facebook النساء ومرشد الإعدام.. وشهرزاد ربيع إيران

النساء ومرشد الإعدام.. وشهرزاد ربيع إيران

محمد أبي سمرا - الثلاثاء 17 كانون الثاني 2023

مشهدُ الإعدام شنقاً في ساحةٍ عامّةٍ تصطفّ في جنباتها فرقُ الموت الرسمي، يشبه تجهُّم المرشد المشرف على الإعدام في الجمهوريّة الكالحة.

شُنِقَ حتى اليوم 4 شبّان إيرانيين يتّهمهم قضاء المرشد وقدره بقتلِ رجالٍ من فرق الموت أو القتل المستنفِرة في الديار الإيرانية. وتهديد القضاء والقدر إيّاهما مسلّطٌ على رقاب المزيد من الشبّان في إيران، وربّما شابّاتها، بتهمة احتجاجهم/هنّ مردّدين/ات: "الموت للديكتاتور".

و"الديكتاتور" الذي يهتفون ضدّه يظهر من وقت إلى آخر جالساً كعادته على منصّته وحدَه لا شريك له، وحريصاً على تقشّفها، كأنّها سدرة المنتهى أو الكوكب الدرّيّ في الأفق الجديب المخضّب بالدم. ويروح يتحدّث في ما لذَّ له وطاب من شؤون الساعة. والساعة في تقويمه، على الرغم من تقلّب شؤونها وشجونها وأحوال الدنيا، فريدةٌ، وسلطانها على البشر كيوم الحشر، حين تزلزلُ الأرض زلزالها.

مشهدُ الإعدام شنقاً في ساحةٍ عامّةٍ تصطفّ في جنباتها فرقُ الموت الرسمي، يشبه تجهُّم المرشد المشرف على الإعدام في الجمهوريّة الكالحة

حقد على النساء

ومن أحاديثه الأخيرة:

- قال إنّ قلبه انفطرَ، ويا لهول أن ينفطر قلبُ من أمضى أكثر من 30 سنةٍ يحرسُ هيكل عبادة قوّته الأبدية المقدّسة التي خُصَّ بها وحده لا شريك له فيها، لأنّ شابّة مجهولة من عِباده تدعى مهسا أميني ماتتْ، وقتلها حرّاس هيكله، فأطلق مقتلُها احتجاجاتٍ واسعة ومديدة ضدّ الجمهوريية الكالحة.

- في حديث آخر، بعدما شفى إعدامُ شبّان أربعة من "الخونة" قلبَه من انفطاره، قال إنّ المحتجّين/ات يريدون "القضاء على قوّتنا". وما يدفعهم إلى فعلتهم هذه هو "الغواية" التي تبعثها فيهم وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. ونسي أن يصفها في لغته المعهودة بـ"الشيطانية". ثمّ أضاف مهدّداً متوعّداً: شيطان "الإغواء" الذي يتلبّس "الشبّان المراهقين، لا يمكن" طرده منهم "بالهراوات"، بل بالقتل والإعدام ضمناً.

- في حديث ثالث جمعَ نساءً افترشْنَ الأرض ساجداتٍ حول منصّته، كأنهنّ ديكور سدرة منتهاه، ويلفّهنَّ سوادٌ يناسبُ حضرته الصوفيّة السلطانية المتقشّفة.

قال لهنَّ إنّه، منذ ورث ولايته عن مؤسّس الجمهورية ورائدها الأوّل، مسكونٌ بهاجس تمكين نسائها من وصولهنّ إلى المناصب الرفيعة فيها. منذ أكثر من 30 سنة على جلوسه على العرش لم يتحدّث مرّة عن النساء إلا في معرض زجرهنَّ عن أن يلامس الهواء الحرّ الطلق في الشوارع خصلاً من شعرهنّ. وهو أمَرَ، أخيراً، باعتقال ابنة شقيقته لأنّها تمرّدت مثل أمّها ودعت إلى تحرير هواء بلادها.

ولعلّ مرشد الإعدام، على عكس الشاعر العربي المجنون قيس بن الملوّح الذي أفصح عن حبّه لليلى، كان يكتم هاجسه في تمكين النساء طوال أكثر من 30 سنة، فأضناه الكتمان، لأنّه لم يعثر في الجمهورية الكئيبة على امرأة واحدة تقبلُ تولّي منصب فيها، خشية أن تصير من ذاك الديكور الذي يناسب حضرته السلطوية، فتموت اختناقاً أو كمداً وغمّاً.

شُنِقَ حتى اليوم 4 شبّان إيرانيين يتّهمهم قضاء المرشد وقدره بقتلِ رجالٍ من فرق الموت أو القتل المستنفِرة في الديار الإيرانية. وتهديد القضاء والقدر إيّاهما مسلّطٌ على رقاب المزيد من الشبّان في إيران

ربّما قيل له إنّ نساءً كثيرات مثل شيرين عبادي، صاحبة نوبل "الشيطانية" للسلام، قد فررن من إيران لئلّا يختار تعيينهنَّ في مناصب قاتلة. لذا امتلأ قلبه غيظاً من النساء، مثل سلفه شهريار الذي باشر قتل نساء مملكته، قبل عثوره على شهرزاد. أمّا مهسا أميني، شهرزاد "فجر" إيران منذ عثرتْ فرق الموت على بعض خصل شعرها سافرةً فقتلتها، فصارت هي شيطان الغواية الذي لا دواء له ولا شفاء منه إلا بقتل رواة قصّتها وإعدامهم.


المرشد ووكلاؤه

لربّما تشبه حالُ المرشد المشرف على أحكام الإعدام في غيظه على شهرزادات فجر بلاده، حالَ من لم يحقّق حلمه في الجلوس على كرسي رئاسة لبنان، إلا بعد التحاقه بوكيل المرشد في حارة حريك. وحالما جلسَ الحالم كهلاً مسنّاً على كرسي حلمه، باشرت جمهوريّته "القويّة" بالإفلاس والانهيار. ولمّا سألته صحافية عن مصير البلاد إذا استمرّت في انهيارها، قال لها: إلى جهنّم وبئس المصير. وكان صاحب الوعد بجهنّم قد سبق أن قال لمن لا تعجبهم أحلامه: ألا هاجروا واتركوني وحدي أستمتع بأحلامي. وإن لم أجد أحداً يشاركني متعتي فلديّ الكثير من الأشباح.

إقرأ أيضاً: عام المرأة الإيرانية... ثورة نساء إيران: من الخميني إلى أدونيس والأسد

ربّما هناك شبَهٌ آخر بين مرشد الإعدام ووكيله في لبنان والحالم طفلاً بكرسي رئاسته: كلّما قال أحدٌ في بلادهم كلمة لا تعجبهم، يسارعون إلى القول إنّ العالم كلّه يتآمر عليهم حسداً ممّا حقّقوه من معجزات، فيبادر المقتدر منهم إلى القتل والاغتيال والإعدام.