facebook تسونامي يضرب القضاء: طارق البيطار في الإقامة الجبريّة

تسونامي يضرب القضاء: طارق البيطار في الإقامة الجبريّة

ملاك عقيل - الخميس 26 كانون الثاني 2023

حربٌ حقيقية لم يشهدها قصر العدل في تاريخه اندلعت أمس بين مدّعي عامّ التمييز القاضي غسان عويدات والمحقّق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار على خلفيّة إعطاء الأخير نفسه صلاحيّة التصرّف بملفّ تحقيقات المرفأ كـ "سلطة" لا سلطات فوقها. وأتى الردّ الصاعق والمُفاجِئ من القاضي عويدات الذي ادّعى على البيطار ومَنَعه من السفر ردّاً على ادّعاء البيطار عليه وعلى ثلاثة قضاة.

وكان عويدات قد أعلن تريّثه في شأن احتمال الادّعاء على طارق البيطار مسلّماً بأنّ قرارات المحقّق العدلي لا قيمة قانونية لها ولا تعنيه، لكنّه عاد وبنى عليها قراره بالادّعاء عليه. حَصَل ذلك بعد تكليف عويدات رئيس "المباحث المركزية" بالذهاب إلى منزل البيطار وإبلاغه باستدعائه من قبل مدّعي عام التمييز للاستماع إليه بالتهمة الموجّهة إليه بمخالفة القانون و"اغتصاب السلطة"، لكنّ المحقّق العدلي رَفض، فما كان من عويدات إلّا أن ادّعى عليه وأرسل إليه ضابطاً عدليّاً لإبلاغه بالدعوى ضدّه.

إلى ذلك أصدر عويدات قراراً بإطلاق سراح جميع الموقوفين الـ 17 في قضية انفجار المرفأ ومنعهم من السفر وجعلهم بتصرّف المجلس العدلي، وليس فقط الموقوفين الخمسة الذين طلب البيطار إخلاء سبيلهم.

في هذا الإطار علم "أساس" أنّ السفيرة الأميركية دوروثي شيا اتصلت بمرجع حكومي ومسؤول أمنيّ بارز وأعربت عن ارتياحها للإفراج عن الموقوفين، خصوصاً أنّ بينهم من يحمل الجنسية الأميركية والكندية.

وفق المعلومات، حاول البيطار، من خلال قراره الأحادي باستئناف تحقيقات المرفأ وإصدار ادّعاءاته، تعبيد الطريق لصدور القرار الاتّهامي الذي بات في ربعه الأخير، كما تقول أوساطه

يَطرح هذا الواقع تساؤلات عن مصير الاستدعاءات لمدّعى عليهم في القضية التي حدّد البيطار مطلع شباط موعداً لها، ويتوقّع مطّلعون "نَسفها" لمجرّد ادّعاء عويدات على المحقّق العدلي واعتباره "مغتصب سلطة".

 

الأجهزة تنفّذ فوراً

سوابق فوق سوابق تشي بتسونامي قد تكون كلفته عالية. فقد بنى عويدات قراره على اعتبار "المحقّق العدلي، المكفوفة يده، نفسه مولجاً بصلاحيات النائب العام لدى محكمة التمييز لاتّخاذ ما يراه مناسباً من إجراءات فيكون بذلك قد استقى صلاحياته وسلطته من الهيئات القضائية جمعاء".

اعتبر عويدات أنّ "هذا الأمر ينسحب أيضاً على النيابة العامّة التمييزية فيسري على الأصل. وبما أنّ كفّ اليد يُبقي الملفّ من دون قاضٍ للنظر في طلبات إخلاء الموقوفين منذ أكثر من سنة نقرّر إطلاق سراح جميع الموقوفين".

هكذا أوعز عويدات أمس إلى الأجهزة الأمنيّة تنفيذ إشارته القضائية بإخلاء سبيل جميع موقوفي المرفأ فوراً بعدما سَبق أن طلب منها عدم تنفيذ التبليغات وإخلاءات السبيل الصادرة عن البيطار. وفي هذا السياق يقول مصدر أمنيّ بازر لـ "أساس": "التزمنا بتنفيذ إشارة مدّعي عامّ التمييز فور تبلّغنا بها".

 

البيطار يُمهّد للقرار الظنّيّ

من جهته اعتبر البيطار في أحاديث صحافية أنّ "تجاوب القوى الأمنيّة مع قرار عويدات سيكون بمنزلة انقلاب على القانون"، مؤكّداً "صلاحية المحقّق العدلي وحده إصدار قرارات إخلاء السبيل، ولذلك لا قيمة قانونية لقرار مدّعي عامّ التمييز لأنّه متنحٍّ ومدّعى عليه من قبلي".

وفق المعلومات، حاول البيطار، من خلال قراره الأحادي باستئناف تحقيقات المرفأ وإصدار ادّعاءاته، تعبيد الطريق لصدور القرار الاتّهامي الذي بات في ربعه الأخير، كما تقول أوساطه.

لكنّ اجتماع مجلس القضاء الأعلى اليوم قد يكون حاسماً باتّجاه إصدار قرار يتعلّق بطارق البيطار نفسه بعدما أحدثت قراراته الأخيرة ما يُشبِه تمرّداً قضائياً-سياسياً يتمّ التعامل معه بالمثل.

 

المحقّق العدليّ مكمّل!

