“سعد” وقد جعل من “رفيق” شأناً عائلياً

 

مشكلة الرئيس سعد الحريري أنّه لا يزال يتعاطى سياسياً بمفهوم “أنا أو لا أحد”. “الأنا” لديه، تعلو ولا يُعلى عليها، مهما كثرت الأخطاء التي ترقى، في مستويات كثيرة إلى الخطايا. هو الذي كان يخوّن من ينتقد تنازلاته على مستوى الخيارات السياسية، عاد واعترف بنفسه بأنّها كانت خاطئة، من دون أيّ مراجعة حقيقية أو جدّية لتخويناته تجاه الآخرين. ذهب إلى التسوية الرئاسية دون مشاورة أحد، لم يحتسب خطّ الرجعة، وضحّى بالغالي والنفيس في سبيل البقاء رئيساً للحكومة، حتى فقد الموقع قيمته. ومشكلته الأكبر أنّه ربط الموقع ورمزيته بشخصه. أراد اختزال كلّ شيء، اختزال السياسة والطائفة والموقع، والدور الآخذ بالتداعي، دون أيّ عملية نقدية جدية لمسيرته.

يريد سعد الحريري أن تكون ذكرى رفيق له وحده. أبعد عنها قبل سنوات حلفاء أساسيين حملوا دم الشهيد ومضوا في مسيرة سياسية كانت محفوفة بالدم. العام الماضي غاب وليد جنبلاط عن الذكرى، وقبلها كان قد حضر أحد أركان نظام الوصاية ومفذلكي مؤامرات الانقلاب على المحكمة وقضيتها وجوهرها وزير “الرئاسة” سليم جريصاتي. أبعد “القوات اللبنانية” سياسياً. وهي، وإن حضرت، ظلّت بعيدة عنه في السياسة لأنّها لم تسلم من “أناه” وطعناته. هذا العام، يريد سعد الحريري أن تكون الذكرى له وحده سنّياً أيضاً. لم يوّجه الدعوة إلى رفاق رفيق الحريري للمشاركة بالذكرى، فؤاد السنيورة لم يتلقّ دعوة، وكذلك النائب نهاد المشنوق وغيرهما من السياسيين السنّة، الذين يتناولهم الحريري في مجالسه بأفظع العبارات والنعوت، متهماً إيّاهم بأنّهم يعرقلون مسيرته. تلك المسيرة التي أزهقت كلّ شيء، على مذبح “صديقه جبران”. صديقه الذي لم يتأخر في نكرانه وتحميله مسؤولية كلّ الموبقات في لبنان.

خطوات الرجل السياسية تثبت علاقته برفيق الحريري اسمياً فقط. خسر السياسة بسياقاتها وأفكارها ومساراتها، ولم يحتفظ بغير اسم العائلة

يشنّ الحريري هجوماً على رؤساء الحكومات السابقين، وعلى المشنوق لأنهم تجرؤوا على إعلان مواقف تهدف إلى حماية اتفاق الطائف، ورمزية موقع رئاسة الحكومة. فأخذ الأمور بشخصانية معتبراً أنّهم يستهدفونه، فيما الحقيقة أنّه لم يستهدف أحد سعد الحريري، بقدر ما هو استهدف نفسه. وفق منظوره وسياسته، هو لم يعمل على “تصغير” تيار المستقبل من تيار يحوي كوادر وقامات فكرية وثقافية عابرة للطوائف والحسابات الضيقة فقط، وإدخال السنّة لعبة المذهبية والتحاصص. هو أيضاً يعمل على تصغير رفيق الحريري من قضية لها رمزيتها الوطنية بما تمثّل، إلى مسألة عائلية تخصّه وتخص بعض البطانة من حوله. وكأنّه يعود إلى ما رمت إليه بهية الحريري بعد الاغتيال، إذ فتحت بازار الميراث السياسي، ولجأت إلى تنصيب نفسها رئيسة لتيار المستقبل، وفق ما طلبت من منظمي تظاهرة 14 آذار التعريف عنها.

أصبحت مشكلة الحريرية السياسية ترتبط عضوياً بحريريّي النسب وليس جمهور رفيق الحريري، كما يسمّيه المشنوق. منطق “سعد” يعمل على تدمير هذه التجربة والمسيرة، وسيطال دماره اتفاق الطائف والتوازنات السياسية التي أصبحت مفتقدة. خطوات الرجل السياسية تثبت علاقته برفيق الحريري اسمياً فقط. خسر السياسة بسياقاتها وأفكارها ومساراتها، ولم يحتفظ بغير اسم العائلة، ليتمكّن من البقاء، في وجدان جمهور وبيئة لبنانية متنوعة، والت الحريري وناصرته، لكن لأنّه كان صاحب مشروع ورؤية وليس لأنّ اسمه رفيق الحريري.

قبيل عودته إلى لبنان، اختار “سعد” أن يزور المملكة العربية السعودية، ليعقد لقاءات فيها، أملاً بالحصول على دعم سياسي ومعنوي يرفده قبيل ذكرى اغتيال والده. لكنّ مشكلته أيضاً هنا، في أنّه لا يحسن النظر إلى التحوّلات والمتغيّرات السعودية الحقيقية في مقاربة الملفات ومن بينها الملف اللبناني بالتحديد. ملفّ لم تعد المملكة تقبل بأن تتركه محصوراً بشخص أو تيار أو طائفة، على ما تقول مصادر سعودية. وهي تؤكد دوماً أنّ علاقتها مع لبنان استثنائية، وأنّها تريد بناء علاقة مع كل الأطراف والقوى السياسية، وسنّياً تريد الحريري كما تريد غيره من الشركاء والحلفاء والأصدقاء. ما يعني أنّه لم يعد بإمكانه اختزال العلاقة السعودية بلبنان بشخصه.

ومن هنا يبدأ التغيير والتفكير.

 

إقرأ أيضاً

رفيق الحريري والمسيحيون… الفهم المتأخّر

  لكم هي شديدة الحاجة اليوم إلى رفيق الحريري لجمع أطراف الوطن! كان الرئيس الشهيد رابطاً بين لبنان ولبنان رُغم أنّ علاقته ما كانت سهلة…

طرابلس: كلن يعني كلن.. إلاّ “رفيق”

  تمتلك طرابلس ذاكرة تنبض بالحبّ والوفاء والحنين وبالثناء والتقدير لرفيق الحريري، قلّما امتلكتها مدينة أخرى، وعبـّرت عنها في مختلف المحطات، قبل الاستشهاد وبعده، بدون…

الثنائي في النبطية وقوّة الثورة

  فاطمة ترحيني تشهد محافظة النبطية مواجهة جديدة، أشبه بصراع دائم، بعدما استطاع جزء من أهل المدينة وقراها الاعتراض على “حزب الله” و”حركة أمل” وكل…

في وداع الحريرية؟

  هل سيستمر رئيس الحكومة السابق سعد الحريري في السياسة أم لا؟ يصعب افتراض أن أحداً يملك إجابةً عن هذا السؤال، حتى عند الحريري نفسه،…