facebook عام 2022 على لبنان: انقضاء النظام وتصدُّع الدولة

عام 2022 على لبنان: انقضاء النظام وتصدُّع الدولة

رضوان السيد - السبت 31 كانون الأول 2022

لا يمكن متابعة أحداث عام 2022 بدون عودةٍ إلى حدثين مفصليَّين سابقين: ثوران عام 2019، وانفجار المرفأ عام 2020. فقد كان الثوران الذي فشل وتحطّم على صخرة حزب السلاح إيذاناً بتعذّر التغيير من تحت وبالسلم والجمهور. وكان انفجار المرفأ كشفاً صاعقاً عن استخدام الحزب المسلَّح لسائر المرافق (المرفأ والمطار والحدود مع سورية) بما لا يمكن معه بقاء نظامٍ أو دولة. لذلك كانت أهمّ أحداث عام 2022 تداعياتٍ لهذين الحدثين السابقين، وذلك لأربع جهات:

- تداعي السلطة التنفيذية ممثَّلةً برئاسة الحكومة.

- والانتخابات المأزقيّة لمجلس النواب.

- وانهيار السلطة القضائية.

- واتفاقية الحدود البحرية مع إسرائيل.

لو تأمّلنا الوقائع الأربع لوجدنا الحزب المسلَّح حاضراً بقوّةٍ في سائر أحداثها. وليس ذلك بالأمر الغريب أو المفاجئ، فالميليشيات لا تألف الأنظمة أو الدول، وهي بطبيعتها معاديةٌ لها. لا تستطيع من جهةٍ الحلول محلَّها لأنّه يتعذّر عليها القيام بالوظائف الأساسية التي تقوم بها الأنظمة والدول، ولا تستطيع تركها تعمل لأنّ عمل المؤسّسات مُنافٍ لطبيعة وجودها.

حزب السلاح ما فعل شيئاً ظاهراً لتعطيل رئيس الحكومة منذ عام 2016، وإنّما عهد إلى ميشال عون وجبران باسيل بذلك للانتقام لثأرهما المزعوم عند السُّنّة

2005 – 2020: لا محكمة دولية

لنبدأ بالتداعي الأوّل لحدث المرفأ وانفجاره، وهو تصدُّع السلطة القضائية. لقد كان المرفأ مثل الحدود البرّية والمطار في إدارته "مغارة حراميّة". وكان اللبنانيون العارفون بذلك يحسبون أنّ العواقب والمآلات حاضرة وتتمثّل في انهيار الجمارك، وفي صيرورة المرفأ مثل المطار غير آمِنٍ لجهة ما يدخل إليه وما يخرج منه. بيد أنّ أحداً (حتى من العارفين) ما كان يدور في خَلَدِه أنّ الحزب المسلَّح ما كان يستخدم المرفأ للتهريب وإدخال الممنوعات والاستيلاء على نصيب من الجمارك فقط، بل وكان يخزّن فيه الموادّ المتفجّرة أيضاً، التي عمدت إسرائيل إلى تفجيرها! وبمجرّد حصول التفجير دعت جهات عدّة إلى إجراء تحقيق دولي شأن ما حدث بعد التفجير الذي أودى بحياة الرئيس رفيق الحريري عام 2005، لأنّ القضاء اللبناني لا يملك القدرة والتأهّل للقيام بذلك. لكنّ هذا المطلب المحقّ ما كان ليتحقّق لافتقاد الشروط الضرورية لذلك.

في عام 2005 كانت قوى 14 آذار تملك الأكثرية في الحكومة، والأكثرية في مجلس النواب، وطلبت حكومة الرئيس السنيورة التحقيق والمحكمة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتحقّق ذلك بعد نزاعاتٍ وحروبٍ وثوران مخيّم نهر البارد، والحصار الطويل للسراي، ومغادرة الوزراء الشيعة للحكومة، وإقفال مجلس النواب، فاحتلال بيروت.

ما كان شيءٌ من ذلك حاضراً عام 2020 لا في الحكومة ولا في المجلس، وما استطاع رئيس الحكومة المطالبة ولا التفكير في ذلك لأنّ الحكومة كان مستولىً عليها، وهو منهم. ولأنّ الجميع أدركوا بالتدريج أنّ الحزب المسلَّح لن يسمح بذلك، انتهى الأمر بل ابتدأ بالاعتماد على القضاء اللبناني الذي وقع ضحيّة التجاذبات طوال عام 2021. حتى إذا جاء العام 2022 كان القضاء قد تعرقل وتصدّع، وبدلاً من القانون والتحقيق صرنا في تهريج غادة عون المستمرّ حتى اليوم. المدّعي العامّ الاستئنافي في بيروت يقول إنّه لا يملك الصلاحيّات لمحاكمة حاكم مصرف لبنان على سرقاته وغادة عون تحاكم الجميع في كلّ لبنان. ومع أنّ حيلة عون بتعيين قاضٍ مُوازٍ للبيطار لإخراج أنصاره المتّهمين من السجن لم تنجح وبقي "شرفاء" المرفأ التقنيون في السجن، فإنّ القضاء أصابته ضربةٌ في روحه سيكون الخروج منها صعباً. وقد لا يبقى لنا غير "القضاء الشرعي" للحزب المسلَّح!

