من يستهدف الموارنة في مناصبهم الكبرى؟

من يستهدف الموارنة في مناصبهم الكبرى؟

زياد عيتاني - الثلاثاء 17 كانون الثاني 2023

"إطالة الشغور سيتبعها شغور في كبريات المؤسّسات الوطنية الدستورية والقضائية والماليّة والعسكرية والدبلوماسية، ونحذّر منذ الآن من مخطّط قيد الإعداد لخلق فراغ في المناصب المارونية والمسيحية، وما نطالبه لطوائفنا نطالب به لطوائف أخرى". (البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في عظة يوم الأحد 15 كانون الثاني 2023).

كلام البطريرك الراعي يستحضر ثلاثة أسئلة:

1- هل من مخطّط حقيقيّ لخلق فراغ في المناصب المارونية والمسيحية؟

2- إن كان وجود مخطّط كهذا أمراً صحيحاً، فمن هي الجهة التي تقف خلف هذا المخطّط؟

3- إن كانت المناصب المارونية والمسيحية مستهدفة، فهل الاتّهام موجّه إلى شركاء المسيحيين في الوطن من المسلمين السُّنّة والشيعة والدروز؟

حلّ أزمة الفراغ في المناصب المسيحية الكبرى بيد المسيحيين أنفسهم. فليستدعِ البطريرك أبناء كنيسته من السياسيين الفاعلين وليضعهم أمام واجباتهم كي ينتخبوا رئيساً

 

أزمة الفراغ مسيحيّة

بداية لا بدّ من وضع كلام البطريرك الراعي في موقعه من حيث الزمن والحدث، إذ جاء بعد توقيف ويليام نون، شقيق أحد ضحايا انفجار المرفأ، من قبل جهاز أمن الدولة الذي يرأسه ضابط مسيحيّ كبير هو اللواء طوني صليبا الذي يدين بالولاء لرئيس الجمهورية السابق ميشال عون، وبالتالي للتيار الوطني الحر، كما هو متداوَل ومعروف في كلّ الأوساط.

شكوى الفرقاء المسيحيّين الجديدة من جهاز أمن الدولة التي بدأت مع أحداث الطيّونة في 14 تشرين الأول 2021، هي شكوى قديمة للمسلمين في لبنان، وتحديداً السُّنّة منهم، الذين تضرّروا من هذا الجهاز أكثر ممّا تضرّرت منه أيّ طائفة أخرى، وفي قضيّة الممثّل زياد عيتاني خير مثال.

أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان، التي رأى فيها البطريرك مقدّمة لإفراغ المواقع المسيحية في الدولة، ابتداءً بحاكميّة مصرف لبنان ووصولاً إلى قيادة الجيش، ليست أزمة بين المسيحيين والمسلمين وإن كان للمسلمين موقف ورأي في هذا الشأن. إلا أنّ موقفهم، ابتداء من حزب الله وانتهاء بدار الفتوى، هو موقف مؤثّر، لكنّه ليس بحاسم. دائماً القرار الحاسم هو بمتناول يد المسيحيين، وتحديداً الموارنة أنفسهم. ولا ينتقل هذا القرار إلى جهة أخرى داخلية أو خارجية إلا عند انكفاء المسيحيين.

الإجابة على السؤال الأوّل

أصاب البطريرك؟

يجوز!

هناك مخطّط لإفراغ المناصب المسيحية، وتحديداً المارونية، في الدولة. فَشَلُ مجلس النواب في انتخاب رئيس للجمهورية سيبقي المنصب السياسيّ الأوّل للمسيحيين فارغاً. وهو ما سيستتبع شغور المنصب الماليّ الأوّل للمسيحيين مع انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان، ثمّ انتهاء ولاية المنصب العسكري الأوّل للمسيحيين بوصول قائد الجيش إلى سنّ التقاعد. بالنظر إلى هذه الصورة بشكل جامع وثلاثي الأبعاد سيظهر أنّه من المؤكّد أنّ هناك استهدافاً للمناصب المسيحية في الدولة أشبه بتطهير عرقي داخل الإدارة الرسمية ستكون له تداعيات على الوجود المسيحي برمّته في لبنان.

شكوى الفرقاء المسيحيّين الجديدة من جهاز أمن الدولة التي بدأت مع أحداث الطيّونة في 14 تشرين الأول 2021، هي شكوى قديمة للمسلمين في لبنان، وتحديداً السُّنّة منهم

الإجابة على السؤالين الثاني والثالث

من يقف خلف هذا المخطّط؟ وما هي مصلحته في ذلك سياسياً واجتماعياً واقتصادياً؟ هل من يسعى إلى تغيير صورة لبنان البلد الرسالة الذي تكلّم عنه البابا القدّيس يوحنّا؟ وهل يبقى لبنان إن فقد أحد جناحَيْه؟

إن كان الاستهداف للمسيحيين فهل يقف المسلمون خلف ذلك؟ من المؤكّد أنّ مخطّطاً كهذا لم يُصنع في عائشة بكّار، بل هو مخطّط صُنع في بلدة ذات أغلبية مسيحية من بعض المسيحيين لأهداف شخصية وطموحات فردية.

لطالما قدّم الساسة الموارنة مصالحهم وطموحاتهم الفردية على مصلحة كينونة لبنان والوجود المسيحي فيه. هكذا حصل في ثورة 1958، وهكذا حصل في ما سُمّي بحرب التحرير عام 1989، وهذا ما حصل في التمديد لإميل لحّود ورفض الكنيسة إسقاطه في 14 شباط 2005.

حلّ أزمة الفراغ في المناصب المسيحية الكبرى بيد المسيحيين أنفسهم. فليستدعِ البطريرك أبناء كنيسته من السياسيين الفاعلين وليضعهم أمام واجباتهم كي ينتخبوا رئيساً، فاجتماعهم على كلمة واحدة يُسقط قدرة كلّ النواب السُّنّة على التعطيل أو التأثير. فمَن هو النائب المسلم أو الجهة المسلمة القادرة على معارضة إجماع مسيحي؟

قد يُزعج هذا الكلام البعض، وقد يستنكره البعض الآخر. لكن بيننا نحن المسلمين من أراد أن يتكلّم، وبيننا من يلتزم الصمت منعاً للإحراج.

إقرأ أيضاً: سُنّة لبنان والجيش وقيادته.. حكاية ثقة

استوقفتني التغريدة الأخيرة لشيخ عقل الطائفة الدرزية الدكتور سامي أبو المنى التي تقول: "أحياناً نعبّر بالشعر عن الاستهجان والأسى، ونلوذ بالصمت.. قوم نحبّهم لكنّهم ظلموا فصوّبوا السهم إعلاماً، به انتقموا لكنّنا غالباً بالصمت نغلبهم، فالصمت أفضل ما يُطوى عليه فم".