ميقاتي ينقلب على “الطائف”‎..

مدة القراءة 3 د


ماذا يعني أن يقول رئيس حكومة لبنان نجيب ميقاتي إنّ “الحديث عن تهدئة في لبنان فقط دون وقف سريع لإطلاق النار في غزّة هو أمر غير منطقي”؟

وماذا يعني أن يقول لوزراء حكومته، في أوّل جلسة حكومية بعد بدء الحرب في غزّة، إنّه أبلغ ذلك إلى “جميع الموفدين” الدوليين الذين زاروا لبنان واجتمعوا إليه؟

وماذا يعني أن يضيف أنّ موقفه هذا يصدر “انطلاقاً من عروبتنا ومبادئنا”، وأنّه يطالب بأن “يُصار في أسرع وقت ممكن إلى وقف إطلاق النار في غزة، بالتوازي مع وقف إطلاق نار جدّي في لبنان”.

وماذا يعني أن يضيف: “لا نقبل بأن يكون أخوة لنا يتعرّضون للإبادة الجماعية والتدمير ونحن نبحث فقط عن اتفاق خاصّ مع أحد”؟

ببساطة يعني أنّ رئيس حكومة لبنان، الذي يُعتبر أرفع منصب في الدولة بشغور موقع رئاسة الجمهورية، يتبنّى بالكامل منطق “وحدة الساحات” الذي أعلنه الأمين العام للحزب، كاشفاً صراحةً في خطاباته الأخيرة أنّه “فتح جبهة جنوب لبنان… لنصرة أهلنا في غزّة”.

رئيس حكومة لبنان، الذي يُعتبر أرفع منصب في الدولة بشغور موقع رئاسة الجمهورية، يتبنّى بالكامل منطق “وحدة الساحات” الذي أعلنه الأمين العام للحزب

لا يبقى هنا أيّ خيط يفصل بين حكومة لبنان وبين التنظيمات العسكرية المسلّحة. تماماً كما هو الحال في العراق، حيث “الحشد الشعبي” بات جزءاً من الدولة، ويحكمها بشكل أو بآخر. وبالتالي فإنّ ميقاتي “يُعَرقِن” لبنان، ويحوّل الحكومة إلى واحدة من الأذرع السياسية للحزب.

محو “الخيط” بين الدولة و”الدويلة”

لا يترك ميقاتي هنا أيّ مجال لتمايز “الدولة” اللبنانية عن “القرار العسكري” الذي أدخل لبنان في حرب جزئية كان بغنى عنها. ولا يترك أيّ مساحة لفصل “الدولة” عن “الدويلة” التي اتّخذت قرار “وحدة الساحات”، ودمج لبنان بجبهة البحر الأحمر وجبهة العراق – القواعد الأميركية وجبهة ميليشيات إيران – كردستان وجبهة سوريا – إسرائيل وكلّ جبهة فيها سلاح إيراني.

من قال هذا الكلام ليس محلّلاً سياسياً يتحدّث في صالون منزله أو على شاشة تلفزيونية، بل هو رئيس حكومة لبنان التي تستمدّ شرعيّتها من “وثيقة الوفاق الوطني” و”اتفاق الطائف” الذي يجزم أن لا شرعية لأيّ سلاح غير لبناني على أراضيها، وأن “لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”.

وبما يخصّ الصراع مع إسرائيل ينصّ “الطائف” على “اتّخاذ كلّ الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها…”. ولا ينصّ على التضامن مع فلسطين أو تحرير فلسطين أو “نصرة غزّة عسكرياً”.

إقرأ أيضاً: برّي ينأى بـ”أمل” عن حرب الحزب: لبنان أوّلاً

كان هذا خطاب الأمين العامّ للحزب، لكنّ ميقاتي تبنّاه داخل حكومة لبنان. وهذا ليس أقلّ من “انقلاب” على اتفاق الطائف.

فهل من يسمع؟ وهل من يواجه هذا الانقلاب؟

لمتابعة الكاتب على تويتر: mdbarakat@

مواضيع ذات صلة

كي لا “تضيع” فرصة تطويب البطريرك الحويّك

يصعب في حضرة تطويب البطريرك إلياس الحويّك فصل القداسة عن التاريخ، أو عزل السيرة الروحيّة للرجل عن سيرة ومآلات الدولة التي ولدت من إرادته ومفاوضاته…

النّوويّ السّعوديّ: ما حقيقة شرط ترامب؟

وقّعت الولايات المتّحدة والمملكة السعوديّة بعد ظهر الأربعاء الماضي الاتّفاق النوويّ الذي انتظر أكثر من عقدين. في صباح اليوم التالي، كتب دونالد ترامب على “تروث…

الجنوب… امتحان لبنان وخصومه

في السياسة، لا توجد مناطق تجريبيّة، بل إرادات تجريبيّة. وما طُرح في روما يومَي 13 و14 تمّوز الماضيين، بحسب ما تردّد عن النقاشات، لم يكن…

إيران تغدر بالكويت: صواريخ وشائعات عن “الغزو”..

بكثير من العدائية والحقد، تواصل إيران “حرق الجسور” مع الكويت، غير آبهة بالتكاليف الباهظة والتداعيات المستقبليّة لاعتداءاتها التي تتمدّد من البرّ إلى البحر، وغير مُكترثة…