facebook لنصغِ للبطريرك..

لنصغِ للبطريرك..

محمد قواص* - الثلاثاء 24 كانون الثاني 2023

لم يكن تطرّق البطريرك بشارة الراعي إلى وجود "مخطّط" لتفريغ المواقع المارونية في الدولة اللبنانية استطراديّاً. حذّر في عظة مُعَدّة ومكتوبة من مخطّط لخلق فراغ في المناصب المارونية والمسيحية "لينتزعوها بالأمر الواقع". قرّر سيّد بكركي، في هذا التوقيت وبناء على معطيات وربّما لغايات معيّنة، إطلاق ناقوس هذا الخطر. 

ليس غبطته محلّلاً سياسياً يطلق آراء تجبُّ ما قبلها، بل إنّه، من موقعه على رأس الكنيسة المارونية صاحبة الباع التاريخي في تشكيل الكينونة اللبنانية، يعبّر عن لحظة قلق يقرّر فيها المسيحيون (وأكاد أقول أجمعين) الانكفاء صوب كنف البطريركية.

 

هواجس البطريرك ومخاوفه

فجأة يتراجع خطاب البطريرك الوطني الشامل ليتعجّل من منبره التنبيه إلى ما يعانيه المسيحيون (من دون غيرهم) وما يخطَّط لهم ولوجودهم ومستقبلهم. وحين يتخوّف غبطته من "مخطّط" فهذا يعني أنّ هناك مخطّطين ومنفّذين، ولأنّ المخطّط يستهدف المسيحيين "حصراً" فهذا يعني أنّ من يقف وراء الإثم غير مسيحي. وإذا ما درجت تيارات سياسية مسيحية على تكرار مسألة التنافر مع المسلمين لشدّ عصبية ما، فإنّ بكركي لطالما حرصت تاريخياً على الحفاظ على موقعها الوطني الرفيع متجنّبة إجمالاً الانخراط في نصوص تكتيكية عارضة. فما الذي يحصل؟

للبطريرك دوافع فرضت عليه الحاجة إلى الانتقال من خياره الداعي إلى مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان، كلّ لبنان، والذهاب باتّجاه خطاب يخشى على المسيحيين وحدهم

للبطريرك دوافع فرضت عليه الحاجة إلى الانتقال من خياره الداعي إلى مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان، كلّ لبنان، والذهاب باتّجاه خطاب يخشى على المسيحيين وحدهم. والأرجح أنّ لغبطته قراءة يجب تفحّصها وأسباباً تستدعي الإصغاء والتأمّل. وقد يكون مطلوباً في هذه اللحظة المسيحية الشاكية عدم استسهال إنتاج ردود فعل عن منابر إسلامية مخصّبة بديباجات دفاعية ومزوّدة بمطالعات اتّهامية تعيدنا جميعاً إلى حقبة نشطت فيها التمارين التي أقحمت البلد في حربه الأهليّة.

قد يكون منطقياً محاججةُ غبطة البطريرك، لكنّ الضرورة تقضي أن نعمل جميعاً على التلاقي مع سيّد بكركي لنقرأ معه تفاصيل ذلك المخطّط والمعطيات المتوفّرة بشأن الضالعين فيه واستكشاف هويّة الذين "سينتزعون" مناصب الموارنة. صحيح أنّ مواقع مسيحية قيادية في الدولة ستشهد شغوراً، لكنّ الأمر ينسحب أيضاً على مواقع أخرى يشغلها موظّفون مسلمون. ومع ذلك من حقّ المسيحيين أن يعبّروا عن حرمان وغبن وخطر لا يعبّر عنها مسلمون. وإذا ما كان مفتاح الهاجس يتناسل من غياب رئيس الجمهورية المسيحي، فحريّ بالجميع أن يجعلوا من شكوى البطريرك حجّةً وحافزاً لإنتاج رئيس جديد تلتحق به عملية سياسية جديدة.

يعبّر البطريرك الماروني عن تلك الخشية الوجودية المسيحية بعد مرور ستّ سنوات قضاها ميشال عون رئيساً للجمهورية. صرف الرئيس السابق عهده زاعماً وفريقه السياسي الدفاع وحدهم عن حقوق المسيحيين. تحالف "الرئيس القوي" مع "الحزب القوي" لاستعادة قوّة مسيحية مسلوبة.

من جهة أخرى، يطرح الأمر أسئلة بشأن التوقيت الذي ظهرت فيه هواجس غبطة البطريرك متزامنةً مع أعراض تفكّك هذا التحالف الذي حكم لبنان طوال عهد. 

