الحرب على الفلسطينيين: الغذاء لغزّة ورخصة القتل لإسرائيل

تتردّد عبارة وقف إطلاق النار تقريباً مع كلّ حديث يتعلّق بحرب إسرائيل المتواصلة على الفلسطينيين في قطاع غزة للشهر السادس على التوالي. لكن لا أثر يُلحظ في احتمال ترجمة ذلك إلى حقيقة على أرض الواقع. بل إنّ التوقّف قليلاً ومراجعة ماهيّة الفعل والقول الخاصّين بهذا العدوان غير المسبوق في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. يشي بعكس ذلك تماماً ويفصح عن جعل الحرب على الفلسطينيين متجدّدة ومستدامة بأسماء مختلفة.

آخر مثال على استدامة الحرب على الفلسطينيّين إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن عزم بلاده إنشاء ميناء عائم على شاطئ غزة بغية إيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. وبعد ساعات من ذلك أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن أملها أن يتمّ قريباً فتح ممرّ مائي لإدخال المساعدات من قبرص إلى غزّة أيضاً. وقد جاءت هذه المبادارت بعد أسابيع قليلة على مشاركة الولايات المتحدة ودول غربية في إنزال مساعدات إلى غزة جوّاً، كما فعلت دول أخرى مثل الأردن ومصر سابقاً.

مبادرات تثير التّساؤلات

مبادارت تثير التساؤل وتدفع إلى الشكّ في رغبة العالم الغربي بقيادة الإدارة الأميركية بالعمل على وقف إطلاق النار بالضغط الحقيقي على إسرائيل. وأكثر من ذلك فإنّ الأمر يدعو للاعتقاد أنّ مسألة المساعدات هذه. مع المحاولات الغربية الباهتة لإجبار إسرائيل على إدخالها عبر معابر غزّة. إنّما تهدف في الحقيقة إلى تجديد وتمديد عمر الحرب تماشياً مع رغبة إسرائيل. التي لم تظهر أيّ مؤشّر إلى احتمال وقف عدوانها على غزة خلال وقت منظور.

عملية مستمرّة متواصلة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وهي بمنزلة مشروع كامل متكامل يهدف، كما تؤكّد الوقائع على الأرض، إلى إطالة أمد هذه الحرب إلى ما لا نهاية. وحتى لو توقّفت الحرب على الفلسطينيين، فإنّ نتائجها وتراكم قوّتها التدميرية وما ستجرّ من ويلات كفيلة أن تسحب الفلسطينيين إلى عالم من المعارك المتوالدة والمتواصلة.

تتردّد عبارة وقف إطلاق النار تقريباً مع كلّ حديث يتعلّق بحرب إسرائيل المتواصلة على الفلسطينيين في قطاع غزة للشهر السادس على التوالي

هذا بالفعل ما حدث في أرض الميدان، إذ واصلت إسرائيل وتواصل هجومها بينما ينشغل العالم في التعامل مع مبادرات لا تقود بأيّ حال إلى وقف الحرب على الفلسطينيين. وفي مثال ذلك انشغال الجميع على مدار نحو شهرين في مسألة هجوم إسرائيل على مدينة رفح حيث يتكدّس أكثر من مليون نازح في ظروف إنسانية كارثية.

هجوم رفح “المتخيّل”

في حين واصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حديثه عن حتمية بدء هجوم على رفح. انشغل العالم بقيادة الإدارة الأميركية في كيفية منع هذا الهجوم “المتخيّل” الذي سيوقع مجازر بين النازحين المشرّدين حال وقوعه. لكنّ حقيقة الأمر تقول إنّ الجيش الإسرائيلي واصل قتله وتشريده للفلسطينيين وتدمير مساكنهم ومنشآتهم في رفح ودير البلح وخان يونس وغزة وغيرها. وما زالت إدارة بايدن ومعها قادة الاتحاد الأوروبي والعالم منشغلين في كيفية تنفيذ الهجوم “المتخيّل” دون استهداف المدنيين.

الحرب على الفلسطينيين

خلال ذلك كانت جهود الوساطة التي تديرها الإدارة الأميركية بتعاون مصري وقطري، مستمرّة للتوصّل إلى صفقة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية. وهي صفقة ردّد الوسطاء أنّها تهدف إلى تحقيق هدن طويلة قبل دخول شهر رمضان المبارك. لم تتحدّث الجهود عن وقف إطلاق نار نهائي، واستمرّت الحرب وتوالى سقوط القتلى من الفلسطينيين بالمئات يومياً. وها نحن اليوم في أوّل أيّام شهر رمضان والحرب على الفلسطينيين مستمرّة.