 

تحطم رئاسة الحكومة

لنمضِ إلى الحدث الآخر الذي لا يقلُّ أهميّةً عن الأوّل، وهو تحطُّم رئاسة الحكومة:

حزب السلاح ما فعل شيئاً ظاهراً لتعطيل رئيس الحكومة منذ عام 2016، وإنّما عهد إلى ميشال عون وجبران باسيل بذلك للانتقام لثأرهما المزعوم عند السُّنّة. والطريف أنّ ما طالب أحدٌ الحكومة بأن تفعل شيئاً في جريمة المرفأ، مع أنّ السلطة التنفيذية التي تتولّاها هي المسؤولة عن أمن البلاد قبل القضاء وبعده. فرئيس الحكومة عندما كان كامل الصلاحيّات ثمّ صار رئيساً لحكومة تصريف الأعمال بعد الانتخابات لم يفعل شيئاً في كلّ الملفّات عام 2022، ولماذا لم يفعل؟ لأنّه لم يعد يملك من القدرات والإرادة ما يمكّنه القيام بشيء. من "تسلّم" صلاحيّاته من دون أن يعترضَ هو أو رؤساء الحكومة السابقون؟ بالطبع عون وصهره ظاهراً وحزب السلاح في الحقيقة الذي يدير البلاد بدون أن يُحاسَبَ على شيء.

لماذا لم يحتجّ السُّنّة فيُضربوا عن الترشّح للرئاسة؟

قيل لأنّهم لا يريدون تحمّل مسؤولية الفراغ، ولأنّهم يخشون أن يصيب وجهاءهم ما أصاب رؤساء الحكومة الثلاثة الذين قُتلوا: رياض الصلح ورشيد كرامي ورفيق الحريري، والآخرَيْن اللذين نُفيا: تقيّ الدين الصلح وصائب سلام. وهكذا كيف تُدارُ البلاد بدون سلطة تنفيذية؟

لا أحسب أنّه ستكون هناك رئاسة حقيقية للحكومة في المدى القريب، لأنّ حزب السلاح هو الذي يتولّاها، ولأنّ رئيس الجمهورية أيّاً يكن إذا كان فلن يقبل رؤساء للحكومة مثل صائب أو رشيد أو الحريري أو السنيورة.

الحقيقة صارت رئاسة الجمهورية أضعف حتى إنّه يمكن أن تغيب بعد مدّة من دون أن يشعر أحدٌ بغيابها. رئيس الجمهورية الحقيقي ورئيس الحكومة الحقيقي عام 2022 و2023 وإلى مدىً لا يمكن تقدير طوله هو زعيم الحزب المسلَّح

جبران وربع النواب المسيحيين

لنصل إلى الانتخابات النيابية عام 2022. على مشارفها ما ظننّا أنّ جبران باسيل سيحصل على 5 نواب. لكنّه حصل على رُبع النواب المسيحيين بمساعدة الحزب، وبسبب الانقسام المسيحي بين أحزاب وتغييريّين. وسيطر الحزب على كلّ النواب الشيعة وبعض السُّنّة والمسيحيين. أمّا التغييريّون الأشاوس فكانوا 13 فصاروا عشرة.

قبل عام 2018 كان حزب السلاح وحلفاؤه يمتلكون الفيتو والثلث المعطِّل.. إلخ. وانتقل الأمر منذ ذلك الحين إلى أن صار خصوم الحزب هم الأقلّية التي إن توحّد أفرادها فبالكاد يستطيعون التفكير في الفيتو أو التعطيل. والذي يحدث الآن في دورات انتخاب الرئيس أنّ الحزب وحلفاءه هم الذين يمارسون التعطيل بالأوراق البيضاء في حين تتآكل جبهة المعارضين حتى يجد الحزب أنّه صار ممكناً له الهجوم بمرشّحه على كرسي الرئاسة. الظاهر للعيان أنّ رئاسة الحكومة في أضعف أوقاتها. وفي الحقيقة صارت رئاسة الجمهورية أضعف حتى إنّه يمكن أن تغيب بعد مدّة من دون أن يشعر أحدٌ بغيابها. رئيس الجمهورية الحقيقي ورئيس الحكومة الحقيقي عام 2022 و2023 وإلى مدىً لا يمكن تقدير طوله هو زعيم الحزب المسلَّح.

 

الاتفاق مع إسرائيل

لنذهب إلى الواقعة الفاقعة عام 2022، وهي اتفاق الحزب مع إسرائيل بوساطة أميركية على ترسيم الحدود البحرية للبنان. تبهْوَرَ علينا عون والنائب الياس بو صعب وباسيل بقيادة المفاوضات مع إسرائيل والتوقيع. وزعيم الحزب المسلَّح لا يُخفي أنّه هو بذراعه صاحب التوقيع.

لماذا تحرص إسرائيل على وجود حكومة لبنانية إذا كان الحزب يستطيع الاتفاق معها ليس على قواعد الاشتباك فقط، بل وعلى قواعد الأمن والسلام وتقاسم الثروات البحرية والبرّية؟ هل نسيتم مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر يا ناس؟!

اخترت أحداثاً أربعةً بارزةً عام 2022 لأوضح كم بلغت سيطرة الحزب المسلَّح على البلاد. أمّا العباد أو المواطنون فيستولي عليهم الانهيار من كلّ النواحي ويتفاقم، وقد كاد النظام السياسي يختفي، وأمّا الدولة فتصدّعت فكرتها ومؤسّساتها. فإلى أين نحن ذاهبون؟

إقرأ أيضاً: لبنان والعرب: الاستقبال الصعب للعام الجديد

نحن ذاهبون إلى مثل مصير العراق أو سورية.

كان الفارابي الفيلسوف يقول: يكون الرئيس ثمّ تكون المدينة وأجزاؤها. عندنا زعيم الحزب المسلّح فليعلن نفسه رئيساً حتى يمكن لمدينتنا ومدنيّتنا أن تعودا! ألا تعرفون أيّها القراء أنّ "المقاومة" ولو كانت وهميّة (العدوّ يقول إنّها حقيقية بدليل أنّها تُجري معه اتفاقيات!) هي أهمُّ من الأنظمة والدول؟!

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: RidwanAlsayyid@