facebook مصر 2022.. الاقتصاد والجماعة والقوّة الناعمة

مصر 2022.. الاقتصاد والجماعة والقوّة الناعمة

أحمد المسلماني* - الأربعاء 28 كانون الأول 2022

في أوائل عام 2022 خسر المنتخب المصري أمام السنغال في تصفيات كأس العالم. أُصيبت مصر كلّها بحزن كبير. كان الناس يبحثون عن سعادة ستغطّي عاماً كاملاً في حال التحقت مصر بكأس العالم في قطر.

بعد الهزيمة بأسابيع كتب نجم كرة القدم المصري العالمي محمد صلاح يقول: "فشلنا في إسعادكم، ونعلم ونقدّر حزنكم، ونعدُكم أنْ نرسم البهجة على وجوهكم.. في ما هو قادم".

تمثّل هذه الكلمات خلاصة المزاج المصري في عام 2022 الذي كان عام تراجع الجائحة وتقدّم الحرب في أنحاء متفرّقة من العالم. كان أيضاً عام اللايقين في مصر والعالم. لهذا يمكن الخروج بخلاصة: الفشل في خلق السعادة، الوعد بعودة السعادة إلى مصر من جديد.

 

100 عام على الاستقلال

شهدت بدايات شهر شباط من العام الحالي خروج مصر من كأس العالم، لكن في أواخر الشهر نفسه كان الاحتفال في مصر بمرور 100عام على الاستقلال. ففي 28 من ذلك الشهر، وقبل قرن كامل من الزمان استقلّت مصر عن الاستعمار البريطاني عام 1922.

كانت بريطانيا قد احتلّت مصر 7 سنوات، وذلك من عام 1914 حين تمّ إعلان الحماية البريطانية على البلاد حتى عام 1922 عندما استقلّت مصر وأُعلن السلطان أحمد فؤاد ملكاً عليها.

شهد خريف عام 2022 أكبر حدث دولي في تاريخ مصر، وهو استضافة المؤتمر العالمي للمناخ، بحضورٍ غير مسبوق من قادة العالم

تمّ تـأسيس وزارة الخارجية المصرية، وافتتاح سفارات مصر في الخارج، والمشاركة في "عصبة الأمم". ثمّ ثبّتت مصر حضورها الدولي بعضويّة الأمم المتحدة عام 1945، وتأسيس الجامعة العربية في العام نفسه.

كان هناك حرج لدى بعض المؤسّسات الحكومية في الاحتفال، ذلك أنّ الشائع أنّ مصر استقلّت عام 1952، وهو أمر غير صحيح، فقد استقلّت مصر قبل ذلك بثلاثين عاماً، وقد احتفلت وزارة الخارجية المصرية رسمياً بمرور 100 عام على الاستقلال، وأضاءت مبناها الشاهق على نيل القاهرة بالرقم 100.

 

ثلاث مصافحات

شهد خريف عام 2022 أكبر حدث دولي في تاريخ مصر، وهو استضافة المؤتمر العالمي للمناخ، بحضورٍ غير مسبوق من قادة العالم، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي جو بايدن.

كانت مصافحة الرئيس عبد الفتاح السيسي للرئيس الأميركي جو بايدن واحدة من مصافحات ثلاث هي الأهمّ في العام الحالي، إذ جرت أيضاً مصافحة مع الشيخ تميم آل ثاني أمير دولة قطر من قبل، ومصافحة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من بعد، لتشكِّل المصافحات الثلاث تحوّلاً مهمّاً في علاقات مصر الخارجية في حقبة ما بعد ثورة 2013.

 

الانحسار البيولوجيّ للجماعة

في العام الحالي رحل الدكتور يوسف القرضاوي الأب الروحيّ لـ"جماعة الإخوان المسلمين" في العالم، وبعده بقليل رحل إبراهيم منير القائم بعمل المرشد العامّ للجماعة في لندن.

هكذا في عام واحد رحل أرفع مسؤول دعوة وأرفع مسؤول تنظيمي في أبرز عاصمتين داعمتَيْن للجماعة: الدوحة ولندن. وهو ما اعتبرته الجماعة خسارة لا يمكن تعويضها، إذ لا يوجد في الجماعة داخل مصر أو خارجها شخص واحد يمكنه ملء الفراغ الذي خلّفه القرضاوي في جغرافيا الإسلام السياسي. ولا يوجد قيادي تنظيمي يمكنه الحفاظ على جسور الجماعة مع حلفائها، واستمرار روابطها مع المؤسّسات والأجهزة الدولية، بمثل ما كان يفعل إبراهيم منير أبرز قادة التنظيم الدولي في تاريخه.