الآن بعد ارتفاع عدد القتلى والمفقودين من الفلسطينيين إلى أكثر من 40 ألفاً، والمصابين إلى نحو 80 ألفاً. علاوة على التدمير والتشريد وانتشار الأمراض وحشر أكثر من مليون إنسان في موقع صغير من مدينة رفح. إضافة إلى نحو 800 ألف من الذين آثروا البقاء في شمال القطاع تحت التهديد الجديد المتمثّل في خطر المجاعة. بات وقف إطلاق النار أمراً ثانوياً، وحلّ محلّه في قلب وعقل الإدارة الأميركية. ومعها بقيّة المجتمع الدولي والعالم. الموضوع الإنساني ومهمّة إيصال المساعدات لأهل غزّة المنكوبين.

وكأنّ القتل والتدمير أصبحا خلف الجميع، وليس في قدرة العالم سوى التحرّك والعمل لإرسال المساعدات. سواء وصل بعضها أو جلّها، أو لم يصل شيء

وكأنّ القتل والتدمير أصبحا خلف الجميع، وليس في قدرة العالم سوى التحرّك والعمل لإرسال المساعدات. سواء وصل بعضها أو جلّها، أو لم يصل شيء. وفي غضون ذلك بإمكان إسرائيل مواصلة الحرب على الفلسطينيين عبر قتل وتجويع أهل غزة. وتدمير ما بقي منها في الوقت الذي يواصل فيه الجيش الإسرائيلي إغلاق كلّ المعابر المؤدّية إليها ومنع القليل من المساعدات التي تجاوزت المنع من الوصول إلى شمال قطاع غزة. حيث اضطرّ الفلسطينيون الذين نجوا من القصف والرصاص الإسرائيليَّين إلى تناول علف الحيوانات في خضمّ صراعهم من أجل البقاء.

 

الغذاء للفلسطينيّين والسلاح لإسرائيل

يبحث بايدن وأورسولا فون دير لاين وزملاؤهم العرب والعجم عن “وسائل” جديدة لإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة. وقد صرفوا جهوداً كبيرة، كما ردّدوا دوماً، في محاولات لإفساح الطريق أمام آلاف الشاحنات التي تنتظر الدخول منذ شهور عبر معبر رفح. لكن يبدو أنّ الممرّ المائي عبر قبرص وميناء بايدن العائم ربّما يحقّقان نتيجة أفضل في حال سمحت إسرائيل وأعطت الإذن. في الوقت نفسه، كشفت وسائل إعلام أميركية أنّ الولايات المتحدة الأميركية وافقت على أكثر من 100 صفقة مبيعات سلاح لإسرائيل وسلّمتها إيّاها منذ بداية حربها المدمّرة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر من العام الماضي. وحسب مصادر أميركية، فقد بلغت قيمة المساعدات التي أرسلتها إدارة بايدن إلى إسرائيل نحو 158 مليار دولار في نفس الفترة من العدوان.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تقاتل “الحركة” والسلطة الفلسطينية؟

في المقابل مارست إدارة بايدن ضغوطاً على السلطة الفلسطينية لتشكيل حكومة تكنوقراط في مسعاها الهادف إلى “تجديد” السلطة تحضيراً لليوم التالي على الحرب. وهو مسعى لا يختلف كثيراً عن المعارك التي يخوضها الفلسطينيون حالياً على طريق “تجدّدها” بمسمّيات جديدة مستقبلاً.

إقرأ أيضاً

خطر: Non State actors

من الأخطاء الكبرى أن يعتقد البعض أنّ سياسات العالم اليوم تمرّ إدارتها عبر أجهزة وحكومات تنتمي إلى دول شرعية. خرج الأمر عن سيطرة الدول states،…

هنيّة على خطى رعد و”السيّد”… عن التحام الفكر والسلوك

اغتالت إسرائيل ثلاثةً من أبناء رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية وعدداً من أحفاده. حدث ذلك في أوّل أيام العيد. ماذا أرادت إسرائيل من…

لماذا نتنياهو عقبة في وجه التسوية؟

لن يتوقّف نتنياهو عن مواصلة تدمير غزة فوق رؤوس أهلها إلا بعد أن يتأكّد من أنّ قادة حماس أصبحوا أشلاء. لا يريد نتنياهو أسرى ليكونوا…

غزة وأهلها ضحيّة حرب إسرائيل وإيران!

تردّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران أو لا تردّ على الضربة التي تلقّتها من إسرائيل في سوريا، يوجد واقع لا يمكن الهرب منه على الرغم من…