توصيات لإدارة بايدن: سلوك نهج صارم ضد “الجهاد السنّي”

إعداد توماس جوسلين*

 

اتّسم نهج إدارة ترامب في محاربة الجهاد السني بالمفارقات العميقة. من ناحية تعهّد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بتدمير الدولة الإسلامية. تكلّلت تلك المهمة بالنجاح، إذ لا يملك هؤلاء الجهاديون الآن سوى مساحة قليلة في العراق وسوريا، كما قضت الولايات المتحدة على عدد من كبار الإرهابيين، بما فيهم زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، أبو بكر البغدادي. من ناحية أخرى، أظهر الرئيس استخفافاً بالحروب الأخرى التي شنّها الجهاديون السنّة.

كان تعهّد ترامب بإنهاء “الحروب التي لا نهاية لها” هدفاً يتعارض مع الأولويات الأخرى. فالتعهد يقوم على منع تنظيم الدولة الإسلامية من إعادة بناء خلافته في العراق وسوريا، لكنّه أيضاً يقضي بسحب جميع القوات الأمريكية من كلا البلدين.

في الواقع، كان خطاب ترامب حول “الحروب التي لا نهاية لها” موجّهاً بشكل أساسي إلى الحرب في أفغانستان. فقد أبرمت وزارة الخارجية اتفاقية مع طالبان، بهدف سحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول نيسان أو أيار 2021. وبدا أنّ الإتفاقية محاولة للتغطية على تراجع أميركي. ولا تزال حركة طالبان وحلفاؤها من القاعدة في موقع الهجوم في أفغانستان، ولم يظهروا رغبة في إلقاء السلاح أو الاعتراف بشرعية الحكومة الأفغانية.

بدأت إدارة ترامب أيضًا في سحب قوات مكافحة الإرهاب من إفريقيا. بعدما كانت الولايات قد نشرت آلافاً من العسكريين ينقسم حضورهم إلى مجالين: في شرق إفريقيا، تدعم الولايات المتحدة الحكومة الصومالية الفيدرالية، وبعثة الإتّحاد الأفريقي في الصومال في محاولة لإحتواء حركة الشباب الإسلامية التابعة للقاعدة، ولمطاردة أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية. في أواخر 2020، أعلنت الإدارة أنّ القوات الأميركية ستنتقل من الصومال إلى الدول المجاورة. في غرب إفريقيا، لتدعم الولايات مهمة فرنسا المستمرة لمكافحة الإرهاب منذ 2013.

كان تعهّد ترامب بإنهاء “الحروب التي لا نهاية لها” هدفاً يتعارض مع الأولويات الأخرى. فالتعهد يقوم على منع تنظيم الدولة الإسلامية من إعادة بناء خلافته في العراق وسوريا، لكنّه أيضاً يقضي بسحب جميع القوات الأمريكية من كلا البلدين

واصلت إدارة ترامب أيضًا عمليات مكافحة الإرهاب في النقاط الساخنة للجهاديين مثل اليمن وشمال غرب سوريا، حيث تمّ استهداف شخصيات القاعدة من خلال ضربات دقيقة بطائرات بدون طيار.

أحبطت الولايات المتحدة سلسلة من المؤامرات التي دبّرها تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (AQAP)، ومقرّه اليمن. وهو استهدف الولايات المتحدة في مناسبات عديدة، أبرزها في هجوم إرهابي شنّه على قاعدة بنساكولا الجوية البحرية في كانون الأوّل 2019.

توصّل الأثر التراكمي لسياسات إدارة ترامب إلى احتواء الجهاديين وتعطيلهم. وبفضله، لم يخسر الجهاديون دولة الخلافة في العراق وسوريا فحسب، بل مُنعوا أيضاً من تشكيل دول جديدة في أفغانستان والصومال وغرب إفريقيا.

التوصيات:

– الاحتفاظ بوجود عسكري أميركي صغير في نقاط جهادية ساخنة مختارة: لقد انتهت جهود مكافحة التمرد واسعة النطاق قبل انتخاب ترامب بفترة طويلة. أنهت الولايات المتحدة الدولة الإسلامية في سوريا بأقل من 2500 عنصر من قوات العمليات الخاصة الأميركية، ودعمت أكثر من 60 ألف مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية.

– تعزيز الوجود الأميركي في سوريا من خلال فرقها العسكرية في العراق. إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها بالكامل، فمن المرجح أن تعاود الدولة الإسلامية ظهورها.

– في أفغانستان الوضع أكثر تعقيدًا، حيث أثبت حلفاء أميركا في الحكومة الأفغانية ضعف قدراتهم، فضلاً عن غياب إرادة سياسية في واشنطن للاحتفاظ بوحدة صغيرة من القوات الأميركية في أفغانستان. إذا تمّ سحبهم، سيشكل ذلك “نعمة” للجهاديين ليس فقط في أفغانستان ولكن في جميع أنحاء العالم، وستكون هزيمة أمريكا واضحة.

