محمد رمضان: استعراض الأموال.. أمام فقراء مصر

2023-05-25

محمد رمضان: استعراض الأموال.. أمام فقراء مصر

يتغيّر مفهوم الشهرة والثروة لدى النجوم والمشاهير بتغيّر المراحل الزمنية. كان النجوم الذين نُطلق عليهم صفة “نجوم الزمن الجميل” يفرّقون تماماً بين الشهرة والثروة إيماناً برسالتهم ودورهم الطليعي الذي يؤدّونه، وهم على قناعة تامّة أنّهم قاطرة الشعوب التي تشدّها إلى العُلى. لذا لم يكن أحد من هؤلاء النجوم في المجالات المختلفة، مثل: العقّاد، وطه حسين، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وغيرهم كثيرين في مجال الأدب، ومثل: أمّ كلثوم، وعبد الوهاب، وعبد الحليم، ونجاة، وغيرهم كثيرين في مجال الطرب، ومثل: يوسف وهبي، وأنور وجدي، وشكري سرحان، والمليجي، وفريد شوقي، وغيرهم كثيرين في مجال التمثيل، ومثل: صالح سليم، وحسن شحاتة، والخطيب، وغيرهم أيضاً كثيرين في مجال الرياضة، لم يكن أحد من هؤلاء يعنيه كم من الأموال يمتلك، فضلاً عن أن يتفاخر بها أمام جمهوره ومحبّيه.

التغيّر هو سُنّة الكون. لذا رأينا في الفترة الأخيرة نجوماً يمكن بسهولة أن نطلق عليهم “النجوم المستفزّة”. وكان تقرير صادر عن منظمة “اللامساواة الدولية”، وهو تقرير دولي يختار بعض الدول لدراسة حال المساواة فيها من جوانب شتّى، قد اختار مصر في عام 2021 لدراستها، وخرج بنتائج كان من أهمّها أنّ أغنى 1% ممّن يعيشون في مصر يمتلكون 20% من ثرواتها، وبالمقابل يمتلك أفقر 50% من المواطنين المصريين 15% من هذه الثروة فقط، وهذا ما تعارف الناس على تسميته “الفجوة بين الأثرياء والفقراء”.

إذاً أثبت التقرير هذه الحقيقة. فهذا يؤكّد أنّ نصف الشعب لا يمتلك إلا أقلّ ممّا يمتلكه 1% فقط من أثرياء الوطن، أفلم تكن هذه الحقيقة تسترعي انتباه هؤلاء النجوم المستفزّة؟!

محمد رمضان واستعراض الأموال

هذه حقيقة لم ينتبه إليها أحد هؤلاء النجوم، وهو محمد رمضان، الذي يستمرّ في إظهار أمواله واستعراض سياراته وطائرته الخاصّة ومرافقيه… ومثله في لبنان دأب وديع الشيخ وآخرون على استعراض السيارات والأموال…

محمد رمضان هو ممثّل استعراضي مصري، ومؤدٍّ غنائي بارع، من الأكثر شهرةً وانتشاراً في العالم العربي. مسلسله الأخير “جعفر العمدة” كان من الأكثر مشاهدةً خلال شهر رمضان، وأغنياته هي الأكثر شهرةً من بين مجايليه. وهو دأب في الفترة الأخيرة على الظهور إلى جانب أسطول سيّاراته التي تجاوز عددها 15، وهي من أفخم أنواع السيارات العالمية من مثل لامبورغيني، ورولز رويس، وكاديلاك، ورنج روفر، وقد تبلغ قيمتها مجتمعةً ما يقرب من 40 مليون جنيه!

هل انتبه ضمير هذا الفنان أنّ رسالته أهمّ من ثرائه، وأنّ ثراءه أمر بالغ الخصوصية؟

من البديهي جدّاً أن تثير مثل هذه التصرّفات وهذه الطريقة في الظهور استفزاز كلّ مَن يتابعه. ليس فقط لأنّ هذا المتابع سيلجأ إلى المقارنة بين حاله المتردّية وحال هذا النجم، بل لأنّ هذه الأمور ستثير استفزازاً وإحباطاً.

ذكر تقرير صادر عن “بلومبرغ الشرق” في عام 2017 أنّ مَن يمتلكون في مصر مبلغاً يراوح بين مليون دولار و30 مليون دولار يبلغ عددهم 8.586 شخصاً، وأنّ 153 شخصاً تتجاوز ثرواتهم 30 مليون دولار. فهل كان النجم يريد أن يثبت للعالم كلّه أنّه واحد من هؤلاء الأثرياء الـ8.586 عندما ظهر في طائرته الخاصة، التي تبلغ قيمتها ما يقرب من 6 ملايين دولار، وهو جالس على مقعدها الوثير وفي مقعده المجاور حفنة من عشرات آلاف الدولارات؟

يعرف الجميع، ولا يحتاج الأمر إلى الاستناد إلى تقرير “اللامساواة الدولية”، حجم المشكلة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد، فضلاً عن أزمة العملة الأجنبية التي تضرب الاقتصاد المصري.

