facebook المشروع اللبنانيّ الفاشل ومشروع الحزب الضائع!

المشروع اللبنانيّ الفاشل ومشروع الحزب الضائع!

رضوان السيد - الثلاثاء 24 كانون الثاني 2023

يمكن تلخيص خطة زعيم الحزب المسلّح للنهوض بالبلاد من كبوتها بأمرين: ما سمّاه بالاقتصاد المنتج، والاعتناء بالأراضي الزراعية الشاسعة (!) في لبنان. وإذا تأمّلنا الاقتراحين بسرعة فإنّنا نجد لهما جذراً واحداً يخرج من أرض لبنان الخصبة، ثمّ يجري تصنيعه ليصبح منتجاً للحزب وللنظام السوري ولكلّ عصابات الممانعة.

وهكذا فإنّ الاقتصاد المنتج ليس أهمّ ما فيه أنّ الحزب وأنصاره يعيشون منه وعليه، بل هناك الجانب المهمّ الآخر، وهو خروجه على النظام الماليّ والأمنيّ الأميركي والعالمي وبسلاحين: الكبتاغون والقرض الحسن.

 

نصر الله على مثال القذّافي والأسد وصدّام حسين

مشروع الزعيم المسلَّح أهمّ من مشروع أو مشروعات القادة القوميين التقدّميين مثل حافظ الأسد وصدّام حسين ومعمّر القذافي. فهؤلاء عندما كانوا يدعون شعوبهم إلى مقاومة الهيمنة الأميركية، كانوا ينذرونهم بأنّهم سيلقون ظروفاً ضاغطةً وقاسيةً من الناحيتين الاقتصادية والمعيشية، لكنّ الكرامة الوطنية أهمّ وأغلى. وفي مواجهة تلك الضغوط كان القادة الأشاوس يعرضون النظام الاشتراكي الذي يوفّر الكفاية ويحفظ الاستقلالية. والنظام الاشتراكي كان نظاماً معروف المعالم وطرائق الإدارة. وكان ظهره يستند في البداية والنهاية إلى الاتحاد السوفيتي. فما هو النمط الاقتصادي الذي صاغه نصر الله ومن ورائه الإيرانيون؟ عرفنا الكبتاغون والقرض الحسن، وقبل يومين أخبرنا الأميركيون أنّ هناك سبيلاً واسعاً من العراق لغسل الأموال وتهريبها باتّجاه إيران وسورية، وربّما باتّجاه حزب الله أيضاً.

منذ عام 2000، بل قبل ذلك، انصبّ جهد الحزب المسلّح ونظام الوريث السوري على هدم النظام اللبناني. كان رفيق الحريري يعتقد أنّه أقنع حافظ الأسد أنّ نجاح النظام في لبنان سينعكس نجاحاً على سورية

نصر الله وأرشيف الستّينيّات

لنتوقّف عن المزاح والسخرية: نصر الله يتحدّث بلغة الستّينيّات من القرن الماضي. وعندما يخرج من الأوهام وتزييف التاريخ والحاضر، يذكّر اللبنانيين بالإمكانيات الغازيّة والبترولية في بحر الجنوب. ثمّ يعود إلى الماضي عندما يعتبر أنّ أميركا صارت من الماضي (!). نعم صارت من الماضي، والدليل على ذلك نجاح ممانعة النظام السوري والنظام الحوثي والنظام الإيراني ونظامه هو قبل كلّ شيء وبعده! أين هي النجاحات والشعب الإيراني جائع وفي الشوارع، والشعب السوري تهجّر نصفه، والنصف الذي تحت سيطرة الأسد وإيران جائع أيضاً، وأمّا الحوثيّون فحدِّثْ ولا حرج! وبعد هذا كلّه يأخذ على ما بقي من النظام اللبناني أنّه لا يقبل المساعدة من الجمهورية الإسلامية خوفاً من أميركا!

منذ عام 2000، بل قبل ذلك، انصبّ جهد الحزب المسلّح ونظام الوريث السوري على هدم النظام اللبناني. كان رفيق الحريري يعتقد أنّه أقنع حافظ الأسد أنّ نجاح النظام في لبنان سينعكس نجاحاً على سورية. وكان يستشهد دائماً بسنغافورة وهونغ كونغ وكيف قامت على نجاحاتهما الصين العملاقة. وعندما حقّقت ماليزيا بعض النجاح ودخلت زمرة النمور سارع الحريري إلى دعوة مهاتير محمد رئيس وزرائها يومذاك ليشرح للّبنانيين وللجوار كيف أنهض البلاد المنقسمة على نفسها من كبوتها وصراع إثنيّاتها.

