facebook أهل السُّنّة في لبنان..واستقبال الجديد

أهل السُّنّة في لبنان..واستقبال الجديد

رضوان السيد - الثلاثاء 27 كانون الأول 2022

تجدّد تفاؤلي بأوضاع أهل السُّنّة في لبنان بعد انتخابات مفتي المناطق. وبصراحة كنتُ متوجّساً بسبب صعوبة الظروف، وشدّة التنافس. لكنّ المفتي عبد اللطيف دريان، وهو أعرف بالبيئة الدينية منّا، أصرّ على إجراء الانتخابات بعد أن غابت أربعين عاماً، وصارت أكثر المناطق بدون مفتين محليّين.

جرت الانتخابات وشاركت فيها الهيئات الناخبة من المشايخ ورؤساء البلديات وفئات أخرى، ولم تحصل فيها ضربة كفّ، كما يُقال، وكلّ الفائزين هم من المعتدلين الأكفياء وذوي السمعة الحسنة. والمفتون المحليون يتولّون مهمّاتٍ في مناطقهم وفي المركز، وهم أعضاء المجلس الاستشاري لمفتي الجمهورية.

 

استهداف أهلُ السُنّة

في غيابهم الطويل في عددٍ من المناطق، ازداد التسيُّب في المدارس والمعاهد الدينية، وتزايدت سمعة التشدّد والتطرّف لدى أهل السُّنّة، مرّةً مدفوعة بالاختلاط مع المخيّمات الفلسطينية، ومرّةً بسبب الحرب بل الحروب في سورية، ومرّةً ثالثةً بسبب تلاعب الأجهزة الأمنيّة وتعظيم الجُنح إلى ارتكابات، واختراق أطراف سياسية ومذهبية في المجتمعات وفي أوساط رجال الدين في كلّ المناطق، وبخاصّةٍ في مناطق لبنان الشمالي. ولستُ أزعم أنّ كلّ المشكلات التي لها علاقة بالدين حقيقةً أو وهماً ستُحلُّ بانتخاب المفتين، لأنّ المشكلات كثيرة ومتفاقمة. لكنّ الذي أراه أنّه صار هناك مسؤولون يمكن الرجوع إليهم، ويجب علينا جميعاً مساعدتهم على إعادة الانضباط ليس في أوساط رجال الدين بالدرجة الأولى، بل في المجتمعات المحلّية. لقد تبيّن أنّ الجسم الديني السنّيّ ما يزال سليماً، وستزداد سلامته بوجود المفتين المسؤولين الذين حصلوا على أكثريّات من جانب زملائهم، فما كانوا متطرّفين ولا دعموا متطرّفاً.

لقد تعوّدنا في لبنان وفي أوساط أهل السنّة بالذات على التوافق. وحتى بين السياسيين من أهل السنّة لا يوجد انقسامات كبرى

الآمال المعقودة على المُفتين

لقد داهمتنا وفاة الشيخ خليل الميس مفتي زحلة والبقاع الذي كان حاضناً للجميع ولأزهر البقاع الكبير الذي أسّسه وقاده على مدى أربعة عقود. والآن وصل للإفتاء الشابّ العالِم الخَلوق وشيخ القرّاء بالبقاع الدكتور علي غزّاوي الذي كان الشيخ الميس قد عيّنه على رأس لجنةٍ لإدارة الأزهر، وهو ذو صدقية وشعبية في البقاع كلّه. سيظلّ الأزهر بفضله محفوظاً ومحضوناً. وفي راشيا وصل بشبه إجماع الدكتور في الشريعة وفيق حجازي الذي يرجى منه خير كثير للمنطقة المهملة. وفي عكار (وبعد تنافسٍ محموم) وصل الشيخ العالِم زيد بكّار زكريا، وهو معروفٌ منذ عقدين برعايته للشأن الديني وعلماء الدين بالمنطقة. وقد وعدني منذ سنين أن يعمل على بناء دارٍ للفتوى بعكّار إذا وصل للإفتاء. ومفتي طرابلس المنتخب الشيخ محمد إمام هو نفسه الذي كان مفتي الجمهورية قد كلّفه بالمهمّة بعد انتهاء مدّة الشيخ مالك الشعّار. والآن صار منتخباً، وهو حسن العلاقة بكلّ الأطراف. وما يزال شيخنا سليم سوسان مفتياً بصيدا، وهو ركنٌ ركين.

