facebook عبد اللهيان يدور في المنطقة... للملمة خسائر سوريا

عبد اللهيان يدور في المنطقة... للملمة خسائر سوريا

فلاح الحسن - الأربعاء 25 كانون الثاني 2023

بعد انتهاء معركة حلب ومعارك تأمين الطريق التي تربط الأراضي السورية بتلك العراقية باتجاه معبر القائم - البوكمال والسيطرة على محافظة دير الزور عام 2016، أبلغت القيادة المشتركة للحلف الإيراني، ويومذاك كانت بقيادة قائد قوة القدس قاسم سليماني، أنّها ليست معنيّة بأيّ معركة أو عمل عسكري قد يتمّ الإعداد له لاستعادة محافظة إدلب والمناطق التي تخضع لسيطرة الفصائل الكردية، وسلّمت هذه الجبهة لقوات مشتركة من الجيشين السوري والروسي.

حينذاك فتح الاتفاق الطريق أمام عقد مصالحات سياسية واجتماعية بين الحكومة في دمشق والفصائل التي تجمّعت في إدلب، وساهم المحور الإيراني في هذا التجميع عندما حوّل إدلب إلى منطقة لاستقبال مقاتلي الفصائل الذين خرجوا من كلّ الجبهات القتالية بعد التوصّل إلى تفاهمات فرضتها الهزيمة التي لحقت بهم.

بالإضافة إلى ترك الخيار أمام الجهود الروسية لعقد هذه المصالحات على غرار ما فعلت في المناطق التي تولّت مسؤوليّتها، فإنّ التحالف الإيراني، بناء على أولويّاته المتّصلة بالعلاقة مع تركيا، وعدم رغبته في الدخول في مواجهة مباشرة معها، واكتفائه بتوجيه رسائل بالدم والنار في مواجهة محاولات تركيا التمدّد نحو حلب، تمسّك بخيار تشكيل مسار تفاوضي مع تركيا بالمشاركة مع روسيا. وهو خيار أنتج مسار آستانة الذي بدأ عمله بحضور الفصائل السياسية المعارضة بصفة "مستمع"، ثمّ تحوّل إلى حوار ثلاثي يتولّى التفاهم والتفاوض على المسارات الأمنيّة والعسكرية والسياسية والاجتماعية بدلاً عن الحكومة السورية وقوى المعارضة.

قرّر النظام الإيراني التحرّك باتجاه العواصم المعنيّة، وهذه المرّة من البوّابة اللبنانية، بسبب ضرورة تنسيق موقفها مع حليفها الأبرز والمعنيّ أكثر من غيره بالتطوّرات السورية

مصالحات... ومعارك

في مقابل سياسة المصالحات الروسية، عملت إيران بقدر المستطاع تحت الضربات الإسرائيلية والأميركية على إرساء معادلة عسكرية وأمنيّة على الجغرافيا السياسية السورية، من خلال معارك لعب الدور الأساس فيها حزب الله والفصائل العراقية الموالية لإيران ومجموعات من قوات حرس الثورة الإيرانية المنتدبين في إطار قوّة القدس.

كان الهدف الأساس هو الإمساك بالمناطق الجغرافية التي تصل العراق ودمشق، وتلك التي تربط سوريا ولبنان، لِما لهذه المناطق من دور في العقيدة الاستراتيجية للنظام الإيراني، إذ تشكّل صلة طهران بالبحر الأبيض المتوسط عبر الطريق البرّي الذي يمرّ من العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان، ويساعد على توفير احتياجات هذا المحور العسكرية واللوجستية. أمّا في مناطق الجنوب السوري فعملت وتعمل بهدوء بهدف مراعاة الحساسيّة الروسية، من دون التخلّي عن هدفها في الانتشار والوجود في هذه المناطق التي تسمح لها بتحقيق التماس الميداني مع القوات الإسرائيلية.

 

استنفار.. من "اللقاء الثلاثيّ"

إلا أنّ اللقاء الثلاثي الذي استضافته العاصمة الروسيّة وجمع وزراء دفاع تركيا وسوريا وروسيا، ومعهم قيادات الاستخبارات والأمن، استنفر المخاوف الإيرانية من إمكانية استبعادها أو محاصرة دورها في سوريا تمهيداً لإخراجها من معادلة الحلّ. لكنّ عدم دعوتها شكّل ضربة لمسار آستانة الثلاثي الذي كان المأمول منه العمل على بلورة حلول للأزمات السورية وتعزيز الالتزام الدولي والإقليمي بوحدة الأراضي السورية والمساهمة في إنهاء آخر البؤر الخاضعة لسيطرة الإرهابيين والفصائل المعارضة للنظام السوري التي تهدّد بإمكانية إعادة تنشيط الجماعات المتطرّفة.