– تحديد العدو بشكل صحيح: أفضت الرغبة في “إنهاء” الدور الأمريكي في نزاعات ما بعد 11 أيلول إلى تقييمات مسيّسة للتهديد الجهادي السنّي. أنكرت إدارة أوباما تهديدات داعش باعتبارها قوّة محلية غير مهمة. وبالمثل، اعتمد الكثيرون في واشنطن أسلوب “فصل النقاط” فيما يتعلّق بالقاعدة، حيث صوّروا بشكل خاطئ فروعها الإقليمية على أنّها تهديدات أقل شأناً وأعلنوا أنّ زوال التنظيم في المتناول.

– على الحكومة الأميركية إنشاء مقاييس موضوعية لتقييم التهديد الجهادي السنّي، وتجذيرها في تقييمات صارمة للدولة الإسلامية والقاعدة والجماعات المتحالفة. ويجب نشر هذه التقييمات للجمهور حتى يتم إعلامهم بشكل أفضل.

– فضح عوامل تمكين الدولة وفرض عقوبات عليها: لا تتمتع الدولة الإسلامية ولا القاعدة برعاية دولة على نحو استفادة حزب الله من النظام في إيران. اعتمد كلاهما على عوامل التمكين الحكومية، وعقد صفقات مع جهات حكومية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا. لطالما حافظت القاعدة على شبكة لجمع التبرعات عبر دول الخليج وعقدت اتفاقات مع مسؤولين في موريتانيا وباكستان وإيران.

توصّل الأثر التراكمي لسياسات إدارة ترامب إلى احتواء الجهاديين وتعطيلهم. وبفضله، لم يخسر الجهاديون دولة الخلافة في العراق وسوريا فحسب، بل مُنعوا أيضاً من تشكيل دول جديدة في أفغانستان والصومال وغرب إفريقيا

وغالبًا ما وفرت تركيا بيئة متساهلة لداعش والقاعدة. لذا يجب أن تستمرّ الحكومة الأميركية في فضح هذه الشبكات من خلال التصريحات العامة والعقوبات.  

إقرأ أيضاً: 12 توصية متشدّدة لإدارة بايدن: “خنق” الفلسطينيين وعدم الثقة بالعرب

*مع انطلاقة عدّاد الإدارة الأميركية الجديدة، صدر أخيرًا تقرير أميركي بعنوان “من ترامب إلى بايدن- الطريق نحو الأمن القومي الأميركي”، تعاون في إعداده مركز القوة العسكرية والسياسية (CMPP)، ومركز القوة الاقتصادية والمالي (CEEP)، ومركز الابتكار السيبراني والتكنولوجيا (CCTI) وتولت نشره “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” في أميركا، بمساهمة 35 باحثًا سياسيًا حول العالم.

يتضمّن التقرير توصيات مستندة إلى معالجة للمسائل السياسية المحلية في 15 دولة، من بينها دولٌ تتقاطع سياساتها مع سياسة الرئاسة الأميركية، أو لعبت فيها أميركا أدوارًا مفصلية، مثل لبنان، وسوريا والسعودية وإسرائيل وتركيا وغيرها. كما ينشر التقرير تقييمًا لممارسات  أميركا المرتبطة بالحدّ من التسلح وانتشار السلاح، والأمن السيبراني، والدفاع، والطاقة، وتهديد حزب الله عالمياً، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي، والمنظمات الدولية واقتصاد الأمن القومي، والجهاد السني.

اختار “أساس” أقسامًا من هذا التقرير وينشرها على حلقات متتابعة. في الحلقة الخامسة ننشر ملخّصًا عن قسم “الجهاد السني” وتوصياته، بقلم توماس جوسلين، الباحث السياسي في شؤون التنظيمات الجهادية.

 

 

إقرأ أيضاً

الحزب قَلِقٌ.. ويعتبر “حرب الإعلام” بخطورة “حرب الأمن”

في موازاة الحرب العسكرية التي تخاض في قطاع غزة وعلى الجبهات اللبنانية والعراقية والسوريّة واليمنيّة. والتي قد تنضمّ إليها إيران لاحقاً… هناك حروب أخرى تخاض…

انقلاب “الإخوان المسلمين” على إردوغان

تكشف مصادر مقرّبة من “الإخوان المسلمين” في بيروت لـ”أساس” أنّ شريحة من “الإخوان المسلمين” دعمت في الانتخابات البلدية التركية الأخيرة حزب السعادة التركي المحافظ، والمعارض…

بين جبيل والجنوب باسيل “يَتموضَع”!

اقتحم النائب جبران باسيل “جبهة الجنوب” من خلال الإعلان عن توجيه “التيار الوطني الحرّ” رسائل إلى سفراء الدول الخمس عشرة في مجلس الأمن ودول اللجنة…

نصيحة غربيّة للحزب: أميركا لن تمنع الحرب

في الحديث مع الدبلوماسيين العاملين على الملفّ اللبناني، تحديداً الملفّ الأمنيّ المرتبط بالحرب الدائرة في جنوب لبنان بين الحزب وإسرائيل، يمكن استنتاج خلاصة أولى فوراً،…