 

التوافق من طبائع السُنّة ونِصَابهم السياسي حاضر

لقد تعوّدنا في لبنان وفي أوساط أهل السنّة بالذات على التوافق. وحتى بين السياسيين من أهل السنّة لا يوجد انقسامات كبرى. لكنّ الانتخابات تجلب أيضاً توافقاً أو توافقات. وقد تشاءمْنا أكثر من اللازم بانسحاب سعد الحريري. ولم نرضَ عن نجاح بعض مَنْ نجحوا في الانتخابات. إنّما الأهمّ أنّه بهمّة المفتي دريان ودعوته بكثافة إلى الانتخاب وعدم المقاطعة، راوحت نسبة الناخبين بين كونها مقبولة وجيّدة.

تشاءمت شخصيّاً بالتشرذم وبالتغييريّين، لكنّ السواد الأعظم من النواب الجدد حضروا إلى دار الفتوى عندما دعاهم مفتي الجمهورية إلى التشاور في الطريق إلى تشكيل نصاب سياسي في انتخابات رئاسة الجمهورية، واستطراداً إمكان بروز شخصيات لرئاسة الحكومة. وإلى اجتماع السواد الأعظم بدار الفتوى، لدينا الإجماع الذي لا يمكن تجاهُلُهُ على الطائف والدستور. فقاعدة النصاب السياسي حاضرةٌ ولا خلاف عليها لا من الناحية الدستورية ولا من الناحية العملية.  

إلى هذا كلّه هناك الروح النهضوي الذي يسود في المؤسسات الإسلامية مثل جمعية المقاصد، ودار الأيتام، ودار العجزة، والمسار المستقيم لجامعة بيروت العربية.

النقص تعليمي ومعيشي وإجتماعي

نحن محتاجون إلى اندفاعةٍ في المؤسسات التعليمية الإسلامية، التي يتخرج فيها القضاة والأئمّة ومدرّسو الفتوى ومفتو المناطق ومفتي الجمهورية، ومحتاجون إلى عنايةٍ أكبر وأكثر فعاليّة بالنشاطات الاجتماعية، فالتصدّع الاجتماعي والمعيشي نال من كلّ اللبنانيين، وأكثر ما نال من أهل السنّة، وما أمكن حتى الآن تنظيم نشاطٍ محسوسٍ يُحدثُ فرقاً في أوضاع الناس المعيشية المتردّية.

سيبتسم بعض القرّاء عندما أذكر بين أمائر النهوض موقع "أساس" باعتبار أنّني أكتب فيه. لكنّه أمارةُ نهوضٍ بالفعل في هذه الظروف الصعبة. المصريون والسعوديون والإماراتيون ولبنانيون وعرب في المهاجر يسألونني عن مقالاتي في "أساس" ومقالات غيري ممّن لم يكونوا يعرفونهم من الكتّاب الجدد، ومقالات تلك النخبة من الكتّاب العرب.

إقرأ أيضاً: النصاب السياسيّ والنصاب الوطنيّ.. أين أهل السُنّة؟!

سيقول قرّاء عديدون إنّ لبنان كلّه ليس بخير، فكيف يكون أهل السنّة من بين اللبنانيين في حالة نهوض؟ الواقع أنّ الأمر لم يصبح "حالةً" بعد، ولن يصبح كذلك إلّا إذا تحسّنت أحوال لبنان بعامّة أو بدت بشائر بالأفق. لقد بعثت تصريحات الرئيس الفرنسي قبل أيام رسائل تشاؤم. والذي أقوله في معرضٍ آخر إنّه من الناحية السياسية بل والاجتماعية/الثقافية لدى أهل السنّة أمائر حكمةٍ وصحوةٍ يستيقظ عليها المجتمع المديني على الرغم من فظاعات الجاري في بلادنا ومن حولنا. وفي النهاية مجتمعاتنا مجتمعات عريقة، ولا يمكن أن تتحوّل إلى مَرقبٍ فقيرٍ ومرتاع همّه الوحيد تأمّل صعود أسعار الدولار إلى أجواز الفضاء!

مجتمعاتنا وبلادنا ليست بخير، لكنّنا ما نزال نفكّر ونعمل ونأمل بالمستقبل. وقد أوردْتُ شواهد على ذلك لا يمكن إنكار دلالاتها.

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: RidwanAlsayyid@