في خطوة تعبّر عن حجم القلق لديه من هذا التطوّر، قرّر النظام الإيراني التحرّك باتجاه العواصم المعنيّة، وهذه المرّة من البوّابة اللبنانية، بسبب ضرورة تنسيق موقفها مع حليفها الأبرز والمعنيّ أكثر من غيره بالتطوّرات السورية، فكانت زيارة وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان لبيروت واللقاء الذي عقده مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. وقد وضع عبداللهيان، في تصريحاته من بيروت، الأرضيّة التي سيتباحث على أساسها مع الجانب السوري، وكشف امتعاضاً إيرانياً من استبعاد طهران عن اجتماع موسكو من خلال التذكير بمسار آستانة الثلاثي الذي كان يتولّى التفاوض في مستقبل سوريا بغياب النظام والمعارضة على حدّ سواء. وطالب الوزير الإيراني الحلفاء والأصدقاء في لقاء موسكو بالعودة إلى هذا المسار الذي يحتّم جلوس طهران إلى الطاولة وبمشاركة دمشق هذه المرّة.

وضع الضيف الإيراني على طاولة التفاوض مع دمشق وأنقرة، التي زارها بعد أيام من زيارته سوريا، العديد من الأوراق التي يمكن أن يوظّفها لفرض عودته إلى طاولة التفاوض والمشاركة في جهود التقارب السوري التركي. وذكّر بأنّه أوّل من عمل على تحقيق هذا التقارب والمساعدة، في زمن "المصالحات" المذكور أعلاه، في تدوير الزوايا بين دمشق وأنقرة لإنهاء الجدل في مستقبل المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلّحة الموالية لتركيا، وأيضاً الوجود العسكري التركي في الشمال السوري ضمن سياق يعيد التأكيد على عودة السلطة والسيطرة والسيادة لحكومة دمشق على جميع الأراضي السورية.

فحوى رسالة إيران للعواصم الثلاث دمشق وموسكو وأنقرة أنّ استثناءها من المعادلات الجديدة لن يكتب له النجاح وحسب، بل سيدفعها إلى عرقلته وإفشاله

أزمة الأسد الماليّة

شكّلت الأزمة التي يعانيها ويعيشها النظام السوري إحدى أوراق الضغط الإيرانية التي تسمح لطهران بالتحكّم بمصير خطّ الاعتماد المالي البالغ مليار دولار والذي يشكّل عصباً أساسياً للاقتصاد السوري المأزوم. هذا وتطالب إيران بتسريع السداد السوري للمبالغ المالية المتوجّبة عليه نتيجة تزويده بالنفط الإيراني بأسعار مخفّضة. لذلك ركّز المعلن من مباحثات عبداللهيان مع الأسد على تفعيل اتفاقيات التعاون الاقتصادي والاستثمار في إعادة الإعمار والبنى التحتية. تكتسب هذه المواقف أهمية في هذه المرحلة لأنّ النظام السوري يصعب عليه الاعتماد على الحليف الروسي المأزوم نتيجة العقوبات الغربية التي فُرضت عليه إثر شنّه الحرب على أوكرانيا.

من الأوراق التي قد تستخدمها طهران مع دمشق وأنقرة، تلك التي ترتبط بالعصب الحقيقي للمخاوف التركية، أي ما يتعلّق بنشاط القوى الكردية في الشمال السوري، لِما لطهران من علاقات تربطها ببعض هذه الفصائل. وهي تتسلّح بالدور الذي لعبته في تليين مواقف الأكراد وفي فتح نوافذ حوار بينهم وبين الحكومة السورية، للتوصّل إلى تفاهمات على مستقبل العلاقة بينهما لا تحمل تهديداً لوحدة الأراضي السورية ولا السيادة السورية في المستقبل.

إقرأ أيضاً: عبد اللهيان في لبنان للردّ على السعوديّة ومصر


فحوى رسالة إيران للعواصم الثلاث دمشق وموسكو وأنقرة أنّ استثناءها من المعادلات الجديدة لن يكتب له النجاح وحسب، بل سيدفعها إلى عرقلته وإفشاله. وقد يكون من النتائج الأوّلية لهذه الرسائل تأجيل الاجتماع الثلاثي لوزراء خارجية هذه الدول في محاولة للأخذ بالموقف الإيراني، وهو ما شكّل فرصة لأنقرة لتنسيق موقفها مع الإدارة الأميركية التي أعربت عن امتعاضها من هذا الاجتماع لِما يشكّله من منفذ للنظام السوري في الالتفاف على العقوبات وقانون قيصر، حتى لا يزيد توتّر العلاقات بين أنقرة وواشنطن، أو على الأقلّ لا يمكن استغلاله من قبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لابتزاز الإدارة الأميركية وتوظيف الدور الذي يقوم به في الأزمة الأوكرانية للحصول على المزيد من المكاسب السياسية والاقتصادية والأمنيّة والعسكرية.