على أيّ حال، ظنّ الرئيس رفيق الحريري أنّه أقنع الأسد الأب بجدوى الرهان على البلد الصغير المبدع والعجائبيّ في قدرته على التجدّد و النهوض. لكنّ الأسد الأب توفّي في مرضه العُضال، وجاء إلى السلطة الوريث حبيب المقاومة، وفُرِض الحصار على مشروع النهوض الحريريّ ليس من أميركا، بل من نصر الله والأسد وأعوانهما ومن لبنان إلى إيران. والزعيم المسلَّح شامتٌ حتى الآن بالحريري القتيل الذي كان يأمل السلام في التسعينيّات والازدهار. وبالطبع كانت هناك أوسلو، والأمل بالدولة الفلسطينية. فماذا لو كان الحريري آمِلاً، ويرجو الازدهار مع السلام؟! وعلى أيّ حال ليدلّنا الزعيم ماذا جلبت حروبه من رفاهٍ وإعمارٍ واستقرارٍ حتى لسادته الإيرانيين؟ ويظنّ المراقبون أنّ تحالف مار مخايل عام 2006 هو الأوّل. وهذا غير دقيق. فقد سبقه منذ عام 1998 "تحالف" لحّود الذي كانت مهمّته عزل الحريري وتهجيره، فلمّا لم يجدوا ذلك كافياً لخنق لبنان الذي يكرهون نجاحه، ما تردّدوا في قتله في شباط عام 2005، ثمّ في احتلال بيروت عام 2008. وبأيّ حجّة؟ هما حجّتان: الأولى والظاهرة منع الوصول إلى المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري. والحجّة الثانية السرّية: ضرب الإعمار الإنساني لوسط بيروت لكي لا يبقى لتسعينيّات النهوض أيّ أثر.

نصر الله والخراب الكامل

ما الذي كان نصر الله وعون يعرضانه على اللبنانيين من خلال تصفية الحريري جسداً ومشروعاً؟ لا شيء على الإطلاق. عون قال إنّه يريد استعادة حقوق المسيحيين من السُّنّة. ونصر الله قال إنّه يريد مقاتلة أميركا وإسرائيل من بيروت بالذات. وها هي البلاد وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً من تحكُّم النصريّين والباسيليّين بمقدّراتها تسقط في خرابٍ كامل. و"النمط" الذي يريدنا نصر الله أن ندخله الآن وبعد خراب البصرة: الاقتصاد الزراعي، والقرض الحسن، وتجارة المخدّرات، ومعاداة العرب. وحتى الغاز والبترول، وقد اتّفق نصر الله من أجلهما مع إسرائيل، كان يمكن اختبار حقيقتهما والحفر والتنقيب عنهما منذ قرابة عقد، وهو يؤمّل اللبنانيين بهما الآن ولن ينكشف الأمر إلا بعد عقدٍ من الزمان إذا بدأت الشركات تعمل الآن. تماماً مثل كهرباء باسيل التي كان نورها سيسطع عام 2015 في أقصى تقدير.

لا أعرف زعيماً عربياً أو غير عربي "أحبَّ" بلده وبني قومه، كما أحبّهم نصر الله! قال لي دبلوماسي لبناني في الإمارات إنّ عدد اللبنانيين العاملين بالدولة بلغ 470 ألفاً. ومثلهم أو أكثر بالمملكة العربية السعودية. وإذا قدّرنا كم عددهم بالكويت وقطر وعُمان فلا شكّ أنّهم يزيدون على مليون بكثير. وبالطبع هناك مليون ونصف أو أكثر في بلدان العالم البعيد. فبذلك لا يكون في لبنان اليوم في أقصى حدّ أكثر من مليونين ونصف، منهم مليونان يفضّلون الهجرة لو استطاعوا. ومعظم هؤلاء تمّ تهجيرهم في عهد نصر الله وعون والحبل على الجرّار كما يُقال.

 

لنصر الله والآخرين قولٌ واحد... أنتم أهل الحلقة المُفرغة

القول المأثور: إذا لم تستحِ فافعل ما شئت! وهذا القول لا ينطبق على الزعيم المسلَّح فقط، بل وعلى معظم السياسيين اللبنانيين على تفاوُتٍ في المسؤوليّات بالطبع.

إقرأ أيضاً: إيران لا تتدخّل في لبنان؟!

الزعيم المسلَّح الذي جعل أميركا وإسرائيل من الماضي، ينصرف كالعادة إلى تعيير بعض العرب الذين يعتبرهم غير ناجحين. فأين هو نجاحك أيّها الرجل وأنت حاكم منذ عام 2008، وما تزال مستمرّاً في زعم الاقتصاد الزراعي والذهاب شرقاً. والحقّ أنّه لا شرق ولا غرب يفيدك أنت الذي أدخلت اللبنانيين والسوريين والعراقيين واليمنيين في هذه الحلقة المفرغة وأنت تبشّرهم بالنجاح الذي يبتعد كلّ يوم. قصّتنا معك مثل قصّة أبي العلاء مع محبوبته الموهومة:

فيا دارها بالخيف إنّ مزارها         

قريبٌ ولكنْ دون ذلك أهوالُ

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: [email protected]