستمرار سطوة قوى المعارضة في المجلس. ويستمرّ ملفّ تسمية وليّ العهد الجديد. كمسألة خلافية داخل العائلة الحاكمة وتوازنات الشيوخ مع كبار العائلات التجارية والبرلمانية.

9- العراق: ما زال ملفّ العلاقات الملتبسة لحكومة محمد شياع السوداني مع واشنطن ومحاولة التوفيق في الوقت ذاته مع طهران مسألة شديدة الصعوبة. يصعب على الحكومة السيطرة على أيّ ردود فعل لقوى الحشد الشعبي الموالي لإيران في حال اتّساع نطاق المواجهة الإقليمية مع إسرائيل. وما زالت صعوبات العلاقة مع إقليم كردستان والخروقات العسكرية التركية للحدود والسيادة.

يدخل علينا عيد الفطر المبارك وعلى خدّه دمعة ممزوجة بالدماء تنعى أيّ مشروع للفرحة

10- مصر: تسعى الأجهزة في مصر جاهدة إلى السيطرة على كلّ التوتّرات والصراعات الخطرة لكلّ الدول الجارة لها من السودان في الجنوب إلى ليبيا في المغرب إلى إسرائيل في الشرق. ما زالت الأجهزة المصرية تحاول الوصول إلى السيطرة على الوضع المتفجّر في غزة من خلال الوساطة الدقيقة في ملفّ غزة. وما زال جنون نتنياهو تجاه التصعيد المنتظر في جنوب رفح ينذر بانفلات الأوضاع على الحدود المصرية. ويهدّد بنزوح كبير على معبر رفح، وهو ما تقاومه وترفضه القاهرة بقوّة.

عيد الفطر المبارك

3 مسارات تتصارع

يحدث ذلك في الوقت الذي تتصارع فيه 3 مسارات مع بعضها بذات القوة والتأثير:

– المسار الأوّل: مسار تسوية وإنقاذ الوضع: يقود هذا المسار واشنطن والاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن الدولي عبر إعطاء غطاء قويّ لفريق التفاوض التقني الأميركي – الإسرائيلي – القطري – المصري, ويضمّ هذا الفريق أعلى مستوى أمنيّ متوفّر لهذه الدول. أوّلهم ويليام بيرنز مدير الاستخبارات الأميركية صاحب نظرية الأبواب الخلفية للتفاوض التي عمّقها في كتابه الشهير. ثمّ رئيس الموساد الإسرائيلي الذي حصل بضغط شخصي من بايدن على نتنياهو بالسماح له باتّخاذ قرارات لحظية على طاولة التفاوض بعد أن أُذن له بتوسيع الصلاحيات بالاشتراك مع مديرَي مخابرات مصر وقطر اللذين يشكّلان جبهة التفاوض مع حماس (الدوحة) والقسام والجهاد (غزّة).

يهدف هذا المسار إلى هدنة سريعة تؤدّي إلى وقف إطلاق النار بمنع عملية جنوب رفح مع تبادل للأسرى والسماح بانتقال النازحين من رفح إلى وسط وشمال غزة. ويؤدّي هذا الاتفاق إلى دخول قوات سلام عربية من 4 دول تكوّن منطقة عازلة عن فضاء غزة مع بدء دخول المساعدات ودراسة الاحتياجات العاجلة.

هناك رغبة أميركية في أن تكون حكومة السلطة الفلسطينية الجديدة هي المشرفة إدارياً على مفاصل عملية الإدارة وإعادة الإعمار.

– المسار الثاني: هو مسار يُبقي الحال على حاله حتى الثلث الأخير من هذا العام.

ثلاثة مسارات تتصارع في ظلّ واقع عربي وإقليمي حجم التدهور المنتظر فيه أضعاف أضعاف حجم الأمل

هذا التوقيت يناسب جداً الحيّز الزمني لحكومة نتنياهو لأنّه يمكّنها من الاستمرار في ابتزاز إدارة بايدن التي ستظلّ رهينة سباق الانتخابات الرئاسية إلى حين تسمية الرئيس الجديد في تشرين الثاني من هذا العام.

هناك رفض شديد من جانب كلّ الأطراف عدا الطرف الإسرائيلي لهذا المدى الزمني وهذا السيناريو العبثي.

– المسار الثالث: وهو الأخطر القائم على انفجار طرفي المواجهة الإسرائيلي والإيراني. ويعزّز هذا التوجّه الإصرار الإسرائيلي على الاستفزاز الشديد للصبر الاستراتيجي الإيراني في نوعيّة العمليات في سوريا ولبنان التي تضع مكانة طهران وحلفائها في المنطقة في إحراج شديد لعدم الردّ المناسب على هذه العمليات.

في حال انزلاق الأمور إلى هذا السيناريو فإنّ ضحاياه سيكونون من الساحات الشعبية في سوريا، لبنان والأردن، وأيضاً سوف يشكّل ضغطاً مخيفاً على مكانة حلفاء إسرائيل في واشنطن والاتحاد الأوروبي.

إقرأ أيضاً: هل “7 أكتوبر” كانت تستحقّ كلّ هذا الثمن؟

ثلاثة مسارات تتصارع في ظلّ واقع عربي وإقليمي حجم التدهور المنتظر فيه أضعاف أضعاف حجم الأمل في الإنقاذ والإصلاح.

يدخل علينا عيد الفطر المبارك وعلى خدّه دمعة ممزوجة بالدماء تنعى أيّ مشروع للفرحة وكأنّها تستحضر قصيدة ” أبو الطيّب المتنبّي” الشهيرة:

عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ      بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Adeeb_Emad

مواضيع ذات صلة

لبنان يقاوم “المقاومة”… بالفرح!

يقاوم اللبنانيون بالفرح الظلم المتمثّل بربط بلدهم بحرب غزّة، وهو ظلم ليس بعده ظلم. بل هو جريمة موصوفة في غياب أيّ أفق سياسي لهذا الربط…

تركيا والحلم الأوروبيّ بعد “فاجعة” اليمين المتطرّف

وضع صعود اليمين القومي الأوروبي بعد نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة مسار العلاقات التركية الأوروبية أمام امتحان جديد أكثر صعوبة وتشدّداً، إذ سيشهد الكثير من القلق…

بيروت مدينة الأسرار: نبوءة رفيق ونداء نزار وحبّ درويش

كيفما قلّبتها حبّاً أو بغضاً أو تآمراً، هي بيروت دائماً وأبداً مدينة عصيّة على الكسر والقهر والاختزال. كم مرّة هزّها زلزال عبر التاريخ؟ كم جيشاً…

بروتوكول غولدامائير: الهدف قتل الفلسطيني وليس إنقاذ اليهودي

“تأَمَّلْ هنالِكَ أَنَّى حَصَدْتَ  رؤوسَ الوَرَى وزهورَ الأَملْ وَرَوَّيْتَ بالدَّمِ قَلْبَ التُّرابِ  وأَشْربتَهُ الدَّمعَ حتَّى ثَمِلْ سيجرُفُكَ السَّيْلُ سَيْلُ الدِّماءِ  ويأْكُلُكَ العَاصِفُ المشتَعِلْ” أبو القاسم…