facebook الصراع السياسيّ والخطر النوويّ

الصراع السياسيّ والخطر النوويّ

محمد السماك - الجمعة 13 كانون الثاني 2023

عندما بدأت الدول الأوروبية مشاريعها النووية لإنتاج الطاقة، كان الهدف الالتفاف على النتائج المدمّرة للبيئة نتيجة الاحتباس الحراري. فالنفط والغاز يساهمان باحتراقهما في تلويث الأجواء بثاني أوكسيد الكربون، العدوّ الأوّل للبيئة وللإنسان.

لكنّ بناء المفاعلات النووية مكلف جدّاً ومحفوف بالمخاطر (انفجار مفاعل تشيرنوبيل في أوكرانيا شاهد على ذلك). مع ذلك تسارع بناء المفاعلات النووية في أوروبا، وخاصة في فرنسا.

 

النوويّ يصبح ضرورةً!

تشكّل المفاعلات النووية اليوم مصدراً لحوالي 25 في المئة من الإنتاج الكهربائي في الاتحاد الأوروبي و10 في المئة في العالم. وبعد أزمة الحرب في أوكرانيا وتوقّف إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، قرّرت عدّة دول مثل بريطانيا وفرنسا بناء مفاعلات نووية جديدة أكبر حجماً وأكثر إنتاجاً للطاقة الكهربائية من المفاعلات الحالية. وكانت ألمانيا بصدد توقيف العمل في مفاعلاتها النووية تجنّباً لمخاطرها، إلا أنّها وجدت نفسها اليوم مضطرّة إلى تشغيلها وبناء مفاعلات جديدة أيضاً. الهند أيضاً قرّرت مضاعفة قدراتها النووية لإنتاج الطاقة في حدود عام 2050.

تحتاج الآن هذه المفاعلات ليس فقط إلى الصيانة، بل إلى إعادة النظر في تشغيلها، تحديثاً وتطويراً وصيانةً، للتأكّد من سلامتها. فالخطأ هنا ممنوع لأنّه كارثي

إنّ أيّ خطأ في تشغيل هذه المفاعل، سواء كان خطأ بشرياً أو تقنياً، من شأنه أن يؤدّي إلى كارثة، بل إلى كوارث. ذلك أنّ الإشعاعات النووية المتسرّبة لا تميّز بين البشر ولا تقف عند حدود الدول.

 

النوويّ خطيئة وخلاص

بدأ التوجّه نحو الصناعة النووية لإنتاج الطاقة بعد عام 1973، وهو العام الذي نجحت فيه الدول العربية في فرض حظر على تصدير النفط إلى أوروبا والولايات المتحدة ردّاً على وقوف هذه الدول وراء الاعتداءات الإسرائيلية. في ذلك الوقت كان النفط العربي وحده يشكّل 70 في المئة من حاجة هذه الدول إلى الطاقة. إلا أنّ التوجّه الأميركي والأوروبي إلى الاستفادة من المفاعلات النووية لبّى حوالي 70 في المئة من حاجة أوروبا إلى الطاقة حينذاك.

غير أنَّ ثمن ذلك كان باهظاً جدّاً. إذ بلغت نفقات بناء المفاعلات 350 مليار دولار (في فرنسا وحدها). وفي عام 1999 بَنَت الدولة الفرنسية ستّة مفاعلات، واحد منها في فرنسا والباقي في دول أخرى، من بينها الصين حيث بنت مفاعلين نوويّين لتوليد الكهرباء.

تحتاج الآن هذه المفاعلات ليس فقط إلى الصيانة، بل إلى إعادة النظر في تشغيلها، تحديثاً وتطويراً وصيانةً، للتأكّد من سلامتها. فالخطأ هنا ممنوع لأنّه كارثي.

لكنّ فرنسا تفتقر إلى اليد الاختصاصية الكافية. فالخبراء الذين عملوا على بناء هذه المفاعلات تقاعدوا، وعندما توقّفت مسيرة بناء مفاعلات نووية جديدة لم يتكوّن جيل جديد من الخبراء كافٍ الآن لتحديث المفاعلات القديمة ولبناء مفاعلات جديدة. علاوة على ذلك تضاعفت النفقات. وتنوي فرنسا، الدولة التي تملك أكبر عدد من المفاعلات النووية في الاتحاد الأوروبي، بناء ثلاث مجموعات نووية تتألّف كلّ منها من مفاعلين جديدين، وذلك خلال السنوات الأربع المقبلة. وتقطف فرنسا الآن ثمرات سياستها النووية، فهي الأقلّ تأثّراً بتوقّف إمدادات الغاز الروسي لإنتاج الكهرباء بسبب ما لديها من مفاعلات نووية منتجة. وتتشجّع لبناء المزيد إدراكاً منها بأنّ الأزمة الحالية مع روسيا ستكون لها آثار سلبية طويلة المدى أيّاً كان مصير هذه الأزمة.

 

الخيار بين أمرين

غير أنّ للرأي العامّ في فرنسا وفي دول الاتحاد الأوروبي الأخرى رأياً آخر. فانتشار المفاعلات النووية يعني انتشار الخطر النووي وتوسّعه. ولذلك تلقى السياسة النووية الفرنسية معارضة شعبية متصاعدة. ولا يكبح من قوّة اندفاع هذه المعارضة سوى التهديد بأنّ البديل سيكون المزيد من تقنين ساعات الإنارة في الشوارع، والكهرباء في البيوت والمصانع التي توفّر العمل لمئات الآلاف من اليد العاملة.

هنا يُطرح موضوع إنتاج الطاقة من المصادر الطبيعية، وخاصة الهوائية والشمسية. والواقع أنّه على الرغم من تقدّم التقنيّات الفنّية، لا يزيد ما يتمّ إنتاجه اليوم على 9 في المئة فقط من الحاجة.

إقرأ أيضاً: الجريمة بين الإرهاب والكراهية!

في عام 2017 بدأ بناء 31 مفاعلاً نووياً جديداً في العالم، منها 27 مفاعلاً بمواصفات فنّية صينية أو روسية. وفي الوقت ذاته يجري العمل على قدم وساق لترميم وتحديث المفاعلات القديمة في العديد من الدول الأخرى شرقاً وغرباً. من هنا السؤال:

أيّهما أشدّ خطراً على مستقبل الحياة الإنسانية: خطأ فنّيّ في تشغيل مفاعل نووي أم خطأ سياسي في فهم وتقدير موقف دولة معادية؟