مع ذلك، تجزم أوساط البيطار أنّ "مسار تعاطي النيابة العامّة التمييزية مع التبليغات بالاستدعاء وقرارات إخلاء السبيل وعدم تجاوب المدّعى عليهم في القضية سيشكّل جزءاً من القرار وسيبني عليه كواقعة لن تلغي صدور القرار الاتّهامي في وقت قريب ولن تعرقله".

يضيف البيطار: "لن يردعني شيء قبل إتمام مهمّتي بإحالة القرار الاتّهامي إلى المجلس العدلي. وسأبلّغ كلّ المستدعين لصقاً من دون الحاجة إلى المرور بالنيابة العامّة".

لكن يجب على المحقّق العدلي إرسال نسخة من القرار الاتّهامي في قضية انفجار المرفأ إلى النيابة العامّة التمييزية لإبداء الرأي وإجراء مطالعة في الأساس قبل صدوره وإحالته إلى المجلس العدلي. وهذه نقطة حسّاسة جدّاً ربطاً بـ "الحرب الساخنة" بين الطرفين، خصوصاً إذا التزم المحقّق العدلي بتنفيذ أجندة عمله التي أباح فيها لنفسه التصرّف كحاكم بأمره و"فوق رؤسائه" والقانون.

في هذا الإطار علم "أساس" أنّ السفيرة الأميركية دوروثي شيا اتصلت بمرجع حكومي ومسؤول أمنيّ بارز وأعربت عن ارتياحها للإفراج عن الموقوفين، خصوصاً أنّ بينهم من يحمل الجنسية الأميركية والكندية

الانقسام إلى مجلس القضاء الأعلى دُرْ

في مقابل قناعة البيطار بدراسة قانونية "قوّمت" العدليّة والأغلبية الساحقة من القضاة ضدّه وأتاحت له استكمال عمله وكأنّ عاماً لم يمرّ من مرحلة كفّ يده، تبرز وقائع يصعب جدّاً تجاوزها وستحكم مسار الانقلاب الذي نفّذه البيطار على مدى الأسابيع والأشهر المقبلة.

لم تنتهِ بعد تداعيات "الأحكام العُرفية" للبيطار، إذ بدأت بانقسام القضاء على نفسه، وادّعاء البيطار وعويدات أحدهما على الآخر، ثمّ إطلاق سراح جميع الموقوفين منذ ثلاث سنوات، وتنتقل اليوم إلى طاولة مجلس القضاء الأعلى في ظلّ مطالبة فريق داخل المجلس بدرس تداعيات قرارات البيطار ولجم تأثيراتها مع تجدّد المطالبة بتعيين قاضٍ رديفٍ إلى حين تعيين محقّق عدلي جديد يتولّى إدارة كامل الملف ويصدر قراره الظنّي.

ويُتوقّع حضور القاضي عويدات جلسة اليوم على أن تتضمّن بنوداً قضائية أخرى خارجة عن إطار تفجير المرفأ وملفّ البيطار. لكنّ معطيات تفيد بأنّ رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود قد يتّخذ قراراً استثنائياً بحسب تطوّرات الملفّ. وعلم "أساس" بقيام أهالي ضحايا المرفأ بتحرّك أمام قصر العدل بالتزامن مع انعقاد الجلسة.

 

حزب الله يُحذّر من "الفتنة"

يُرصد في هذا السياق تعليقٌ لقاضٍ بارزٍ يتكلّم حصراً بلغة القانون بعيداً عن المناخات السياسية التي ترافق ملفّ التحقيقات في انفجار المرفأ: "يُذكّر أداء المحقّق العدلي بـ "حكم القضاة" في فرنسا الذي أدّى إلى حروب سبقت تكريس مبدأ فصل السلطات".

يتخوّف القاضي المعنيّ من الوصول إلى المحظور بسبب تصرّف قاضٍ أطاح بكلّ القوانين وكرّس نفسه "زعيماً" على كلّ السلطات خلافاً لكلّ القوانين والاجتهادات. وفي بلد مثل لبنان يمكن أن تحصل حرب أهليّة على طابور خبز أو تظاهرة في زاروب منطقة تبرز مخاوف حقيقية من أن نصل إلى المحظور.

إقرأ أيضاً: "البيطار غايت": لن يمثل أحد أمام أحلام "الديكتاتور!"

كان لافتاً في الإطار نفسه إشارة محطّة "المنار" التابعة لحزب الله إلى أنّ "ما قام به البيطار طرقٌ لأبواب الفتنة من جديد واستثمار سياسي وفعل تدميريّ للأمل بالتوصّل إلى الحقيقة في قضية المرفأ"، مؤكّدة أنّ "على الجسم القضائي أن يبقى مستنفراً لحماية نفسه وسمعته ووحدته".

يشير قاضٍ آخر إلى ما سمّاه "Fautes Lourdes" (أخطاء جسيمة) ارتكبها البيطار توجب محاسبته عليها. لكن يجب عدم تجاهل المعطى الخارجي المتمثّل في الضغط الفرنسي والأوروبي الذي منح المحقّق العدلي جرعة دعم كبيرة قد تُترجم بتحريك المؤازرة الخارجية عبر إجراءات يتّخذها الإنتربول أو حجز أموال أو عقوبات أو محاصرة المدّعى عليهم بقرارات منع دخول وغيره.

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: [email protected]