هكذا ستدخل الجماعة عام 2023 وهي تتخبّط بين الفشل واليأس، وتضيق الأرض على فروعها وأعضائها يوماً بعد يوم.

تحدّيات القوّة الناعمة

في كلّ عام تفقد مصر المزيد من كبار نجومها في الأدب والفكر وصناعة التاريخ، وتخسر بالتالي القوّة الناعمة المصرية المزيد من أركانها وأعمدتها الكبرى.

في عام 2022 رحل من صنّاع التاريخ الفريق عبد المنعم خليل عن 100 عام، والفريق عبد ربّ النبي حافظ عن 91 عاماً، وكلاهما من نجوم المؤسسة العسكرية المصرية، وأبطال حرب 1973 المجيدة.

فقدت مصر أيضاً أديبها الكبير مجيد طوبيا، وأديبها العالمي بهاء طاهر، ومخرجها المعروف علي عبد الخالق، ورجائي عطية أحد أبرز أعلام القانون والفكر في مصر.

تعاني مصر منذ رحيل عمالقتها القدامى وعمالقتها المعاصرين من تآكل القوّة الناعمة، بدءاً من طه حسين وعبّاس العقاد وأحمد لطفي السيّد وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومصطفى مشرفة وأم كلثوم إلى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويحيى حقّي ويوسف إدريس وإحسان عبد القدّوس وأحمد زويل وزكي نجيب محمود وعبد الرحمن الشرقاوي. من هؤلاء وهؤلاء تتواصل مأساة الرحيل وصولاً إلى عبد الرحمن الأبنودي وبهاء طاهر ومحمد حسنين هيكل وعاطف الطيّب.

يحتاج عصر العمالقة بأجياله المختلفة ومجالاته المتعدّدة إلى إعادة القراءة من جديد، وإلى البحث في "استراتيجية نخبوية" تُعيد إنتاج صفوةٍ جديدةٍ من قادة القوّة الناعمة.

 

صناعة الأمل

شهدت مصر في عام 2022 نماذج جديدة للجريمة الجنائية لا سابق لها، فهذا رجل قانون يقتل زوجته المذيعة ويغمرها بالتراب في حديقة منزله، وذلك يحمل "الكرباج" ويهاجم مستشفى في مشهد من العصور الوسطى، وثالث يذبح زميلته في الجامعة بدافع العشق والهوى!

لكنّ ذلك كلّه لم يقتل "روح مصر" بعد، ولن يستطيع قتلها في أيّ وقت، فصناعة الأمل هي صناعة مصرية بامتياز، وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية، ودراما الدولار، وأعباء الدولة داخلياً وخارجياً... هناك دائماً أمل.

بعد قليل من الخروج من كأس العالم، انطلق المصريون في حياتهم بعيداً، ثمّ راحوا يشجّعون البلدان العربية الأربعة، وكانت مقاهي مصر تشجّع السعودية والمغرب بمثل ما كانت الرياض أو الدار البيضاء تضجّ بالهتاف.

إقرأ أيضاً: سنة تاسعة ثورة.. هل كانت مصر مستهدَفة حقّاً؟

ومع تآكل القوّة الناعمة المصرية بفعل الرحيل، تولد أجيال من الشعراء والروائيّين، وينتشر علماء فيزياء ورياضيات مصريون حول العالم، عاد بعضهم يشارك في صناعة الأمل. ومع الجرائم المشينة التي وقعت، ارتفعت معدّلات تبرّعات المصريين للأعمال الخيرية.

الأمر كما قال "مو صلاح": "لقد فشلنا في إسعادكم"، لكنّ الأمر أيضاً.. هو اليقين باستعادة الأمل، وعودة الروح.

 

* كاتب وسياسيّ مصريّ. رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجيّة. عمل مستشاراً للدكتور أحمد زويل الحائز جائزة نوبل في العلوم، ثمّ مستشاراً للرئيس المصري السابق عدلي منصور.

له العديد من المؤلَّفات البارزة في الفكر السياسي، من بينها: الحداثة والسياسة، الجهاد ضدّ الجهاد، معالم بلا طريق، أمّة في خطر، الهندسة السياسية.

لمتابعة الكاتب على تويتر: Almoslemani@