بعض النجوم يحتاج إلى تأهيل نفسي وفكري كي تتّضح أمامه الفروق بين الشهرة والثراء، وكي يعرف أن ليس بالضرورة أن يصاحب الشهرةَ ثراءٌ، وأنّ المتلقّي لا يعنيه ماذا يمتلك نجمه من طائرات أو سيارات أو فلل أو شقق

الملياردير… وعشاؤه بالآلاف

ليس أمر الاستفزاز مقتصراً على ذلك النجم. فقد خرج علينا قبل سنوات رجل أعمال شهير تخطّت ثروته مليارات، قائلاً إنّه يكره الإسراف، ولذا يتأكّد من ألّا تكون ملابسه غالية الثمن قبل شرائها، وإنّه يحبّ تناول الطعام في منزله. فإذا خرج للعشاء لم تتعدَّ تكلفة عشائه 4 آلاف جنيه. آنذاك نشأت ردّات فعل على هذا التصريح، وعدَّته الطبقة المتوسطة استفزازاً لمشاعرها، فما بالنا بالفقراء الذين لا يتحصّل الموظف منهم على هذا المبلغ راتباً شهريّاً؟!

لم يقتصر الأمر على هذين النجمين، بل يلاحظ المصريون في بعض البرامج الإذاعية الرياضية أنّ بعض مقدّمي البرامج يتباهون بالأماكن التي يقصدونها من أجل غداء أو عشاء. فيقول أحدهم لزميله: “أمس تعشّينا في المحافظة الفلانية التي تشتهر بالأسماك”. فيردّ عليه صاحبه بالقول إنّه تعشّى “في المطعم الفلاني الذي يشتهر بالمشويّات”. أليس كلّ ذلك استفزازاً لمَن يتابعهم؟! ألا يترك النجم جرحاً غائراً في نفس مَن لا يجد قوت يومه؟!

ليس ببعيد عنّا تلك المهرجانات التي تعتمد على صخب الاحتفالات، والفنّانات اللاتي يتنافسن على ارتداء أفخم أنواع الفساتين لسهرة واحدة.

لم يكن ينتظر المشاهد والمتابع من نجومهما سوى إعلانات بلغت من الاستفزاز أقصى الدرجات: إعلانات لنجوم يُسوِّقون الفلل والشقق التي لا يقلّ سعر الواحدة منها عن عشرات الملايين، ثمّ يخرجون هم أنفسهم علينا لإعلان حاجة بعض دور اليتامى إلى مساعدة أهل الخير! كيف يتقبّل المواطن الذي طحنته المحنة الاقتصادية هذا الخطاب الاستفزازي؟!

إقرأ أيضاً: من يعتدي على “الذوق العامّ” في مصر؟

بعض النجوم يحتاج إلى تأهيل نفسي وفكري كي تتّضح أمامه الفروق بين الشهرة والثراء، وكي يعرف أن ليس بالضرورة أن يصاحب الشهرةَ ثراءٌ، وأنّ المتلقّي لا يعنيه ماذا يمتلك نجمه من طائرات أو سيارات أو فلل أو شقق، ولا يعنيه ماذا أكل أو شرب، بل الذي يعنيه ماذا قدَّم له من محتوى، وإلى أيّ درجة نهض به هذا المحتوى في طريق الحقّ والخير والجمال… ولهذا الملفّ تتمّة أخرى، إذ أنّ معظم “فناني الاستفزاز” يسوّقون فنوناً ضعيفة المحتوى، وتكاد تقارب في استفزازيتها، ميولهم إلى استعراض الأموال.

*كاتب مصري، عضو اتحاد كتّاب مصر، وعضو مجلس إدارة نادي القصة المصري. صدر له العديد من المجموعات القصصية.

مواضيع ذات صلة

سقطة نصر الله إزاء قبرص مقابل “مبادرة” برّي لهوكستين

الخوف من العواقب هو الرادع الأساسيّ لتوسيع الحرب على جبهة جنوب لبنان. هو خوف على جانبَي الحدود ولا يقتصر على إسرائيل وحدها ولا على لبنان…

جعجع باسيل فرنجيّة الجميّل… وقضيّة وطن! (2/2)

شهيرة جدّاً معادلةُ “مورفي الأوّل” عن الثالوث الماروني في أزمة الرئاسة. كان ذلك سنة 1958. يومَ أرسلَ الرئيس الأميركي أيزنهاور موفدَه روبرت مورفي إلى بيروت،…

قبرص نجمتنا وخيمتنا

لم تعد بيروت نجمتنا أو خيمتنا كما قال الشاعر محمود درويش في قصيدته “مديح الظلّ العالي”. صارت قبرص اليونانية هي نجمة “الإمبراطورية” التي أعلنها الأمين…

إسرائيل تعرف… ولا تعترف

أهل فلسطين هم أكثر شعوب الأرض قاطبة من يجيد اللغة العبرية قراءة وكتابة ومحادثة. ليس فقط أولئك الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية أو يتعلّم أبناؤهم في…