لكنّ اللافت أنّ شكوى البطريرك تتصادف (وقد لا تكون صدفة) مع خطة طريق داهمة يجتمع حولها وعي مسيحي مخترِق لتيّارات يُفترض أنّها متنافسة متناقضة. فجأة يظهر نفور من "الصيغة" اللبنانية، سواء من خلال دعوة قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع إلى تغيير "التركيبة" في البلد أو دعوة النائب طوني فرنجية نجل المرشّح الرئاسي سليمان فرنجية إلى دراسة خيار الفدرالية أو ترويج جبران باسيل القديم الجديد لـ"اللامركزية الإدارية والماليّة الموسّعة".
الكُفر بـ"الصيغة"

في لحظة ملتبسة تلتقي أجواء مارونية على رسم البلد على مقاس مأزق يائس يكفر بـ"الصيغة" التي أرساها اتفاق الطائف الذي أنهى حرباً أهليّة والتبشير بصيغ بديلة. يُسِرّ لنا التاريخ بقصص حول توق البطريركية إلى "لبنان كبير"، فيما الحديث عن المخطّط والتركيبة والفدرالية وسيناريوهات أخرى ينزل بفكرة البلد إلى دَرَك لا يليق ببلد الرسالة الذي بشّر به البابا يوحنّا بولس الثاني.

والحال أنّ لبنان، بمسلميه ومسيحيّيه، ارتضى، بدستورَيْه الأوّل والثاني، أن يكون رئيس كلّ البلد مارونيّاً، وهو خيار يعترف بأن لا لبنان من دون دور وازن وقائد لمسيحيّيه. ولئن تتصدّى أصوات مارونية بحزم وحسم ووضوح (من القوات إلى المستقلّين مروراً بالكتائب والمردة.. إلخ) متمسّكة باتفاق الطائف والصيغة اللبنانية التعدّدية ومبشّرةً بالوحدة الوطنية ومنطق الدولة ترياقاً وملاذاً، فإنّ الهروب من متن البلد واقتراح خيارات التشظّي يدفعان إلى استنتاج أنّه قد يكون وراء توقيت الأمر مستجدّ إقليمي دولي ما زال غامضاً.

 

استنفار الأسئلة

يستهجن النائب السابق فارس سعيد في حديثه لـ "أساس" هذا النزوع، مستنتجاً وجود "أزمة وطنية". وما قد يكون مستغرباً يدفعنا إلى تأمّل هذا التدفّق المسيحي من مشارب متنافسة باتّجاه خيار لا يُشتَمّ منه إلا تبرّؤ من معضلة لطالما كان المسيحيون شركاء فيها وبعضهم متواطئ في تورّمها. فكيف يلتقي النافرون من فائض السلاح مع المدافعين عنه في ورشة واحدة ترسم حدوداً بين اللبنانيين وفق مسمّيات مختلفة. ولأنّ التحوّلات لا تستيقظ فجأة، فما الذي استجدّ في هذا العالم يوحي لأصحاب الصيغ المرتجلة بأنّ نظاماً عالمياً هابطاً سيرعى "التركيبات" أيّاً كانت طبائعها.

ما زالت بعض البيئات المسيحية لا تلاحظ أنّ لبنان يقع في منطقة يقطنها مليار وسبعمئة مليون مسلم ينتشرون من ضفاف البحر المتوسط غرباً إلى ضفاف المحيطين الهادئ والهندي صوب الشرق. وهي إن لاحظت الأمر، فإنّها تتخيّله مؤقّتاً عارضاً سينتهي في مرحلة لاحقة. لكنّ تلك البيئات الحائرة لطالما بقيت فرعاً من أصل يعتبر أنّ المسيحيين، ولا سيما البطريركية المارونية التاريخية، جزء أصيل من منطقة فَرضت عليها ضريبة الجغرافيا أن تكون حاضنة لحضارات وأديان ومذاهب وثقافات مكتوب عليها التعايش السلمي ولو مرّت في حقب بتعقيدات ومصاعب.

إقرأ أيضاً: من يستهدف الموارنة في مناصبهم الكبرى؟

بالمقابل تبنّى زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله خطاباً متبرّئاً من أيّ تلميح اتّهامي بوقوف الحزب والشيعية السياسية وراء ما يخشاه البطريرك. لكنّ نصر الله تقدّم في نصوصه مدافعاً عن "المسلمين" من هذا الإثم بما أوحى بقيام جبهة مسلمين يتحدّث زعيم الحزب باسمها مقابل جبهة مسيحية تتشكّل تحت سقف البطريركية. وإذا ما كانت دعوات قديمة إلى عقد "مؤتمر تأسيسي" وعدت بدورها بـ"تركيبة" أخرى للبلد، فحريّ بنا جميعاً أن نخشى هذا النزوع المرتجل، وأن نقرأ بوعي شكوى البطريرك ونحسن فهم حيثيّات "تركيبة" جعجع، وأن نعيد اصطفاف من يؤمنون بالدولة والطائف ووحدة البلد وسيادته، حتى لا تقلب "الصدف" الانفعاليّة سُلّم الأولويّات وتعطِّل المواقف اتّجاهات البوصلة.

 

*كاتب لبناني مقيم في لندن

لمتابعة الكاتب على تويتر: [email protected]